مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
قراءة جديدة للمحاضرات العشر
 
رعد، انعام
 

 

 

أجازتها السلطات العُليا في الحزب السوري القومي الاجتماعي

 

 

أيلول 1976

 

 

منشورات عمدة الثقافة

 

 

في الحزب السوري القومي الاجتماعي

 

 

جميع الحقوق محفوظة

 

بيروت في 25 أيلول 1976

 

طبعت بإشراف عمدة الثقافة

 

في الحزب السوري القومي الاجتماعي

 

 

 

 

 

 

 

في السجن في أواسط الثلاثينيات وضع سعاده "شرح المبادئ"، وبعد عشر سنوات ونيّف في 1948، ألقى سعاده بعد عودته من المهجر "المحاضرات العشر"، وهي توسُّع في شرح المبادئ والتعاليم السورية القومية الاجتماعية.

 

ومِن درس هذا الشرح المتوسّع والمعمَّق للتعاليم تتبين الخطوط الكاملة لمنهجية سعاده، فهو أولاً، استند إلى مصادر أخرى من تراثه كانت قد صدرت في تلك المرحلة منها "نشوء الأمم" الذي يستشهد به سعاده في مواضع عدة من "المحاضرات العشر"، لإضاءة المفهوم إلى الشأن القومي. ومنها فقرات من كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري"، لإضاءة المفهوم الفلسفي القومي الاجتماعي إلى مسألة النظرة للحياة، وهي المسألة التي يطرحها شرح التعاليم في 1947، وتتوسّع فيها "المحاضرات العشر". كما تستند "المحاضرات العشر" إلى نصين من آثار الزعيم ينشران بكاملهما مع شرحهما كجزء متمم لفهم التعاليم السورية القومية الاجتماعية، وهما الخطاب المنهاجي الأول في حزيران 1935، ورسالة الزعيم إلى محاميه من السجن حول الغرض من إنشاء الحزب، فضلاً عن فقرات من رسالة الزعيم إلى النزالة السورية في أعقاب وفاة والده العلامة الدكتور خليل سعاده.

 

 

أ – مقولة الدورة الاجتماعية الاقتصادية

 

1 – وحدة الوطن الطبيعي وإيضاح الحدود الشرقية:

 

إيضاحاً لحدود الوطن الشرقية التي كانت في النسخ الأولى تنص على "الالتقاء بضفاف دجلة" شاملة معظم العراق من دون حسم حول الحدود الطبيعية الشرقية التي أوضح الزعيم في 1947، على أن جبال البختياري – زغروس هي الفاصل الطبيعي بين الهلال السوري الخصيب وإيران، شاملاً العراق كله في الوطن السوري الطبيعي.

 

ويقول شرح التعاليم الصادر في 1947 حول هذا الشأن: "إن تحقيقي أثبت وحدة البلاد وأعطى الدليل الصحيح لوضعها وأسباب تجزئتها الخارجة عن حقيقتها. فثبّتّ منطقة ما بين النهرين ضمن الحدود السورية وأصلحت التعبير الأول "ضفاف دجلة" الذي كنت اعتمدته، بجعله أوضح وأكمل بإعطائه مدى معنى منطقة ما بين النهرين التي تصل حدودها إلى جبال البختياري إلى الجبال التي تعيّن الحدود الطبيعية بين سورية وإيران".

 

وأهمية هذا الإيضاح للحدود الشرقية الذي اعتبره الحَرفيون من أعداء الحزب والحَرفيون المنحرفون عن الحزب الذين طردهم سعاده، نقضاً لمبدأ الحدود الطبيعية، أنه أولاً، يؤكد منهج سعاده العلمي التحقيقي الذي يخضع كل المعطيات للدرس الموضوعي بحثاً عن الحقيقة، وثانياً أنه استندَ في تعديل وتصحيح مدى الحدود وفعاليتها، إلى نظرته الأساسية إلى الشأن القومي الموضحة في "نشوء الأمم" وهي "الاتحاد في الحياة...." و"شرط المجتمع، ليكون مجتمعاً طبيعياً أن يكون خاضعاً للاتحاد في الحياة والوجدان الاجتماعي، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة واحدة تشمل المجموع كله، وتنبّه فيه الوجدان الاجتماعي". ("نشوء الأمم" صفحة 165).

 

وعلى قاعدة هذا الطرح، أوضح سعاده في شرح التعاليم الصادر سنة 1947، بصدد "اتحاد الحياة" بين طرفَي الهلال الخصيب ما يلي:

 

"وزاد الطين بلّة هجوم الصحراء ودخولها في تجويف الهلال السوري الخصيب بعامل تناقض السكان وتقلص العمران بسبب الحروب والغزوات وبعامل قطع الغابات وتجريد مناطق واسعة جداً من البلاد من حراجاتها، وإن عدم وجود دراسات سابقة موثوقة في أسباب زيادة الجفاف في تجويف الهلال السوري الخصيب وتناقص العمران فيه ساعد على اعتبار التمدد الصحراوي حالة طبيعية دائمة. الأمر الذي أثبت بطلانه تحقيقي الأخير".

 

ويقول سعاده في "المحاضرات العشر" حول بادية الشام التي تتوسّط العراق والشام: "مع ذلك فهي صالحة لاستعادة الخضرة بنهوض الثقافة السورية والعمران السوري من جديد ووسائل الريّ من دجلة والفرات تفتح مجال إمكانيات زراعية عظيمة لهذه البقعة. وإذا أمكن تحريج المناطق المحيطة بهذه الثغرة المقفرة تعدّل الإقليم بكثافة الرطوبة في الهواء وزادت الأمطار".

 

يتبين من هذه النصوص مصداقية القاعدة التي وضعها سعاده في "نشوء الأمم" والتي تقول حول الحدود الطبيعية: "وبقدر ما هي الحدود الطبيعية وبقدر ما هي الحدود جوهرية لصيانة المجتمع من تمددد المجتمعات الأخرى القريبة منها كذلك هي، إلى درجة أعلى، طبيعة الأمة ومواردها. فالأمة تكون قوية أو ضعيفة، متقدمة أو متأخرة، على نسبة ممكنات بيئتها الاقتصادية ومقدراتها على الانتفاع بهذه الممكنات والإمكانيات"، وفي المكان نفسه (نشوء الأمم، صفحة 166)، يقول سعاده: "إن الأمة قادرة على تكميل مواردها وممكناتها".. ويقول في (نشوء الأمم، صفحة 68): "إن التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، لأن الطبيعة والجغرافية.. لا تقدّمان الاضطراريات إلا نادراً وفي حالات استثنائية، ولكنهما تقدمان إمكانيات".

 

من كل هذه النصوص يتبين أن نظرة سعاده إلى الشأن القومي على مقولة الدورة الاجتماعية الاقتصادية حصيلة التفاعل بين الجماعة القومية وبيئتها الطبيعية، وأن البيئة الطبيعية ضرورية لنشوء الأمة. ولكن الأمة متى نشأت ونمت تستطيع أن تعدل لا في حدودها فحسب بل في فعالية دورتها الاجتماعية الاقتصادية وفعلها في موارد بيئتها وتربتها. وهذه نظرية حركية للشأن القومي منافية لفكرة الحتمية الجغرافية رغم استنادها الأساسي للواقع الجغرافي من حيث إنه الإطار الماديّ الذي تنشأ فيه دورة العمران القومية.

 

وعلى قاعدة هذه المقولة الأساسية التي طرحها سعاده بكل جلاء في كتابه "نشوء الأمم" أكمل دراسته حول امتداد دورة الحياة القومية بين طرفي الهلال الخصيب التي أكدت أن بادية الشام لم تكن حائلاً طبيعياً دون امتداد العمران والاتحاد في الحياة. من هنا إن ما أضافه سعاده في 1947 إلى شرح المبادئ، وفي 1948 في "المحاضرات العشر"، حول هذه المسألة لم يكن تعديلاً في النظرة السورية القومية الاجتماعية بل تطبيقاً لها كاملاً وشاملاً على مسألة الحدود الشرقية. وعلى أساس هذه القاعدة ومنهجها التحليلي نستطيع دوماً أن ندرس أحوال مجتمعنا السوري وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى. وعلى قاعدة "الاتحاد في الحياة"، أي الدورة الاجتماعية الاقتصادية، أي التفاعل بين الجماعة القومية وبيئتها الطبيعية، نفهم كل نظرة سعاده إلى الشأن القومي التي تنتظم المبادئ الأساسية للحزب السوري القومي الاجتماعي والتي هي تطبيق ميداني لهذه النظرة الأساسية على المجتمع القومي في سورية الطبيعية.

 

ويقول سعاده: "وإن الترابط بين الأمة والوطن هو المبدأ الوحيد الذي تتمّ به وحدة الحياة. ولذلك لا يمكن تصوّر متّحَد إنساني اجتماعي من غير بيئة تتمّ فيها وحدة الحياة والاشتراك في مقوماتها ومصالحها وأهدافها، وتمكّن من نشوء الشخصية الاجتماعية التي هي شخصية المتحَد، شخصية الأمة". وبهذا تتأكد قاعدة الترابط بين الأمة والوطن وحدة الحياة الناشئة عنها والتي تنتظم بها كل المبادئ الأساسية.

 

 

2 – مقولة الدورة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة والعالم العربي:

 

على أساس هذه القاعدة العلمية تميّز فكر سعاده القومي عن كل فكر قومي معاصر خاصة في العالم العربي. وكان رفضه للدعوات الرومانسية التي مدّت حدود الأمة على المدى اللغوي أو العنصري أو الديني، مسقطة دونما اعتبار تكامل الدورة الاجتماعية الاقتصادية ومسبباتها وعواملها. كان رفضاً مستشرفاً للفكر المسؤول عن نكسة التجارب الوحدوية المتسرعة التي أغفلت في فكرها القومي الواقع الاجتماعي وشروطه المادية في العالم العربي بعد استشهاد المعلم. وإن القومية الاجتماعية بمضامينها الفلسفية والعلمية تقدّم منهجاً كاملاً للتحرك الوحدوي في العالم العربي كله وليس في سورية الطبيعية وحدها.

 

إن رفض سعاده هو لمقولات الفكر القومي الرومانسي، كما طرحها منظّروه في الثلاثينيات والأربعينيات مرتكزة إلى النعرات العنصرية اللغوية أو الدينية على أنها الروابط الأساسية للشأن القومي. يقول سعاده في كتاب "التعاليم السورية القومية الاجتماعية": "إن هذا المبدأ ينقذ سورية من النعرات الدموية، التي من شأنها إهمال المصلحة القومية العامة والانصراف إلى الانشقاق والفساد والتخاذل. فالسوريون الذين يشعرون ويعرفون أنهم من أصل آرامي لا تعود تهمهم إثارة نعرة دموية آرامية ضمن الأمة والبلاد ما دام هنالك أتباع لمبدأ الوحدة القومية الاجتماعية والتساوي في الحقوق والواجبات المدنية والسياسة والاجتماعية، بدون تمييز بين فارق دموي أو سلالي سوري. ولذلك الذي يعلم أنه متحدر من أصل فينيقي (كنعاني) أو عربي أو صليبي لا يعود يهمه سوى متحَده الاجتماعي الذي تجري ضمنه جميع شؤون حياته والذي على مصيره يتوقف مصير عياله وذريته وآماله ومثله العليا. هذا هو الوجدان القومي الصحيح".

 

ويرى سعاده أن الجدل بين دعاة الأصل الفينيقي والأصل العربي الذي كان سائداً في الثلاثينيات والذي هو أصل الجدل المستمر على الأصل الكردي والأصل الآشوري والأصل العربي والأصل الفينيقي، "جدل عقيم يُهمل الواقع المحسوس ويثبت باللاحسي – جدل يحل علم الكلام محل علم الاجتماع" (المحاضرات العشر صفحة 60).

 

الطريق العلمي والعملي للخلاص من هذا التمزّق هو التسليم بأن "لا حاجة إلى أصل واحد لنشوء الأمة، لنشوء القومية. فالأمة موجودة بتفاعلها ضمن بيئتها ومع بيئتها". وإن أصل الأمة الوحيد هو وحدة حياتها". (المحاضرات العشر، صفحة 62).

 

إن مفهوم الدورة الاجتماعية الاقتصادية، الاتحاد في الحياة هو ردّ سعاده العلمي على النزعات والنزاعات العنصرية. إنها الدورة الصاهرة لمختلف السلالات والأصول الدموية، وهذا هو المفهوم الأساسي، وسعاده يرفض على قاعدة هذا المفهوم النظريات العنصرية اللغوية سواء السامية أو الآرية، ليؤكد أن الأمم هي مزيج من مختلف السلالات الأساسية، ولكنّه يؤكد تمايز المزيج السلالي في كل أمة ومما لا شك فيه أن الأمم هي مجموعات من المزيج السلالي المتجانس في تركيبه والمختلف عن المجموعات الأخرى، وهذه حقيقة علمية موضوعية، أما تأثير هذا المزيج سلباً أو إيجاباً على الصعيد الاجتماعي فأمر في الأخير يخضع لتطور علمَي الانتربولوجيا والاجتماع. وإن سعاده لا يقدم نظرية سلالية، وهو الذي أكد أن أمَّ بوتشكين الزنجية لم تمنع نبوغه. (راجع نشوء الأمم)، لكنّه يقدّم نظرية اجتماعية تقوم على مبدأ التفاعل والدورة الاجتماعية الاقتصادية. ويقول: "وبناءً على ما تقدم نرى أن الاجتماع البشري ويقسم إلى نوعين رئيسيين الاجتماع الابتدائي ورابطته الاقتصادية والاجتماعية هي رابطة الدم، والاجتماع الراقي ورابطته الاقتصادية الاجتماعية مستمَدّة من حاجات الجماعة الحيوية للارتقاء والتقدم بصرف النظر عن الدم ونوع السلالة. وفي الاجتماع الأول تقع الشعوب والقبائل التي هي في بداوة أو بربرية، وفي الاجتماع الثاني تقع الشعوب التي أخذت بأسباب الحضارة وأنشأت الثقافة". (نشوء الأمم صفحة 58).

 

إن سعاده يعتبر أن الشعوب التي تتخذ رابطة الدم أساساً هي شعوب متخلّفة وبربرية بينما الحضارة حلول الرابطة الاجتماعية الاقتصادية المستمدّة من "حاجات الجماعة الحيوية للارتقاء والتقدم بصرف النظر عن الدم والسلالة".

 

ويرفض سعاده المفهوم الديني للفكرة العربية "ومنها العروبة المصرية السياسية وغرضها إيجاد خلافة محمدية في مصر تضم إليها ما أمكن من الأقطار المجاورة. وقد قرّر قرن هذه العروبة بطلب إلحاق فلسطين بمصر وتفكيك الوحدة السورية" (الإسلام في رسالتيه، صفحة 206) وهذا كُتب في الفترة الزمنية 1941 – 1942. "وهذه العروبة الدينية التي تزيد الشقاق والتنافس بين الأقطار العربية، وتمنع التفكير القومي من النمو وفتح الآفاق للأمم العربية اللسان هي نكبة أو لعنة لجميع الأقطار العربية على السواء". (المصدر نفسه).

 

كما يرفض سعاده هيمنة قطر عربي على سائر الأقطار أو هيمنة الرأسمالية في قطر عربي على العالم العربي كله تحت غطاء شعار الوحدة العربية. وهو بذلك يستشرف تجارب وحدوية تعثرت بعد استشهاده، فيقول: "فمنها العروبة المصرية الاقتصادية التي تقصد سورية وغيرها تحت سلطة الرأسمال المصري بواسطة المصارف المصرية وغيرها من الشركات". (ص. 206). إن رفض سعاده لمقولات الفكر الرومانسي أو لمحاولات الهيمنة القُطرية باسم الوحدة العربية وتحت غطاء شعاراتها من دون توفر المقومات الاجتماعية الاقتصادية لقيامها، إنما هو يستند إلى نظرية سعاده في الدورة الاجتماعية الاقتصادية أساساً للبنيان الوحدوي، وهو بالتالي لا يدعو إلى تجزئة عالم عربي موحّد، بل يدعو إلى توحيد عالم عربي مجزأ وفق منهج علمي يأخذ بالواقع الاجتماعي أساساً للتحرك الوحدوي.

 

وهذه حقيقة أغفلها جميع المتشنّجين ضد فكر سعاده الوحدوي الذين اعتبروا في شذوذهم الرومانسي وكأن سعاده يمزق وحدة عربية قائمة إلى وحدات طبيعية، مع أنه يسعى لتوحيد العالم العربي في وحداته الطبيعية وعلى أساس دوراتها الاجتماعية الاقتصادية ناقضاً مفاعيل التجزئة الاستعمارية الاصطناعية ضمن هذه الوحدات الطبيعية فتشد هذه الوحدات الطبيعية ليس في سورية فحسب، بل في المغرب ووداي النيل والجزيرة العربية، ومع موقف إيجابي من الروابط العربية التي تشد هذه الوحدات الطبيعية، معتبراً منذ ذلك الزمن المبكر في 1932، أن الجبهة العربية علاقة حتمية بين المجتمعات العربية. فهو في أوج نضاله القومي ضد الاستعمار الفرنسي والبريطاني في سورية الطبيعية في الأربعينيات يقول: "إن الحزب السوري القومي الاجتماعي يقول بتوحيد جبهة الشعوب العربية ما أمكن، أما غيرة هذا الحزب على كرامة العالم العربي وتعاون أقطاره فأمر ثابت في صلب خطته السياسية. وإني أكرر هنا ما قلته سابقاً إنه متى كان الموقف متعلقاً بكرامة العالم العربي كله، فنحن جبهة العالم العربي وسيفه وترسه ونحن حماة الضاد ورافعو لواءها". (جريدة الزوبعة – آذار – 1943).

 

ومن الطبيعي أن العلاقات العربية والمصالح العربية المشتركة نمت نمواً أوسع باضطراد التطور، مما جعل صيغ التوحيد تخضع لنمو وتشابك المصالح العربية المشتركة، ولقد استشرف سعاده هذه الظاهرة عندما أعلن في النص المشار إليه أعلاه دعوته "لتوحيد جبهة الشعوب العربية ما أمكن" جاعلاً الإمكان هو القاعدة لنسبة التوحيد، وهذا الإمكان مستند إلى قاعدة الدورة الاجتماعية الاقتصادية التي لم يجد سعاده أنها واحدة في العالم العربي ولو وجدها كذلك، لكان نادى بالمجتمع العربي الواحد. ومن هنا كان اعتراضه على الفكر الرومانسي ودعوته "التي تهمل المبادئ الجغرافية والإقليمية والسلالية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية الاجتماعية، أي جميع العوامل التي توجد الواقع الاجتماعي وتتكفل بحفظه" (الإسلام في رسالتيه – صفحة 213)، ولذلك يرى أن وضع الأقطار العربية "الجغرافي ومعدل كثافة سكانها وإمكانياتها الاقتصادية لم تؤهل هذه الأقطار لإنشاء مجتمع واحد مترابط بدورة دموية واجتماعية – اقتصادية منتظمة". (المصدر نفسه – صفحة 214).

 

فواضح أن سعاده يقدم الشروط الموضوعية لنشوء المجتمع القومي، حتى إذا ما توافرت، أمكن التحدث عن وجود هذه المجتمع على أساس الدورة الاجتماعية الاقتصادية الموحدة، والبحث مفروض أن يجري على أساس هذه المحور حصراً: هل تقوم دورة اجتماعية اقتصادية واحدة في العالم العربي؟ هل مصر وسورية تشكلان هذا التكامل الاقتصادي الاجتماعي فعلاً؟ هل المغرب العربي يشكل دورة اجتماعية اقتصادية أكثر تجانساً مما لو اعتبر أنه والجزيرة العربية يشكلان هذه الدورة؟ إن الأجوبة عن هذه الأسئلة بالتحديد هي أجوبة علمية موضوعية لا تمتّ بصلة الرغبة أو الآمال في توحيد العالم العربي محل الشروط الموضوعية الاجتماعية الاقتصادية لقيام هذه الوحدة. فليس موقف سعاده والحالة هذه، وهو القائل: "نحن لا نقول بالوحدة العربية، بل نعمل لها"، موقفاً سلبياً من الوحدة العربية بحدّ ذاتها، بل هو موقف علمي وعملي يحرص على توافر الشروط الموضوعية لأي تحرك وحدوي حتى لا يبوء بالفشل أو يتعثر بالنكسات، كما حدث في مسيرة الثلاثين عاماً من بعد إلقاء سعاده "المحاضرات العشر".

 

إن تواصل دورات العمران العربية وتشابك المصالح المادية والاقتصادية وتفاعل المجتمعات بعد توحيد كل منها في بيئته الطبيعية هو الطريق الوحيد لبحث الأسس السليمة لقيام أية صيغة اتحادية عربية عامة. فلقد طرحت وحدة أوروبا على مجتمعات حققت وحداتها الطبيعية أولاً، والتقت بتفاعلها مع البيئة الطبيعية، فانتقلت من طور الانفعال بمعطياتها إلى طور الفعل بتلك المعطيات والسيطرة عليها بالثورة التكنولوجية – المتقدمة بالثورة الفعلية والعلمية والاجتماعية التي أطاحت في كل مجتمع، بمعرقلات توحيده ونموه وفعاليته.

 

أما موقف سعاده من التراث العربي والتراث القديم السابق له، تراث جذورنا التاريخية التي أولاها عناية فائقة في "المحاضرات العشر" وفي كل ما كتب، فإنما المفروض تقييمه ودرسه في ضوء الحقائق الثلاث التالية الأساسية:

 

أولاً: "إن إحياء تراث الجذور، كما يؤكد سعاده، كان عملية بعث للثقة بالنفس بعد أن طمست الفتوحات الأجنبية سواء الرومانية أو العثمانية تراث أمتنا وأغفلت دورها الحضاري المدارس الاستعمارية الأوروبية".

 

أما نحن فإننا في بداءة وعينا القومي وفي أشدّ الحاجة لإدراك شخصيتنا ومجال نفسيتنا الأصيلة، ولتوليد ثقتنا بنفسنا ولمعرفة حقنا وفهم خيرنا". (شروح في العقيدة – الرسالة الخامسة). "وهناك أمثال عديدة من هذا النوع تدل على كيفية رمي المدرسة الإغريقية – الرومانية التاريخية إلى تشويه الحقيقة السورية وعدم الاعتراف بأي فضل لها أو بأية قيمة. ولما كان لم يَسلم، لا من حريق صور بعد فتح الاسكندر، ولا من حريق قرطاجة بعد فتح سيبيو، كُتِب عن التاريخ السوري، أصبح التاريخ السوري وتأويل التاريخ ورواية التاريخ وقفاً على اتجاه المدرسة الإغريقية، الرومانية التي بخست السوريين حقهم في الإنشاء والإبداع والعمران". (المحاضرات العشر صفحة 97). فواضح من هذه النصوص أن عملية بعث التراث السوري القديم إنما تستهدف:

 

أ – رفض التشويهات والتحريفات التي أنزلتها المدرسة الإغريقية الرومانية الاستعمارية العدائية بتاريخنا السوري.

 

ب – إعادة الثقة التاريخية إلى النفس "في بداءة وعينا القومي" ولا تستهدف قط موقفاً عدائياً من العرب والعروبة.

 

 

ثانياً: إننا في المرحلة التاريخية المعاصرة ونحن نجابه خرافة متغطرسة وتشويهاً أشد وأدهى للحضارة الإنسانية عامة وتحدّياً لحضارتنا ووجودنا، هي خرافة اليهودية الصهيونية الزاعمة أنها عبر يهوه والتوراة هي الأب الروحي للحضارة الحديثة، يصبح بعث تراثنا السوري الحضاري القديم الذي يسلّم كبار المؤرخين العالميين أمثال توينبي أنه الأب الحقيقي للحضارة الإنسانية. وأن الخرافة اليهودية هي تشويه عنصري متقزّم وهزيل سواء على صعيد الشرع الذي كان حمورابي رائده، أو على صعيد الأسطورة الإنسانية التي كانت بابل لا إسرائيل هي مبدعته في أسطورَتي الخلق والطوفان. وأن الحِرَف والتوحيد وعلوم الحساب والفلك، كلها منجزات أبدعها إنساننا السوري في الهلال الخصيب قبل الخرافة اليهودية التي حاولت اقتباس وتشويه بعض هذه التراث لتستخدمه كما تستخدم التكنولوجيا الحديثة لمحاربة شعبنا وحضارته الأصيلة.

 

إن هذا الوعي بتراثنا القديم يصبح محصَّناً حضارياً لصراعنا القومي ضد الغزوة اليهودية البربرية، كما يصبح عنوان استقلالنا الثقافي القومي ضد محاولات التهجين الاستعمارية التي تحاول بأسلوب عنصري نافر أن تصنف شعوبنا شعوباً لا حضارة لها. تتفيأ مائدة الحضارة الأوروبية والأميركية الحديثة، في وقت يثبت تاريخ الحضارات أن هاتين الحضارتين مدينتان أصلاً لفعل حضارتنا السورية في البحر الأبيض المتوسط.

 

 

ثالثاً: إن سعاده لم يغفل، بل شدّد لا سيما في "نشوء الأمم" على أهمية دور سورية العربية، الأموية أولاً، والعباسية بعد ذلك في إقامة أساس الدولة في الإسلام وفي عملية تفاعل الحضارات وترقية العلوم والتمدّن، بمعنى أننا لا نتنكر لدور سورية التاريخي في العصر العربي – بل نعتبره دوراً هاماً وأساسياً، ولكن إذا كان قد أجمع المؤرخون العرب على ردّ عصر تفاعل الحضارات، الذي أبدع الثقافة العربية الإسلامية إلى أصوله اليونانية والفارسية فمن حقنا بالعلم والاستقراء أن نؤكد الأثر السوري الحضاري في الحضارة اليونانية نفسها وبالتالي أثر سورية على اليونان والفرس الذين أعطى لهما فضل عملية تفاعل الحضارات في الإسلام.

 

وهكذا لم يحُل "الميثاق" الذي وضعه الرئيس عبد الناصر، والذي أكد فيه اعتزاز مصر بتراثها الفرعوني دون إعلان عروبة مصر واهتمامها بالقضية العربية. من هنا إن اعتزازنا بتراثنا السوري القديم وبعثنا لوجوده لا يجوز على الإطلاق أن يعزلنا عن دور سورية العربي التاريخي والحاضر والمستقبلي، لأنه دور يمتّ إلى الألف وأربعمئة سنة الأخيرة من تاريخنا ويتخطى ذلك إلى أنه دور مستقبلي، إذ إن العروبة لم تبقَ ملمحاً تاريخياً من حضارتنا بل أصبحت رابطة حية تشدنا إلى الحاضر والمستقبل معاً. والنظرة السورية القومية الاجتماعية أصلاً تقول بالمجتمع ووحدته وديمومته ولا يمكن أن تقبل بفصل حقب منه عن حقب أخرى، لأن ذلك يخالف نظرتها الأساسية لاستمرارية المجتمع التاريخية منذ أن كان الإنسان وكانت الأرض وحتى زوالهما.

 

من هنا، فالبحث مع سعاده هو بحث في القواعد العلمية التي يضعها لقيام وحدة المجتمع القومي وليس بحثاً في مدى حبّه للعرب وتأكيده رابطة العروبة لمجتمعنا السوري. فهو يعتّز بالسوريين وإسهامهم في تراث العروبة التاريخي ويعتبر هذه الإسهام دليلاً على أصالتهم، "وهل يُضيرنا أن يكون بعضنا عرباً والعرب برهنوا بفتوحاتهم وما أدّوه للمدنية من خدمات أنهم شعب له مزايا تمكنه من القيام بأعباء المدنية متى وجِد في محيط صالح. فالعرب في الأندلس – والسوريون كانوا يشّكلون قسماً هاماً في الأندلس ضمن التسمية العربية – كانوا من أهم عوامل ترقية المدنية في العلوم وإطلاق حرية الفكر حتى أصبحت اللغة العربية لغة العلم في الشرق والغرب، وكثيراً ما يمكن التحدث به عن العرب وأكثره معروف عندكم" ("مراحل المسألة الفلسطينية" – صفحة 20، "الاتحاد العلمي في حياة الأمم 1933"). ويقول في "المحاضرات العشر": "إن اللسان العربي عزيز على سورية لأنها أنتجت نفسها وعقلها وغزته بإنتاجها وثقافتها" (صفحة 69).

 

ولا يمكن أن ننسى وقفة سعاده المبكرة والمتحدية في المحاكمة الأولى 1935، دفاعاً عن اللغة العربية وإصراره على التكلّم بها في محاكمة الانتداب الفرنسية لأنها "لغة بلادي", ولا يقتصر سعاده على إسهام سورية بالتراث العربي بل هو السبَّاق إلى إعطاء التضامن العربي بعداً في المصالح المادية وفي أخطر هذه المصالح على الإطلاق، البترول. إذ يدعو في المقال المنشور في نيسان 1949 بعنوان "سلاح انترنسيوني لم يُستخدَم بعد" إلى خطة عربية مشتركة ضد الإمبريالية الأميركية وفي سبيل فلسطين، فإذ يدين سعاده عدم استخدام هذه السلاح البترولي للحدّ من تأييد الولايات المتحدة لليهود". يدعو إلى دعم الموقف السوري المفترض "وأن يكون وراءه بالتالي تعاون بين سورية كلها من جهة والدول العربية وثيق يسدّ في وجه الدبلوماسية الأجنبية منافذ الضغط والتهويل والمساومة". (النظام الجديد – الحلقة 15). يظهر هذا النص بجلاء وعي سعاده المتقدم لتشابك المصالح العربية على قاعدة نموها وترابطها.

 

إن سعاده مع نمو الروابط العربية ومع إعطائها الصيغ الاتحادية الملائمة وقاعدة ترابط العمران أو تواصله على أساس التكافؤ بين مختلف الأقطار العربية. ومفهوم سعاده للجبهة العربية، هو مفهوم الصيغة التي تترجم الروابط والعلائق العربية في حقيقتها وهي ضمان هذه الصيغة في السبعينيات أوسع نطاقاً منها في الثلاثينيات بعامل نمو هذه الروابط من جهة وبعامل تكوّن كونفدراليات وفيدراليات عوالم إقليمية أخرى كوحدة أوروبا والوحدة الإفريقية وسواهما. ولقد سبق للحزب السوري القومي الاجتماعي أن قدَّم إلى مؤتمر مشاورات الاسكندرية لتأسيس الجامعة العربية في 1944 مذكرة جاء فيها: "إن كون العالم العربي بيئات اجتماعية طبيعية متعددة يتحتم على المنظمة العربية المشتركة أن تضع في صلب أهدافها تسهيل تحقيق كل بيئة طبيعية اجتماعية لوحدتها وسيادتها وأن كون العالم العربي عالماً يشترك في روابط ومصالح أساسية يتحتم أن تتركز أسس التعاون العربي على توحيد في شؤون الثقة والدفاع والخارجية في ما بين بيئاتها الطبيعية".

 

إن دعوة سعاده إلى الجبهة العربية والتضامن العربي هي على أساس تكافؤ مختلف الأقطار العربية، ولكنّه ضد تسخير رابطة العروبة لمصالح قُطر ضد قُطر آخر. وهو في هذا المجال يعي الدور الذي لعبته وتلعبه بعض الأقطار العربية في ما هو استراتيجية ثابتة لها لترسيخ التجزئة في سورية الطبيعية من جهة، وجعل ورقة المسألة الفلسطينية في المساومات الدولية ذات طابع خصوصي لهذا القطر أو ذاك من دون مراعاة الشأن القومي ومصالحه الموضوعية. فهو يرى أن المسألة الفلسطينية تعني المصير القومي في سورية الطبيعية بصورة مباشرة وأكيدة، وأن مشاعيتها بين الأنظمة العربية حوّلها إلى ورقة مساومة خصوصية، فهو مع المساندة الجبهوية العربية، ولكن على أن ينهض كل مجتمع قومي لمصيره أولاً فتصبّ هذه المساندة في دعمه عوضاً أن تكون بديلاً عنه مسخراً للمصالح الخصوصية.

 

"لم ينتظر العرب والمصريون إلى أن يقول السوريون كلمتهم ليؤيّدوها كدول شقيقة أو محبّة أو متألمة أو مشتركة في بعض المخاوف، بل تدخلوا مباشرة كأن الأرض تخصّهم، كما تخصنا، ولهم الحق ذاته كما لنا".

 

"مَن الذي يكفل لنا أن العمل صار بإخلاص من جميع الجوانب التي تدخلت في القضية لمصلحة فلسطين والأمة العربية؟ والصحيح أن النتيجة السيئة في كل الشوط الماضي في صدد فلسطين حصلت من تلك التدخلات الواسعة غير المضبوطة التي عرّضت القضية إلى مساومات وتأثيرات ما كان يجب أن تتعرّض لها".

 

"إننا نشك كثيراً في أن المملكة العربية السعودية كانت تشعر بالفعل أن فلسطين يجب الدفاع عنها، كما يشعر السوريون وللغاية السورية عينها التي يريدها السوريون، فالأرجح، الذي تدلّ الدلائل عليه، أن المملكة السعودية رأت في تدخلها مجالاً للعمل لمسائل خاصة بها ويمكننا أن نعتقد وهنالك أسباب لهذا الاعتقاد، أن المصالح مادية هامة تمكنت المملكة العربية السعودية من الحصول عليها بطرق المساومات على كيفية تقرير مصير فلسطين، إن القروض المالية الكبيرة التي تستعد دولة الولايات المتحدة الأميركانية لإقراضها لها وفي المصالح المادية الكثيرة التي حصلت بين الولايات المتحدة الأميركانية والمملكة العربية السعودية لا تسمح بأن نظنّ أنها بعيدة عن تنفيذ خطط السياسة الأميركانية في صدد قضية فلسطين، كذلك نرى أن المصريين نظروا إلى قضية فلسطين من وجهة نظر مصرية بحتة" (المحاضرات العشر – صفحة 49)، وليس غريباً ولا مستهجناً أن تنطبق حرفياً هذه الرؤيا المستشرفة في 1948 على ما هو حادث في 1976.

 

وانطلاقاً من هذا الوضوح في التحليل للعلاقة الجدلية بين السورية والعروبة عند سعاده، أراد أن تكون سورية موحدة وقوية ليستفيد العرب من قدرتها، بدل أن يتقاتلوا على أشلاء ضعفها، فسورية الموحدة هي طريق زوال إسرائيل وسورية المجزأة هي التمهيد الضروري لتهويد فلسطين.

 

"إن العالم العربي لا يمكنه أن يستفيد من سورية منقسمة على نفسها مجزأة بين الأحزاب الدينية ورازحة تحت نظام اقتصادي سياسي فاسد، فالنهضة السورية القومية الاجتماعية تعمل لتوحيد سورية وتجعل العصبية القومية تنتصر على العصبيات الدينية المتنافرة لإقامة العدل الاقتصادي – الاجتماعي الذي يؤهّل سورية لأن تكون أمة حية، ومتى صارت سورية ناهضة قوية، كما يريدها ويعمل لها الحزب السوري القومي الاجتماعي أيوجد عاقل واحد، غير مصاب بمرض النفعية، يعتقد أو يقول إن ذلك يكون ضد مصلحة العالم العربي؟" (جريدة الزوبعة – 1 شباط 1940).

 

 

3 - مقولة الدورة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة والمسألة اللبنانية

 

العلاقة التفاعلية والتكاملية بين مقولتَي وحدة المجتمع والنظام الجديد.

 

إذا كان العالم العربي حسب تعليل سعاده الموضوعي ومنهجه العلمي لا يشكل دورة اجتماعية اقتصادية واحدة مع إمكان تشابك مصالحه وتطور تواصل دورات عمرانه، فإن لبنان لا يشكل مثل هذه الدورة بحد ذاته لأنه جزء من دورة الحياة السورية الاجتماعية والاقتصادية الواحدة.

 

إن سعاده يعالج مشكلة الانعزال اللبناني على صعيدين متكاملين:

 

1 - الصعيد الأول: هو محك الدورة الاجتماعية الاقتصادية للحياة السورية وهذا يكشف انتفاء إمكان عزل لبنان عن محيطه القومي في سورية الطبيعية، وبالتالي سقوط كل حجج الانعزاليين وتبريراتهم وذرائعهم على محك الواقع الاجتماعي الموضوعي.

 

2 - الصعيد الثاني: هو الكشف موضوعياً عن حقيقة المسألة اللبنانية على أنها مشكلة الدولة الدينية في مجتمعنا السوري، وردود الفعل الطائفية عليها التي من أعراضها مسألة الانعزال اللبناني وسائر طروحات الأوطان الطائفية الانعزالية.

 

وإذا كان سعاده قد أكد في سائر المبادئ الأساسية والمحاضرات التي شرحها الحقيقة الموضوعية الثابتة بوجود مجتمع سوري واحد له دورته الاجتماعية الاقتصادية التامة، فهو في المحاضرة الثامنة على وجه التحديد يفتح ملف الانعزال اللبناني من زاوية الدورة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة في سورية الطبيعية، ويقدّم أوسع وأعمق مناقشة داحضة لحجج هذا الانعزال وعلى أرض حدث معاصر لتلك المحاضرة هو اتفاقية النقد اللبنانية – الفرنسية التي شكلّت بوادر القطيعة بين لبنان والشام.

 

إن كل ما طرحه الانعزاليون في الثلاثين سنة الأخيرة حول لبنان "سويسرا الشرق" وحول نظرة المرفأ الحر والاقتصاد الحر يجد قارئ المحاضرة دحضاً علمياً موضوعياً ميدانياً متقدماً ومبكراً، يقدمه سعاده لطروحات الانعزاليين اللاحقة في المحاضرة الثامنة.

 

ولعل أهم إضاءة يقدّمها سعاده في هذه المحاضرة حول تشابك وترابط العلاقة القومية الاجتماعية في شؤون المجتمعات قوله: "إن الرأسمال الفردي يلعب دوراً هاماً في تقرير مصير المجموع ضمن هذه الدول وإن من أضلاع الاتفاقية النقدية مع فرنسا أيضاَ حالة رأسمالية بين لبنان والشام، حالة مصالح رأسمال فردي محدود في لبنان ومصالح رأسمال فردي محدود في الشام، وواضح جداً وصار ملموساً عند الذين يبحثون أنه يوجد مثلث في لبنان ومخمّس في الشام، فالمثلث والمخمس لهما المصالح الكبرى في كل أمر وإليهما تعود المنافع الكبرى من أية تسوية سرية اقتصادية في هاتين المنطقتين. الحالة في بلدنا لاتزال في بادئ الأمر بين الفرد والمجتمع، بين الرأسمال الفردي والمصير القومي". (المحاضرات العشر – صفحة 133).

 

يتبيّن من هذا النص للزعيم بأن "الاتحاد في الحياة"، الدورة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة التي تنشأ بعامل التفاعل بين الجماعة البشرية والبيئة الطبيعية المحددة أي الشأن القومي بكلّيته معرّض للتجزئة بفعل علاقات الإنتاج السيئة والفاسدة التي تقدمها سيطرة الرأسمال الفردي على الاقتصاد وارتباط هذا الرأسمال الفردي بالمصالح الكيانية المتناقضة، بحيث يصبح الرأسمال الفردي في مثل هذه الحال أحد عوامل التجزئة الخطيرة المؤدي إلى قطيعة بين كيانين أو أكثر من كيانات الأمة.

 

ويعتبر سعاده أنه في مثل هذه الحال ينشأ نزاع كما يقول بين الرأسمال الفردي والمصير القومي، وهذا سيُظهر بجلاء أهمية اقتران الوحدة القومية بالنظام الجديد، وأن الوحدة القومية في المفهوم القومي الاجتماعي لا يمكن أن تنشأ في ظل أوضاع اقتصادية اجتماعية متخلفة أي رأسمالية إقطاعية، "إن الحزب السوري القومي الاجتماعي يريد وحدة قومية تثبت بها الأمة السورية في معترك الحياة والتفوق، وهذه الوحدة القومية القوية لا يمكن أن تحصل ضمن نظام اقتصادي سيئ، كما أنه لا يمكن أن تحصل ضمن نظام اجتماعي سيئ". (المحاضرات العشر – صفحة 135).

 

إن شمولية القومية الاجتماعية وتفوقها عن أي نظرة تحليلية لشؤون المجتمع ومراحل تطوره ومشاكله المعاصرة هي في أنها تنبثق من منهح مدرحي شمولي لفهم التطور الإنساني وعلى قاعدة الموضوعية العلمية التي تكتنه شبكة العوامل المادية النفسية وتكاملها وترابطها العضوي في عملية التفاعل المستمر. فالشأن القومي معرّض للتجزئة بعملية التفتيت النفسي - الاجتماعي التي تكوّنها حواجز الطائفية والمذهبية والثقافات الانحطاطية الزائفة. ودور الرأسمال الفردي في تثبيت التجزئة وإحداث القطيعة بين أجزاء الأمة هو دور نبت على آثار التجزئة النفسية الاجتماعية التي أحدثتها الحواجز الطائفية والمذهبية بين أفراد المجتمع والتي اعتمدها الاستعمار في استحداث التجزئة السياسية، هكذا إذن تتداخل العوامل المادية – النفسية والثقافية - الروحية والسياسية – الاجتماعية في دورة حياة المجتمع الشاملة كل هذه العوامل، وهكذا فإن كان الشأن الاقتصادي شأناً أساسياً في حياة المجتمع لا يجوز إغفاله أو التغافل عنه وإلا وقعنا في الرومانسية الطوباوية إلا أنه ليس الشأن الأوحد في عملية التفاعل والأصالة المتبادلة بين شبكة العوامل النفسية – المادية. وهذا هو معنى المدرحية ومعنى اهتمام سعاده في المبادئ الإصلاحية الثلاثة الأولى لمسألة فصل الدين عن الدولة وإلغاء الحواجز الطائفية بين المذاهب وسيطرة رجال الدين على القضاء والسياسة القوميين. وكل هذه تشكل حالة ثقافية روحية اجتماعية متخلفة وعاملاً من أخطر عوامل التجزئة في مجتمعنا.

 

يتضح من هذا أن مبدأ "الأمة مجتمع واحد" لا يعني جمعاً تراكمياً للأمة بمختلف الأنظمة الاقتصادية الاجتماعية السياسية الفاسدة بل يعني نضالاً ثورياً لدكّ أنظمة التجزئة والتناقضات الاجتماعية الاقتصادية السياسية الثقافية في سبيل النظام الجديد, وبالتالي إن المجتمع الواحد هو الذي ينتصر على التناقضات وأسبابها ويقضي على عوامل التجزئة ومسبباتها في ثورة قومية اجتماعية جذرية, ذلك أن قيام الدورة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة في الأمة لا يعني, دون التحصن بالوعي وبالنظام الجديد, حتمية بقاء الوحدة خارج فعل التناقضات المجزئة. "فالحركة القومية الاجتماعية تقيم بهذا المبدأ (الأمة مجتمع واحد) وما يتعلق به حرباً عنيفة مميتة على عوامل تجزئة المجتمع إلى مجتمعات والأمة إلى أمم. هذه العوامل التي تجعل من كل طائفة دينية ومن كل عشيرة أو طبقة مجتمعاً قائماً بنفسه وأمةً منفصلةً عن الطوائف والعشائر أو الطبقات الأخرى". (المحاضرات العشر ص. 89). وسعاده في مكان آخر من "المحاضرات العشر"، يقول: "بأن الأمة موجودة بالقوة والحزب يريد أن يوجدها بالفعالية"، بمعنى أن الحقيقة القومية إذا ما نهشتها أمراض اجتماعية سرطانية كالطائفية أو السيطرة الطبقية للإقطاع والرأسمال تصبح أشلاء في مهب المؤامرات الدولية الاستعمارية التي تُمعِن في الجسم القومي تجزئةً وتقسيماً، ومن هنا إن الثورة القومية في مفهوم سعاده هي بالضرورة ثورة قومية اجتماعية تريد تثبيت حقيقة أن الأمة مجتمع واحد على قاعدة إسقاط التناقضات وأنظمتها الاجتماعية الاقتصادية السياسية الفاسدة.

 

بهذا يكون مفهوم "الأمة مجتمع واحد"، مفهوماً ثورياً دينامياً وليس مفهوماً سكونياً تراكمياً يقبل بالحالة الراهنة.

 

وسعاده وعى المشكلة الطائفية على صعيد المجتمع السوري ككل, وإن محاولة معالجة المشكلة الطائفية في الكيان اللبناني بمعزل عن المشكلة الطائفية في المجتمع القومي تؤدي إلى فشل المعالجة وشلها. وإن معالجة سعاده لمشكلة الطائفية على صعيد المجتمع القومي في سورية الطبيعية نابعة من الحقيقة الأولى من أن دورة اجتماعية اقتصادية واحدة تشمل البلاد السورية، بحيث تغدو مشاكلها الاجتماعية بالضرورة واحدة.

 

من هنا إن سعاده قد عالج أولاً مشكلة الانعزال اللبناني على محك الدورة الاقتصادية الاجتماعية، وأثبت في أوسع مناقشة ضد الانعزالية اللبنانية في المحاضرة الثامنة بطلان هذا الانعزال على أساس عدم إمكان القطيعة أو الانفصال الاقتصادي بين لبنان ودورة الحياة الواحدة في بيئته الطبيعية.

 

ويمكن أن نتلّمس بوضوح منهج سعاده في تسفية القطيعة وتأكيد الوحدة على أساس الاهتمام بمعيشة الناس اليومية وقوت عيالهم وذراريهم، بحيث إن قضية الوحدة ليست مطلباً رومانسياً مجرداً عن الواقع المادي.

 

وبينما طرحت الماركسية حياة الناس المعيشية واعتبرت واقعهم المادي محصوراً بعلاقات الإنتاج المشكلة التي استقطبت اهتمامهاً إلى حد الانحصار فيها، فإن القومية الاجتماعية في طرح سعاده الأساسي تعتبر "الرابطة الاقتصادية هي الرابطة الاجتماعية الأولى في حياة الإنسان أو الأساس المادي الذي يقيم الإنسان عليه عمرانه، فلا نستطيع أن تتصوّر مجتمعنا يقوم على غير أساس التعاون الاقتصادي لسد الحاجة مداورة تعويضاً عن وجود المادة المحتاج إليها". (نشوء الأمم ص. 52).

 

غير أن سعاده أعطى للاقتصاد مدلولين متكاملين فعدا مدلول علاقات الإنتاج الذي حصرت الماركسية نفسها فيه، والذي كان لسعاده موقفه الحازم بصدد علاقات الإنتاج السيئة والظالمة كالإقطاع والرأسمالية إلا أنه طرح في أساس فهم القضية القومية الأساس المادي لها والذي عنه تنبثق علاقات الإنتاج وبدونه لا تكون ألا وهي عملية الإنتاج من الأساس أي الدورة الاجتماعية الاقتصادية الناتجة عن التفاعل بين الجماعة البشرية وبيئتها الطبيعية.

 

وكما عالج سعاده مشكلة علاقات الإنتاج السيئة في المبادئ الإصلاحية وفي نظرته إلى النظام الجديد في مختلف آثاره, فإنه قد عالج الزاوية الأخرى من الشأن الاقتصادي في أساس نظرته القومية باعتبار الاقتصاد هو الرابطة الاجتماعية الأولى. وانطلاقاً من هذا المعطى عالج سعاده مشكلة الانعزال اللبناني وكان تسفيهه له في المحاضرة الثامنة على أساس انفصاله عن الدورة الاقتصادية الاجتماعية الواحدة وما ينتج عن ذلك من خلل وأذى يلحق بحياة اللبنانيين.

 

وطالما أن الانعزال اللبناني لا يقوم على قاعدة مادية أو اقتصادية أو جغرافية، ولا على حقيقة تاريخية حضارية منفصلة عن حضارة الهلال الخصيب، فهو حصيلة أسباب اجتماعية سياسية طارئة تمتّ إلى عصر الدولة الدينية ليس في لبنان فحسب، بل في محيطه القومي ككل. والمشكلة اللبنانية على هذا الأساس هي إفراز ورد فعل للمشكلة الأصلية مشكلة الدولة الدينية في الهلال الخصيب.

 

"واضح أن المسألة اللبنانية ذات مبرارت جزئية. إن أساس المسألة اللبنانية ليس في وجود لبنان مستقلاً، ولا في وجود بلاد لبنانية منفصلة، بل حتى ولا بوجود تاريخ لبناني مستقل. إن أساس المسألة اللبنانية شيء واحد، الحزبيات الدينية, الدولة القائمة, على أساس مذهب ديني معين، إنها دولة ذلك الدين أو الجماعة المختصة بذلك الدين فيخرج من عضوية الدولة الصحيحة كل من انتمى إلى دين آخر". (المحاضرات العشر، ص. 169)

 

"وفي لبنان نزع المسيحيون, في حالة الدولة الدينية, إلى أن يجدوا مخرجاً لهم من هذه الحالة إلى وجود حالة يشعرون فيها أنهم يقدرون أن يعطوا تحقيقاً عن أنفسهم, عن ذاتيتهم عن وحدتهم. لأنه في الدولة الدينية لم يكن للمسيحيين حق بل كانوا تحت الحماية -أهل ذمة - والمحميّ ليست له حقوق العضوية في الدولة الدينية, ولا الحقوق المدنية السياسية نفسها. واستمر هذا الاتجاه إلى ما بعد الحرب العالمية الاولى فأتى احتلال الأجنبي واستغل هذه الحالة وعمل على تنفيذها، فوجدت النزعة إلى الانفصال والاستقلال اللبناني على أساس الحماية الدينية، لا على أساس فكري اجتماعي اقتصادي لجماعة تقطن هذه المنطقة...

 

وإذا كان قد بقي لموجات الفكر السياسي الديني استمرار للجماعات في بلادنا، فإن الحزب السوري القومي الاجتماعي القائل في جملة تعاليمه بفصل الدين عن الدولة وإنشاء الدولة على أساس وحدة الأمة, وحدة المجتمع الواحد ستزيل كل ما يمنع العودة الى وحدة القومية الصحيحة في جميع الدول السورية، كما أزالته بالفعل ضمن نطاق الحزب السوري القومي الاجتماعي".

 

"إننا في الحزب قد بَطُل أن نكون محمديين, مسيحيين, أو دروزاً, وصرنا سوريين قوميين اجتماعيين فقط، في كل ما يعني الاجتماع والسياسة. وترك الحزب في مبادئه حرية الاعتقاد الفردي الديني لكل عضو فيه ولكل عضو في الدولة القومية الاجتماعية". "فإذا زالت مخاوف حرمان الحقوق, وقد زالت بالفعل ضمن نطاق الحزب السوري القومي الاجتماعي، وستزول حتماً بامتداد النهضة السورية القومية الاجتماعية ومبادئها, لم يبق هنالك ما يبرر التجزئة والانفصال في الأمة الواحدة والوطن الواحد". (المحاضرات العشر، صفحة 170 وصفحة 171).

 

لقد تميزت معالجة سعاده للمشكلة الطائفية بإرسائها على مدى القضية القومية عن كل المعالجات الأخرى الجزئية التي حاولت حصر المشكلة والحلول في الإطار الكياني اللبناني فأصابها التعثر وكان مصيرها الخيبة.

 

ولقد تأكد مع الزمن وبالممارسة أن المشكلة الطائفية تصبح ورماً سرطانياً مؤثراً على اتجاه القضية القومية نفسها. وما فكرة الوطن الطائفي المسيحي وتقسيم لبنان بعد تقسيم فلسطين والحرب الأهلية التي اندلعت على هذا الأساس في لبنان 1975-1976، وتناولت مصير المسألة الفلسطينية والموقف من الكفاح المسلح والعدو الإسرائيلي ورفع بعض غلاة الطائفيين شعار التحالف مع إسرائيل إلا أمثلة على الانعكاسات السلبية للمشكلة الطائفية على القضية القومية بمجملها، وقد سعى المخطط الاستعماري الصهيوني إلى تفتيت المجتمع القومي إلى مجموعة من الكيانات العنصرية الطائفية كالوطن الكردي الطائفي أو الوطن المسيحي الطائفي، أو الوطن العلوي الطائفي أو الوطن الدرزي الطائفي، وتتجلى بوضوح محدودية وجزئية محاولة حصر علاج المشكلة الطائفية في لبنان من أية معالجة لهذه المشكلة بمعزل عن إدراك ترابطها على مدى محيط لبنان القومي والطبيعي من شأنها أن تصل إلى طريق مسدود، لأن الجماعات الطائفية اللبنانية تحاول حتى تحويل مطلب العلمنة إلى مكسب طائفي لهذه الجماعة أو تلك، ذلك لأن العلمنة إذا ما حصلت بالإطار اللبناني ولم تكن منطلقاً لحل مسألة علاقة الدين بالدولة في كل المجتمع القومي تخضع لحسابات مصالح الجماعات الطائفية اللبنانية، فيشدّد اللبنانيون المحمديون على إلغاء الطائفية السياسية من دون العلمنة الشاملة لسلب الموارنة امتيازاتهم السياسية بينما يردّ هؤلاء بإحراج مدروس يستهدف إجهاض هذه المطلب بقرنه بمطلب الزواج المدني. إن إلغاء الطائفية السياسية وتحقيق وحدة الأحوال الشخصية على أساس المساواة الشاملة جميع المواطنين، إنما هي حصيلة نظرة جديدة إلى الإنسان، تعتبر المواطنة والرابطة القومية أساس العلاقات الاجتماعية والسياسية وترفض أي بديل آخر، معتبرة أن الدين معتقد شخصي وليس رابطة سياسية أو اجتماعية تحلّ محلّ رابطة المواطنة القومية.

 

إن الحزب السوري القومي الاجتماعي، كما طرح سعاده وجهة نظره بهذا الصدد، يعتبر أن انتصار العلمنة في أي كيان مفروض أن يكون منطلقاً لانتصار العلمنة في كل المجتمع القومي فتزول المخاوف الطائفية وردود فعلها المضادة، وذلك على أساس حلول الرابطة القومية الاجتماعية محل الرابطة الطائفية في كل سورية الطبيعية انطلاقاً من لبنان.

 

فليس هدف الحزب السوري القومي الاجتماعي سلب أي طائفة امتيازاتها السياسية لمصلحة طائفة أخرى، بل لمصلحة تقدم المجتمع ووحدة حياته ومصيره. فبالوعي القومي لهويتنا الواحدة وبالنظام الجديد يدرك اللبنانيون خطر العلاقات العدائية إزاء باقي أبناء أمتهم كما يدرك سائر أبناء الأمة خطر النظرة العدائية إلى جماعة طائفية معينة وإن الحلّ الجذري للمشكلة اللبنانية هي في تحويل لبنان من الكيان الملجأ الطائفي إلى كيان منطلق للتغيرات الجذرية والثورية في المجتمع القومي كله. ولعل التحالف الضمني وحتى العلني بين الرجعية في الهلال السوري الخصيب والرجعية العربية مع الرجعية الانعزالية اللبنانية مصدره الخوف من انتقال عدوى هذه التغيرات إذا ما حصلت في لبنان إلى محيطه القومي وعالمه العربي. لذلك تآمرت الأنظمة السورية والعربية مع النظام الرجعي اللبناني لاغتيال زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي والقضاء على أخطر ثورة في تموز 1949، كما تتضامن هذه الرجعيات في 1976 للقضاء على رياح التغيير الثورية في لبنان وضرب المقاومة الفلسطينية وحلفائها الوطنيين.

 

وفي الشرح المنقّح للتعاليم الصادر في سنة 1947، والذي توسّعت "المحاضرات العشر" في طروحاته مسألتان مضافتان إلى النسخ السابقة من شروح المبادئ هنا، مسألة "النظام الجديد" كجزء من غاية الحزب ينص عليه تصريحاً، بعد أن اعتبر سعاده أنه كان ضمنا ً جزءاً لا يتجزأ من غاية الحزب.

 

والجدير بالذكر أنه أضيفت إلى شرح المبادئ الإصلاحية المتضمنة ملامح النظام الجديد فقرات خاصة بشأن الموقف من علاقات الإنتاج في المبدأ الإصلاحي الرابع لجهة التأكيد، في فقرات متتالية، "إن الإنتاج المشترك هو حق عام لا حق خاص. والرأسمال الذي هو ضمان استمرار الإنتاج وزيادته، هو بالتالي، وبما أنه حاصل الإنتاج، ملك قومي عام مبدئياً".

 

هذه هي القاعدة التي يضيفها سعاده إلى مبدأ "إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج، وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة".

 

فبعد أن أعلن سعاده في شرح المبادئ الأول مبدأ إلغاء الإقطاع "أضاف في النسخة الرابعة المنقحة في سنة 1947، موقفاً مجدداً من الرأسمال بقوله إنه "ملك قومي عام مبدئياً". وهذه هي القاعدة في النظر إلى علاقة المجتمع بالرسمال، "وإن كان الأفراد يقيمون على تصريف شؤونهم بصفة مؤتمنين عليه وتسخيره للإنتاج".

 

 

ب – النظرة إلى الحياة والكون والفن: الفلسفة القومية الاجتماعية:

أ

ما المسألة الثانية فتتعلق بفحوى المحاضرة الأولى من المحاضرات العشر وهي المحاضرة التي طرح فيها سعاده: "أهمية النظرة إلى الحياة والكون والفن كأساس لكل عقيدتنا القومية الاجتماعية وردّ فيها على أصحاب الليبرالية الفردانية الانتقائية، مؤكداً أن العقيدة السورية القومية الاجتماعية ليست مجرد المبادئ الأساسية والإصلاحية، كما اشتهى المنحرفون في محاولة عزل هذه المبادئ عن قاعدتها الفلسفية في النظرة القومية الاجتماعية الكلية، بل هي أساس النظرة إلى الحياة والكون والفن التي تستند إليها المبادئ السورية القومية الاجتماعية".

 

وإذا كنّا لا نؤمن بأن لنا قضية صحيحة كلية نريد تحقيقها، فلماذا إذاً هذا الحزب وهذه الأنظمة، وهذه الروابط؟ الرابطة إذاً هي مادية مفروضة وليست روحية باليقين والاقتناع بأننا نعمل لإنشاء مجتمع أفضل وحياة أفضل. إذا كانت لا توجد لنا قضية تعني كل وجودنا فلا حاجة بنا للقول بالحزب السوري القومي الاجتماعي. (المحاضرات العشر، صفحة 13). "إن حزبنا في سيره، في عمله، في نضاله، يمثل ويعمل ويصارع في سبيل أساس أفضل لحياة الإنسان – المجتمع". (المصدر نفسه، صفحة 14).

 

إن رفض سعاده للفكر الليبرالي الانحرافي وأصحابه لا يقتصر على صعيد القيم الفردية والقيم الاجتماعية فحسب، بل يتناول كل فكر يصارع في سبيل أفضل لحياة الإنسان – المجتمع، أي رفضاً للنتائج الاقتصادية والسياسية للفكر الليبرالي الفرداني التي تقبل بمصالحة أوضاع المجتمع القديم أو التسوية معها خلافاً لغاية الحزب المنبثقة من نظرته والداعية إلى إقامة "النظام الجديد".

 

"فإذا سلّم معنا في ناحية وجب عليه أن يسلم في كل النواحي. وإذا كانوا يسلّمون بأننا نعرف الفاسد في حقيقته، فنحن إذاً نعمل لمحو الفاسد في جميع القضايا". بمعنى أنه لا يمكن القبول بتبني النظرة الكليّة إلى الحياة والقيم ثم التساهل في التطبيق مع بقايا النظام القديم، كما نقول بأن مسألة النظام الاقتصادي يمكن إبقاؤها خارج نتائج النظرة القومية الاجتماعية وفلسفتها.

 

ولقد واجه الحزب السوري القومي الاجتماعي في فترة ربع القرن ونيّف المنقضية على غياب المعلّم انحرافات عديدة منها ما انفلت من قواعد النظرة السورية القومية الاجتماعية وفتّش عن مسلّمات ومنطلقات من خارجها، ومنها ما أساء إليها وانحرف عن جوهرها ومضمونها بتفسيرها تفسيراً حرفياً ضيقاً يُسقِط مجد تراث المعلم ويتخلى عن منهجيته في التستر بعبارة أو جملة لنفي كامل الاتجاه وتشويه كلية النظرة. وبدلاً من الليبرالية الفلسفية الواضحة ظهرت ليبرالية براغماتية عملية خبيثة منافقة ترفع شعارات العقيدة تتستر بتعابير منها، لتمارس على أرض الواقع نقد مضمونها بحصر الاجتماعية بالقيم والمناقب منفصلة عن النظام الاجتماعي الاقتصادي المنبثق منها أو بكلام آخر بالتمسك بالأسس شرط عدم اكتمال البناء عليها. إن أهم ما تتضمنه "المحاضرات العشر" على الصعيد الفلسفي هو أنها تضيء النظرة إلى الحياة والكون والفن – قضية كاملة ميّزت الحزب السوري القومي الاجتماعي عن غيره من الأحزاب والحراكات في العالم العربي كله وربّما في العالم. ذلك أن هذه النظرة الفلسفية هي التي تعطي لمبادئ الحزب الإصلاحية مضامينها المتعددة أشكالها، كما تعطي لمبادئه الأساسية الغاية من الاستقلال والوحدة والسيادة القومية، فالنضال القومي الاجتماعي نضال قيمي مرتبط بالغاية والقيم التي يكون في سبيلها.

 

 

1 – العلمنة والنظرة إلى الحياة والكون والفن

 

العلمنة مثلاً في مبادئ الحزب الإصلاحية ليست مجرد فصل الدين عن الدولة وإلغاء الحواجز الطائفية على أرض الفراغ الروحي النفسي، كما هي الدعوات إلى العلمنة المرتفعة اليوم في مجتمعنا، لأن العلمنة من هذا القبيل تصبح دعوة سلبية من دون أي غاية إيجابية، وهي قد تسقط في مطبات الفراغ الروحي والنفسي الذي يؤدي إلى الإباحية أو إلى الدوران على غير محور أو حتى إلى المزايدات الطائفية، فيتخذ لإحراج طائفة لطائفة أخرى طالما أن الدعوة إليها تجري منفصلة أو مبتورة عن قاعدة فكر جديد.

 

العلمنة في الحزب السوري القومي الاجتماعي مستندة إلى نظرة جديدة إلى القيم والحياة تقول مع سعاده: "في نظرتنا إلى الدين من حيث ناحيته الروحية لا السياسية نحن نقول، إن الدين للحياة ولتشريف الحياة وليست الحياة للدين ولتشريف الدين، نحن، كما قلت ، قوة فاعلة في هذا الكون، وإذا كان الله قد خلقنا وأعطانا مواهب فكرية أعطانا عقلاً نعي به ونفكر ونقصد ونعمل، فهو لم يعطنا هذا عبثاً، لم يوجد العقل الإنساني عبثاً، لم يوجد ليتقيد وينشل، بل وجد ليعرف، ليدرك، ليتبصر، ليميّز، ليعين الأهداف ويفعل في الوجود، في نظرتنا أنه لا شيء مطلقاً يمكن أن يعطل هذه القوة الأساسية وهذه الموهبة الأساسية للإنسان. العقل في الإنسان هو الشرع الأعلى والشرع الأساسي" (ص. 58). العقلانية في وجه الغيبية، الإنسان في وجه قيود التقاليد والسلفية، هي قاعدة العلمنة في الحزب السوري القومي الاجتماعي. وهذا التمييز للنظرة القومية الاجتماعية إلى العلمنة عن سائر طروحات العلمنة في مجتمعنا، أو عن العلمنة، كما طرحت في المفهوم الليبرالي في الثورات الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ضروري لإظهار الخطأ الذي وقع فيه بعض الدارسين الببغائيين الليبراليين والماركساويين الذين توهّموا أن طرح سعاده لمبدأ فصل الدين عن الدولة والمبادئ الإصلاحية الثلاثة، إنما هو مجرد تأثر بالموجة الليبرالية العامة التي سادت أوروبا في القرون الماضية في هذا الاتجاه. إن مثل هذا التحليل يتغافل عن المضمون الجديد الذي أعطاه سعاده للعلمنة على أساس النظرة إلى الحياة والكون والفن والقومية الاجتماعية والمناقضة على خط مستقيم لكل الطروحات الليبرالية وذلك من زاوية فلسفية جديدة تقول بالإنسان – المجتمع لا الإنسان الفرد.

 

كما أن العلمنة في مبادئ الحزب الإصلاحية مرتكزة على العلمية في مفهوم الحزب الأساسي للشأن القومي. وهذه ناحية تميز بها الحزب السوري القومي الاجتماعي عن سائر الحركات، ذلك أن مقولة "الاتحاد في الحياة" على أساس الدورة الاجتماعية الاقتصادية الصاهرة في بوتقة تفاعلها كل الفروق العنصرية والعشائرية والطائفية، والولاء القومي الموحد للأرض القومية وللحياة هو أساس العلمنة في المفهوم القومي الاجتماعي، الذي يقول به سعاده على أساس فكرة الإنسان المرتبط بالأرض ووحدة الحياة الواحدة المتدفقة على متنها منذ كان الإنسان وكانت الأرض والتفاعل بينها منزهة عن أي عصر ديني أو رد فعل عليه.

 

وعلى صعيد الشأن القومي ليس الاستقلال والسيادة القومية محض شأنان سياسيان أو حقوقيان، بل هما مرتبطان بفلسفة القيم التي تمثل الاستقلال الروحي والنفسي للأمة السورية "إذا لم تقوَ النفس السورية وتنزه عن العوامل الخارجية وسيطرة النفسيات الغريبة، فإن سورية تبقى فاقدة عنصر الاستقلال الحقيقي، فاقدة المثل العليا لحياتها"، فيجب إذاً أن نعود إلى حقيقتنا وأن ننزّه حقيقتنا عن العوامل الخارجية. لا يعني هذا أيضاً أنه لا يمكن لنفسيتنا أن تتفاعل مع النفسيات الأخرى، لا يعني ذلك مطلقاً بل إنه يفسح المجال لهذا التفاعل، وكما قلت في عبارة في بعض المراسلات أن من شروط اعترافنا بحق أو خير أو جمال في العالم هو أن نرى نحن ذلك الحق وذلك الخير أو أن نشترك في رؤيته". (ص. 50). فمسألة القيم والشراكة في رؤيتها تأكيد للاستقلال القومي الروحي على قاعدة التفاعل مع سائر الأمم هي في أساس مبادئ السيادة القومية التي يضعها سعاده من دون الانعزال عن العالم، من هنا أن لا قاعدة سياسية أو اجتماعية من دون أساس فكري عقدي فلسفي في التعاليم السورية القومية الاجتماعية. وهذا تماماً ينطبق على الشأن الاقتصادي، كما ينطبق على الشؤون كافة، ومنها مسألة النظام الاقتصادي، بحيث لا يمكن تصوّر تطبيق فردي أو شبه فردي لفلسفة اجتماعية كلية.

 

 

2 – نظامنا الاقتصادي وليد الاجتماعية ونظرتنا إلى الحياة والقيم

 

ينطلق مفهومنا للنظام الاقتصادي من قاعدة الفلسفة القومية الاجتماعية، والفلسفة القومية الاجتماعية تقول بالإنسان – المجتمع لا بالإنسان – الفرد. وتقول بالقيم على أساس هذه القاعدة، وعلى القيم هي قيم الحرية. فهي تتقدّم كل رموز الحزب: حرية، نظام، واجب وقوة. وهي مدار فلسفة الزعيم.

 

"الحق والحرية هما قيمتان أساسيتان من قيم الإنسان – المجتمع. كل مجتمع يفقد هاتين القيمتين يفقد معنى الحياة السامي، الحياة بدون هاتين القيمتين عدم". (سعاده – "الحق والحرية" شروح في العقيدة – ص. 173).

 

فكل نظام أو علاقات إنسانية يصفها سعاده بـ"الرق" أو "الاستعباد" تكون نقيضاً كلياً لعقيدته وحزبه المؤسسين على أن الحرية هي إحدى قيمتين بدونهما "الحياة عدم".

 

ففي ضوء هذه القاعدة الفلسفية للنظرة القومية الاجتماعية نستطيع أن نتبيّن بكل جلاء موقف سعاده الواضح، كما هو مبيّن في "المحاضرة الثامنة" من ثلاث حالات اقتصادية:

 

  1.  سيطرة الإقطاع على الفلاحين (الموقف من الإقطاع).
  2.  سيطرة أصحاب الرساميل الفردية على العمل في الحقل الصناعي (الموقف من الرأسمال الفردي).
  3.  سيطرة الإمبريالية على مجتمعنا والمجتمعات النامية (الموقف من الإمبريالية).

 

يقول سعاده بالنسبة للإقطاع: "إن هذه الإقطاعات كثيراً ما يكون عليها مئات وألوف الفلاحين يعيشون عيشة زرية في حالة من الرّق يُرثى لها". وهنا يقف سعاده من "حالة الرق هذا الموقف المبدئي الذي يقفه مَن أعلن أنه بدون الحرية "الحياة عدم"، فيدعو في المبدأ الإصلاحي الرابع إلى "إلغاء الإقطاع" أي إلغاء "حالة الرّق" التي لا يمكن لفيلسوف الحرية أن يتساهل معها.

 

ويقول سعاده في آخر المحاضرة الثامنة (ص. 140): "من هذه الناحية نحن نسير نحو نظام جديد لا نهرب فيه من الآلة بل نتقدم إليها "لا نعدّ الآلة مصيبة للبشرية ولا مستعبدة للناس بل نعمة للبشرية ومحررة للناس. ولكن بعض الناس الذين استعملوا الآلة الحديثة رأوا أن يستعبدوا الذين لم يكن لهم ما يمكنهم من الحيازة على الآلات الضخمة الحديثة. إن سوء الحالة الاقتصادية ليس من الآلة بل من النظام السيئ الذي تُنميه النظرة الفردية اللامسؤولة عن المصير القومي في استخدام الآلة الحديثة. ونهضتنا تريد أن تضع حداً لهذا الاستعباد ولأصحاب الرساميل الفردية الذين يستعبدون بواسطتها الناس. نهضتنا تريد أن تحرر الآلة من استبداد النظرة الفردية لأن بتحريرها تحرير مئات وألوف من الناس".

 

إن سعاده يعتبر أن تملّك "بعض الناس للآلة الحديثة كان طريقهم لاستعباد الذين لا يملكون الآلة"، أي أن الملكية الفردية لوسائل الإنتاج تقود إلى علاقات استعباد. ونهضتنا, كما أعلنت بصدد الإقطاع "أن الحزب السوري القومي الاجتماعي لا يستطيع السكوت عن هذه الحالة, ودعت على هذا الأساس إلى إلغاء الإقطاع, فإنها هنا تعلن بلسان سعاده بشأن النظام الرأسمالي: "ونهضتنا تريد أن تضع حداً لهذا الاستعباد ولأصحاب الرساميل الفردية الذين يستعبدون بواسطتها الناس".

 

إن كل موقف آخر بالنسبة للرأسمالية والرأسمال الفردي خاضع لهذه القاعدة الكلية المنبثقة من تناقض الحرية - القيمة العليا في الفلسفة القومية الاجتماعية, مع ظاهرة "الاستعباد" التي وصف سعاده بها النظام الرأسمالي, كما وصف النظام الإقطاعي. إن المرحلية في التعامل مع هذه الأوضاع لا تعني نقض القاعدة بل العمل على أساسها بلوغاً للهدف مرحلياً.

 

بالنسبة للإمبريالية يقول سعاده وفي المحاضرة الثامنة نفسها حول علاقات النظام الإمبريالي بالأمم والشعوب الناهضة. على أنها علاقات السيد والمَسود بين أمة وأمة في النظام الإمبريالي الذي وصفه في مقالته "النظام الجديد" بأنه "نظام الطبقات الانترنسيوني" تسيطر فيه طبقة من الأمم على أخرى كما تسيطر طبقة في المجتمع على طبقة أخرى. وكما تكوّنت ضمن المجتمع الواحد الطبقات والنظام الطبقي بعامل الثورة الصناعية, كذلك تكوّنت بذاك العامل عينه, الطبقات الأممية والنظام الطبقي الانترنسيوني الذي يضع طبقة من الأمم الاستعمارية ذات الإمبراطوريات والمناطق الواسعة, وطبقة من الأمم المتوسطة, وطبقة من الأمم المنحطة والمضغوطة "المحرومة". وسعاده ضد هذه السيطرة الطبقية على الصعيدين القومي والانترنسيوني. يقول سعاده بصدد هذه العلاقات وفي (الصفحة 134 من المحاضرة الثامنة): "وإنّا بدون شك نرى أنه لا بد للدولة القومية المقبلة من أن تسير في إيجاد حالة صناعية في هذه البلاد تخرج الأمة من حالة الرق للنظام الرأسمالي القائم على الصناعة الكبرى في الأمم المتقدمة". "الرق والاستعباد" بهاتين العبارتين يصف سعاده حالة الإقطاع وحالة الرأسمال الفردي المستغل وحالة الإمبريالية العالمية. وهو يقود ثورة تحرير مجتمعه من حالات الرق والاستعباد الثلاث لأنه "بدون الحق والحرية الحياة عدم"!.

 

 

القراءة الجديدة للمحاضرات العشر - ومحك الأحداث خلال الثلاثين سنة الأخيرة

 

وأخيراً ماذا نعني بقراءة جديدة للمحاضرات العشر؟

 

حتماً نحن لا نعني إعادة النظر في مضمون هذا الأثر من آثار سعاده الذي يتضمن التعاليم السورية القومية الاجتماعية في شرح موسع بقلم الزعيم. بل على العكس الذي نعنيه يتلخص بمحاولة لفهم معمّق لهذه التعاليم العظيمة مع مفاعلة فكر سعاده الثوري مفاعلة خلاقة مع المرحلة التاريخية. وهذه المحاولة تتبع منهجية سعاده التي وجدت ضرورة في 1948، في أن تكون المحاضرات العشر توسيعاً في شرح التعاليم يستوعب كما ذكرنا مشكلات ثلاثاً تصدّى لها المعلم حينئذ وهي:

 

  1.  مشكلة الانحراف الفكري الليبرالي والسياسي الكياني, الذي تصدّت له المحاضرة الأولى.
  2.  هزيمة 1948 وذيولها.
  3.  القطيعة الاقتصادية بين لبنان والشام.

 

فإذا كان سعاده قد وجد ضرورة في 1948، للتوسّع في شرح التعاليم في محاضرات عشر, ومفاعلة فكره القومي الاجتماعي مع المرحلة, وذلك بعد مضي اثنتي عشرة سنة على الشرح الأول للمبادئ في 1936. فكم هي الحاجة ماسة لمثل هذا التوسّع في الشرح والتحليل بعد انقضاء نحو ثلاثين سنة على إلقاء المعلم للمحاضرات العشر، وهي سنوات ثلاثون حفلت بالأحداث المصيرية القومية والأحداث والتطورات العالمية والإنسانية والعربية فضلاً عن الأحداث الحزبية الكبرى. إن ما نودّ أن نؤكده في هذه الفقرة الأخيرة من القراءة الجديدة للمحاضرات العشر، هي أن قواعد الفكر القومي الاجتماعي كما وضعها سعاده لم يتجاوزها الزمن بل هي لها طابع الاستشراف المستقبلي في عدد من الموضوعات الأساسية, نحاول تلخيصها تحديداً بما يلي:

 

 

أولاً: لماذا الشأن القومي؟ وهل المقولة القومية مقولة ثورية؟

 

استعراض للحقيقة القومية خلال ربع قرن

 

لو عرضنا لواقع العالم كله نرى أن الواقع القومي هو الحقيقة الثابتة فيه، رغم كل التطورات والظاهرات الأخرى، ولكن هذا الواقع متمايز، من حيث موقعه وطبيعة علاقاته، حسب عوالم ثلاثة: العالم الإمبريالي والعالم الشيوعي والعالم الثالث.

 

العالم الإمبريالي:

 

هو العالم الذي تحققت وحداته القومية في فترة مبكرة وبواسطة التقدم الصناعي الواسع الذي حصل فيه، وفي ظل النظام الرأسمالي واحتكاراته ومد سيطرته الاقتصادية والعسكرية على مجموعات الشعوب الأخرى، فأقام ما وصفه سعاده بنظام الطبقات الانترنسيوني, والذي قال فيه: "وكما تكوّنت ضمن المجتمع الواحد الطبقات والنظام الطبقي بعامل الثورة الصناعية كذلك تكوّنت بذات العامل عينه الطبقات الأممية والنظام الطبقي الانترنسيوني الذي يضع طبقة من الأمم الاستعمارية ذات الامبراطوريات والمناطق الواسعة وطبقة من الأمم المتوسطة, وطبقة من الأمم المنحطة أو المضغوطة, المحرومة".

 

والملاحظ أن سعاده يبرز العلاقة العضوية بين النظام الطبقي ضمن المجتمع الواحد والنظام الطبقي الانترنسيوني, والواقع أن الدول الإمبريالية هي دول متقدمة وذات نظام رأسمالي سخّر توسع الدولة الإمبريالية لنهب موارد الشعوب وتحويلها لسوق استهلاكية لصناعات رأسماله, وعلى هذا الأساس دعا سعاده في المحاضرة الثامنة وقبل قيام أي تصنيع في العالم العربي إلى تصنيع بلاده للتحرر من الرأسمال الأجنبي: "لا بد للدولة القومية المقبلة من أن تسير في إيجاد حالة صناعية في هذه البلاد تخرج الأمة من حالة الرّق للنظام الرأسمالي القائم على الصناعة الكبرى في الأمم المتقدمة". (المحاضرات العشر – صفحة 134).

 

كما دعا في نداء الأول من أيار الموجه إلى المنتجين صناعة وغلالاً وفكراً إلى خوض الصراع المزدوج ضد تحالف الرأسمال والإقطاع المحليين العميلين مع الإقطاع والرأسمال الانترنسيونيين أي الإمبريالية العالمية.

 

إن الإمبريالية العالمية حاولت وتحاول أن تظهر بمظاهر إنسانية عامة وادعاء العالمية ونبذ الشأن القومي واعتباره شأناً متخلفاً، ورده كما فعلت بعد الحرب العالمية الثانية إلى نزعة فاشية بالية؛ كل ذلك لتخدّر بأفيونها وعي الشعوب وتجهض ثوراتها ضد قومية متوسعة استعمارية هي قومية الدول الإمبريالية.

 

ولعل المثل الأسطع على ما فضحه سعاده منذ العام 1949 في مقاله حق الصراع هو حق التقدم (شروح في العقيدة – صفحة 166). سياسة "الظاهر والباطن"، فقال: "ماذا تعني (الوحدة الإنسانية والسلام العالمي الدائم)، إنها تعنيان الاستسلام للأمر المفعول والقناعة بالحالة الراهنة وعدم محاولة الانتفاض على شيء مما يكن إلا بإرادة أوصلت ما لم يكن إلى ما هو كائن في حالته الحاضرة... أما هذه الحالة فتعني تقدماً وغنى وسطوة لأمم معينة كانت صغيرة في البدء، ثم نمت وكبرت بفاعلية النمو وعزيمة الصراع وهي تعني تقهقراً لأمم معينة كالأمة السورية كانت عظيمة في البدء بفاعلية النمو وعزيمة الصراع إلى أن كان ذات يوم غلبت على أمرها وفقدت سيادتها وتحكمت بمصيرها الإرادات الغربية واستولت على أمورها وإمكانياتها... إن الأمم التي هي اليوم أمم قوية كبيرة لم تكن كذلك من أول وجودها بل صارت بجهادها وتغلبها على الصعوبات وبالظروف المؤاتية والفرص السانحة وبسعادة الحظ أحياناً وبالحروب الاستعمارية وبالثورة الصناعية والاقتصاد القومي".

 

"ولا تعني العالمية الأميركانية أن الأميركان مستعدون لمقاسمة جميع الشعوب الفقيرة خيرات بلادهم". "ولا تعني الأونيسكو والمؤتمر الثقافي العالمي غير دعوة كل فئة إلى سلام تسيطر عليه الأمة الأقوى". (شروح في العقيدة – صفحات 166-167).

 

ماذا نجد اليوم؟ نجد أن الولايات المتحدة ناقمة على الأونيسكو وعلى الأمم المتحدة، لأنهما خرجتا عن سيطرتها التي كانت لها عليهما في الاربعينيات والخمسينيات، فما إن تحولت هذه المؤسسات الدولية بفعل تبدل ميزان القوى العالمي لمصلحة الأكثرية العددية من الشعوب المستعمَرة سابقاً واتخذت بعض القرارات ضد دولتي إسرائيل وجنوبي إفريقيا العنصريتين، حتى أدانت أميركا هذه المؤسسات الدولية التي كانت تعيش في كنفها سابقاً.

 

وكانت أميركا زعيمة العالم الإمبريالي تتبجح دائماً بأنها تخوض حروبها دفاعاً عن العالم الحر حتى برزت مشكلة النفط فهدد رئيسها وتوعّد بإمكان اندلاع حرب في سبيل الموارد الأولية لآلة الصناعة الإمبريالية.

 

بريطانيا تريد إعادة التفاوض في السوق الاوروبية، لأنها تعتبر السياسة الزراعية لهذه السوق هي لمصلحة المزارع الفرنسي. وتعتبر أن بإمكانها الحصول على المواد الغذائية خاصة السكر بأسعار أبخس من دول الكومنولت.

 

كل هذه الأمثلة تظهر المصالح القومية المتناقضة ضمن العالم الإمبريالي. أما بين هذا العالم والعالم النامي فهناك ما يشبه المجزرة لا سيما على صعيد المجاعات والمواد الغذائية. إذ بينما وصلت أرباح أميركا من تجارة الجنوب في 1974 إلى 24 مليار دولار في سنة، كانت تهدد المجاعات مئات ملايين من أبناء آسيا وافريقيا. التضخم النقدي في العالم الصناعي يرفع أسعار كل السلع ونستورد نحن مع دول العالم النامي السلع الصناعية الغربية بأثمان باهظة وارتفعت أسعار كل السلع أربعة أضعاف ما كانت عليه، وأحياناً أكثر حتى 1973، عندما رفعت الدول المنتجة للنفط أسعار النفط منعاً لارتفاع أسعار باقي السلع، فكانت النتيجة أن الأمم الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة زوّرت الحقائق واتهمت دول النفط بأنها المسؤولة عن كل عملية التضخم النقدي. مع أن هذا كان سبباً لارتفاع اسعار النفط ولم يكن نتيجة. أما بالنسبة لعلاقة الولايات المتحدة الاميركية مع الاتحاد السوفياتي فهو يحتاج إلى تكنولوجيتها ورساميلها لاستخراج نفط سيبيريا, كما يحتاج أحياناً إلى قمحها عندما لا يكفي محصوله لاستهلاكه القومي.

 

لم يصدق الكونغرس الاميركي الاتفاقات التجارية مع الاتحاد السوفياتي إلا على أساس تسهيل هجرة اليهود السوفيات. أميركا التي اعتبرت في الخمسينيات حكم تشان كي شك ضرورياً لها تخلت عنه في السبعينيات, عندما اقتضت مصلحتها التفاهم مع الصين. هذه نماذج على كيف أن المصالح الخاصة للأمم هي الدافع لاستراتيجيتها. هذا بالرغم من الهجوم الإعلامي الواسع الذي شنه الغرب وخاصة الولايات المتحدة على الموضوع القومي بعد الحرب العالمية الثانية، معتبراً أن القومية هي عصبية مرضية انتهت بانتهاء الفاشية والنازية.

 

 

في العالم الشيوعي:

 

قال سعاده: "لا تعني وحدة الحركة العمالية الطبقية الشيوعية في العالم أن العمال السوريين ستكون لهم حالة مساواة في الحياة والمعاشرة والمنزلة والنتائج, مع العمال الروس والفرنسيين والإنكليز وغيرهم. فخصائص الشعوب ونفسياتها لا تزول بمجرد فكرة سياسية أو اقتصادية".

 

رفع العالم الشيوعي شعار الأممية، ولكن الذي تحقّق هو قيام المحور السوفياتي, وكل ثورة شيوعية انتصرت ذاتياً في مجتمعها القومي من دون دعم مباشر من الجيش السوفياتي (الصين, يوغوسلافيا، البانيا) لم تقبل الانصياع للمحور السوفياتي. فتمرّدت يوغوسلافيا أولاً واعتبرت أن استقلالها القومي في خطر من الاحتواء الروسي الستاليني ثم نشب النزاع الصيني السوفياتي والذي اتخذ في الآونة الأخيرة طابع النزاع على الأرض في سيبيريا وبلغ هذا النزاع حداً أن أصبحت علاقات كل من العاصمتين الشيوعيتين بأميركا أحسن من علاقات إحداهما مع الأخرى، ومثلاً فقد ظهر انطباع التجربة الشيوعية في كل مجتمع بتراث هذا المجتمع وظروفه الخاصة وواقعه الاقتصادي الاجتماعي، فرومانيا مثلاً خرجت عن الكتلة الشيوعية بزعامة موسكو لأنها أرادت تصنيع نفسها، في وقت أرادت الكتلة المذكورة أن تتخصص رومانيا بالزراعة فقط، ولكن النقطة الأهم وهي أن العقيدة الشيوعية خضعت للتطورات والاجتهادات في كل مجتمع وفقاً لظروفه الموضوعية الخاصة. إن سعاده يقول في "الإسلام في رسالتيه" إن الدين هو اعتقاد إنساني غيبي خضع في نشوء مذاهبه المختلفة لواقع تمايز المجتمعات، فكيّف بالعقيدة الاجتماعية الاقتصادية. وهذا ما حصل تماماً بالشيوعية الأممية حتى نظرتها إلى الصراع الطبقي الذي هو محور فلسفتها تبدلت بتبدل المجتمعات. فبينما قال ماركس بأن البروليتاريا الصناعية المتقدمة هي مادة الثورة مستوحياً المجتمعات الأوروبية الغربية الصناعية المتقدمة (بريطانيا – وألمانيا في عصره) فإن النظرية البلشفية السوفياتية بقيادة لينين قالت بتحالف العمال مع الفلاحين نظراً لكثافة الوجود الفلاحي في روسيا. أما ماوتسي تونغ فقد اعتبر الفلاحين المادة الثورية الأساسية لأن الصين مجتمع فلاّحي واستمر يقول بثورة البروليتاريا على اعتبار أن الحزب الشيوعي هو حزب بروليتاري النظرة فمن آمن به أصبح يدافع عن عقيدة البروليتاريا.

 

والثورة الصينية انتصرت في الريف على أيدي الفلاحين وانطلقت من هونان المنطقة الفلاحية في الريف. إن البروليتاريا الصناعية الصينية نشأت بعد الثورة وتصنيع الصين، أي أنها كانت حصيلة الثورة لا مفجّرتها. وهذا يعني أن المعادلة الطبقية التي هي مطلقة بالنسبة للنظرية الشيوعية خضعت لتمايز المجتمعات القومية أي أصبحت نسبية بالنسبة للمطلق الجديد الذي هو الواقع القومي.

 

كل ذلك لأن الماركسية في مختلف مدارسها درست الاقتصاد عمودياً من خلال علاقات الإنتاج ولم تدرسه شمولياً من حيث دورة الحياة الاجتماعية الاقتصادية التي هي دورة المجتمع القومي في تفاعله مع بيئته الطبيعية والتي منها تنشأ عملية الإنتاج التي عنها تتفرّع علاقات الإنتاج.

 

هذا في الشرق أما في الغرب فالتجربة الشيوعية اضطرت بعد نحو ثلاثة أرباع قرن إلى بدء التأقلم بما يسمّى بتراث الغرب الليبرالي البرلماني. فمنذ سنوات أخذت أحزاب أوروبا الغربية الشيوعية وخاصة الفرنسي والإيطالي تطرح فكرة الوصول عبر البرلمان والتطور السلمي بدلاً من العنف الثوري واللقاء مع باقي الأحزاب على أساس الحوار الديمقراطي حتى مع الأحزاب المسيحية المناهضة للشيوعية، وهكذا فالمجتمع بتراثه ودورته الاجتماعية الاقتصادية يشكل المخبَر والمصهر للعقائد والأفكار والنظريات.

 

 

في العالم الثالث:

 

ظاهرة الثورات القومية هي الظاهرة المحورية المركزية ويمكن القول بأن ربع القرن الأخير شهد من ولادات الاستقلالات القومية ما لم يشهده التاريخ كله. فارتفع عدد الأمم المتحدة إلى مئة وثلاثين دولة بعد أن كان أقلّ من النصف ومعظمها حديثة الاستقلال. إلا أن هذه الدول المستقلة هي من ثلاث فئات: بعضها استقلّ بفعل حرب تحرير قومية، وبعضها استفاد من انتصار حرب التحرير في بلدان مجاورة فمنحه المستعمر استقلاله انصياعاً لموجة العصر، وبعضها يمثل أمماً استقلت وبعضها يمثل أجزاء من أمم نظراً لكون المستعمر تحالف مع التخلف لتجزئة الأمم والشعوب. إلا أن المهم هو ظاهرة الاستقلال القومي واضطرار الأمم المتحدة نفسها للانصياع إلى هذه الظاهرة في قرارات شهيرة نصت على وجوب تصفية الاستعمار في كل العالم.

 

وهكذا فإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد أسقطت امبراطورية الهيسبورغ في النمسا وامبراطورية العثمانيين في آسيا، فإن الحرب العالمية الثانية كانت إيذاناً لسقوط امبراطوريتي فرنسا وبريطانيا فضلاً عن انهيار الإمبراطوريات الفاشية، وبدأ بعد ذلك الصراع مع خليفة كل هذه الامبراطوريات الإمبريالية الأميركية وكانت فيتنام موقع الصدام الأساسي وأن فلسطين في أرضنا مهيأة إذا قادت حرب تحريرها حركة ثورية جذرية أن تكون هي موقع الصدام الأهم في هذا العصر نظراً لوقوعها في قلب عالم النفط والموارد الأولية الأساسية فضلاً عن موقع بلادنا الاستراتيجي الخطير.

 

اتسمت حروب التحرير القومية بظاهرات مهمة عدة، أولها بمجابهة الإمبريالية ومجابهة حلفائها في الداخل الإقطاع والرأسمال المحلي الطفيلي الخاضع للإمبريالية والمؤسسات الاجتماعية العفنة كالطائفية والقبلية، فكان على حروب التحرير القومية أن تكون هي قاطرة التغيير الاجتماعي والتقدم الاقتصادي لهذه الأمم والمجتمعات التي تقفز بمجتمعاتها لتدخلها حلبة العصر الحديث. فوضعت على منكبيها مسؤوليات النهضات التاريخية وليس مجرد الحصول على الاستقلال السياسي، فكانت حروب التحرير القومية في عصر مواجهة الإمبريالية أمام تحديات متعددة فهي، إما تكتفي بالاستقلال السياسي وتقع في فلك الإمبريالية الاقتصادية والاستراتيجية، محافظة على مؤسساتها العتيقة، مثال على ذلك الأنظمة العربية الرجعية، إيران، بعض الدول الافريقية المحافظة، معظم دول أميركا اللاتينية وباكستان. أو تبحث عن عقيدة ونظام جديدين يفسران الظاهرة الإمبريالية والصراع ضدها ويقدمان النظام البديل. ذلك لأن القومية الليبرالية بالمفهوم الغربي لم تكن تصلح بديلاً لتخطي التخلف والأوضاع الرأسمالية والإقطاعية. وهذا ما حصل مثلاً لثورة صان يات صن، التي لم تقدم المضمون الاقتصادي للثورة الصينية، فكان أن تخطتها ثورة الصين واستعانت بالماركسية اللينينية وأقلمتها حسب ظروف مجتمعها وواقعها القومي، وهذا ما حصل في فيتنام وكوريا. وحصل شيء شبيه لحركة القومية العربية التي اضطرت لا سيما بعد نكبة 1967 إلى التخلي في فصائل عديدة منها، عن تمحور المفهوم الرومانسي الليبرالي للشأن القومي الذي شدّد على العوامل النفسية كاللغة والتاريخ والثقافة وإهمال العوامل المادية كالأرض والدورة الاقتصادية، فاضطر إلى تبني الماركسية اللينينية مقتدياً بثورات فيتنام والصين، وذلك لافتقاره إلى النظرة الشمولية القومية الاجتماعية التي تعطي للثورة القومية بعدها الاجتماعي والاقتصادي انطلاقاً من منهجية مدرحية متكاملة في فهم دورة الحياة في مظاهرها المتعددة.

 

إن فعل الواقع القومي لم يقتصر على تعديل الأممية وأقلمتها حسب مقتضياته، بل كان هو الهاجس الأكبر لهذه البلدان فحتى اليوم تطرح وحدة تايوان مع البر الصيني ووحدة الشمال والجنوب في كوريا، كما تحققت وحدة فيتنام في ظل ثورتها أي أن مطلب توحيد الوطن القومي هدفها المحوري مقترناً بالنظام الجديد.

 

أما الفئة الثالثة فهي المجتمعات التي جابهت المشكلة الاجتماعية – الاقتصادية من ضمن حرب التحرير القومية بانتقائية بين الأفكار والعقائد وفق حاجات مجتمعاتها القومية، وعرفت هذه الدول بالدول الوطنية التقدمية والتي إن استطاعت تحقيق الاستقلال الوطني مقروناً بالتقدم الاقتصادي تبقى بحاجة إلى الإنسان الجديد الذي لا تخلقه إلا النظرة الجديدة.

 

والنتيجة الثانية، هي أن حروب التحرير القومية افترضت أن العالم الثالث مضمون اجتماعي اقتصادي لها وبالتالي فالعالم الثالث بكونه يحيا من مخاض الثورة على الاستعمار من جهة وعلى التخلف والظلم الاجتماعي من جهة ثانية، وبكونه المختبر الجديد الذي تخلّفت عن حل معادلاته النظرية الليبرالية العربية نظرية الفرد والمظهر السياسي للدولة وتعدلت على أرضه النظرية الماركسية اللينينية في محاولة ملاءمتها مع مشكلاته الجديدة، مجتمعاته المتمايزة وهي النظرية التي نبتت في المجتمع الصناعي المتقدم والتي أعطت تفسيراً مادياً للأشياء.

 

إن هذا العالم الثالث هو الذي يحتاج إلى النظرة الجديدة التي تنبثق من أرضه وتجاربه ومن علوم العصر الاجتماعية والاقتصادية وتطوّرها ومن شمولية الحياة وتكامل عواملها المادية النفسية، وفي هذا المجال يكون للعقيدة الأصيلة من هذا العيار فعل الإيذان بعصر إنساني جديد وهو ما نؤمن به أن العقيدة القومية الاجتماعية تمثله.

 

والتحدي الآخر لحروب التحرير القومية، في هذا العالم الثالث هو عكس حروب الاستعمار في السيطرة على الشعوب والموارد هي حروب تحرير للشعوب والموارد، وبالتالي لها قيم إنسانية والواقع القومي عندها هو واقع يؤكد على مساواة المجتمعات البشرية، لا على سيطرة بعضها على البعض الآخر في ما وصفه سعاده بنظام الطبقات الانترنسيوني، ودعا إلى الثورة عليه ودكّه لمصلحة مساواة الشعوب بالثورات القومية. فسعاده جعل إسقاط نظام الطبقات الانترنسيوني الإمبريالي، بتحليله الواضح الموضوعي، عملية مسؤولة عنها الثورات القومية وليس أمراً ممكناً حدوثه من خارج محور القضية القومية. فلا القرارات الدولية ولا المؤسسات العالمية ولا النظريات الأممية تزيل الإمبريالية، وحدها حروب التحرير القومية هي القوة المدمّرة للسيطرة الإمبريالية، "إن انعدام الوعي القومي في شعبنا أفقدنا معظم مواردنا الأولية الهامة، فهنالك بترول الموصل منطقة الجزيرة، وبترول النقب السوري وهناك أملاح البحر الميت التي وضع اليهود أيديهم عليها، وهناك أراضي كيليكيا والاسكندرون وفلسطين الخصبة التي انتزعت من السيادة السورية". (سعاده نداء الأول من أيار 1949).

 

من ضمن هذه النظرة للشأن القومي في عصرنا وهو الشأن المحوري الذي تدور عليه حياة الأمم نجد أهمية الانطلاق منه في نهضتنا، لا سيما أن بلادنا تواجه تحديات القضية القومية، كما لم تواجهها أمة في العالم، فإلى جانب التجزئة الاستعمارية لبلادنا، وإلى جانب التخلف الشامل وعصر الانحطاط المديد والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والثقافية البالية المهترئة وهي ظاهرات تشارك فيها العديد من الأمم التي عانت من عصر الاستعمار، فإننا نتفرد بمواجهة التآكل السرطاني الاستيطاني الاستعماري اليهودي الذي يهدّد وجودنا كأمة بالمحق لواقعنا الحياتي كمجتمع قائم، وإلى كونه يعبر عن ظاهرة هي الظاهرة المركزية في هذا العصر، ظاهرة الشخصية القومية فإنه بالنسبة لمجابهتنا التحدي الإمبريالي – الصهيوني يشكل منطلقاً وجودياً لبقائنا في وجه تحديات فنائنا.

 

 

ثانياً: الخطة النظامية الدقيقة التي لم تنتصر بعد

 

في مواجهة الصهيونية الاستعمارية

 

الخطة الصهيونية الاستعمارية الدقيقة واجهتنا ونحن مجموعة كيانات ومجموعة طوائف ومجموعة طبقات ومجموعة أفراد، ولم تواجهنا أمة موحدة نفسياً واجتماعياً واقتصادياً، قومياً اجتماعياً.

 

لذلك كانت غاية الحركة السورية القومية الاجتماعية إسقاط عصر الانحطاط بكل إفرازاته الكيانية والطائفية والطبقية والفردية في سبيل إنسان جديد ونظام جديد على أسس قومية واجتماعية متعددة، هذه هي الخطة النظامية الدقيقة التي تمثلها قضية الحزب السوري القومي الاجتماعي، وهذه الأبعاد اشتملتها كلها غاية الحزب:

 

"غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها والسعي لإنشاء جبهة عربية". ويقول سعاده في شرح غاية الحزب "ويتضمّن معنى النهضة القومية الاجتماعية تأسيس فكرة الأمة وتأمين حياة الأمة السورية ووسائل تقدمها وتجهيزها بقوة الاتحاد المتين والتعاون القومي الصحيح وإقامة نظام قومي اجتماعي جديد". (المحاضرات العشر - ص.ص. 157-158).

 

ويقول سعاده في الشرح (في المحاضرة العاشرة, ص. 154): "فكان لا بدّ من الاتجاه نحو تأسيس فكرة الأمة بالدرجة الاولى". بعد تأسيس فكرة الأمة يجب الاهتمام بالأمة التي أصبح لها تحديد واضح لم يعد متراوحاً, أصبح من الضروري الاهتمام بمصير الأمة، بتأمين مصيرها, بتأمين حياتها ووسائل تقدم الحياة نحو المثل العليا, نحو إقامة نظام جديد للحياة بجعل الحياة أرقى وأفضل وأجمل". (ص. 159).

 

تأسيس فكرة الأمة هو المحور الذي واجه عصر الضياع القومي والتجزئة الاجتماعية بكل مظاهرها ومنه الانطلاق نحو إقامة النظام الجديد اللائق بمصير الأمة وجعل "الحياة أرقى وأفضل وأجمل, والآن نتساءل في ضوء هذا كله: هل تبدلت حال أمتنا فتجاوزت استهدافات الحزب أم أنها لم تزل بأمسّ الحاجة إلى رسالته". هل قامت "الخطة النظامية الدقيقة" في وجه العدو؟ هل سقطت الكيانية وتناقضها؟ هل سقطت الحواجز الطائفية ولم نعد أخلاطاً متنافرة في وجه العالم؟ هل سقط النظام الطبقي الإقطاعي والرأسمالي؟ هل زالت النزعة الفردية؟

 

إن النكبات المتوالية في فلسطين وعلى مدى أمتنا خير شاهد على العكس. فالتناقضات الكيانية زادت حدّتها ولم تنفع التجارب الوحدوية والشعارات الوحدوية العريضة في إزالة مفاعيل اتفاقية سايكس – بيكو والوحدة باتت مناورة كيانية أكثر منها حقيقة قومية. حتى التنسيق العسكري المتكامل على مدى الهلال السوري الخصيب لم يقُم. ولم تزل جبهات الحرب ضد العدو على تناقضاتها المعروفة. وحتى التكامل الاقتصادي مفقود في كيانات القطيعة والشجار على الحدود والسيادة الكيانية. الماء سبب خلاف بينها والموارد الطبيعية موضع تناقض والحصيلة هي الهجرة والنزوح.

 

ولم تزل العصبيات والعنصرية الجزئية العلة التي تتآكل كل جسمنا القومي من المشكلة الكردية في العراق إلى المشكلة الطائفية في لبنان، مروراً بدساتير دين الدولة إلى محاربة المنادين بالعلمنة في لبنان من قبل أنظمة رفعت شعارات التقدمية والاشتراكية، أما النظام الطبقي الرأسمالي والإقطاعي فقد سقط في كيانات، ولكنه استشرى شره في كيانات أخرى لم تزل تحت رحمة "الاقتصاد الحر".

 

وفي أساس كل العلل لم تزل النزعة الفردية هي محور حياتنا الاجتماعية.

 

من هنا، إن الخطة النظامية الدقيقة الشاملة التي أراد الحزب السوري القومي الاجتماعي أن تكون رد أمتنا على الخطر اليهودي لم تنتصر بعد.

 

ومن هنا، إن الحزب السوري القومي الاجتماعي لم يزل واجب الوجود بل هو واجب الانتصار، لأن بدون الخطة النظامية الدقيقة الشاملة التي رسمت لدحر العدو وتحرير أمتنا وتوحيدها سيبقى مد الاستعباد الخارجي المتحالف مع الاستعباد الداخلي طاغياً على وجودنا القومي.

 

 

ثالثاً: إن مفهوم الدورة الاجتماعية الاقتصادية – وحدة الحياة أساساً للوحدة القومية قد تأكدت سلامته في تجارب وأحداث الثلاثين عاماً الأخيرة على صعيدين خطيرين.

 

الأول سقوط تجارب الاتحادات والوحدات المستعجلة التي راهنت على وحدة الأشكال الدستورية والمشاعر الملتهبة بالوحدة من دون توافر قاعدة الدورة الاجتماعية الاقتصادية. ولقد كان هذا هو النقد الذاتي الذي وجّه إلى تجارب الوحدة في 1958 وفي 1973 على حد سواء، وثبت أن العمل الوحدوي بقدر ما يتركز على دورة الحياة الاجتماعية الاقتصادية بقدر ما يكون عملياً، وبالتالي فإن إرساء العمل الوحدوي على هذه القواعد ليس عداءً للوحدة العربية بل هو الطريق الأسلم والأوحد إليها. فلم تكن الوحدات المستعجلة هي التجربة الناجحة بل أدى انتكاسها إلى انتكاسة التيار الوحدوي عموماً، وبالتالي إلى انتعاش الاقليمية الكيانية بأقبح صورها.

 

أما الصعيد الثاني، ففي العلاقة التفاعلية سلباً وإيجاباً بين واقع الدورة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة في بيئة طبيعية والتفاعلات معها، السلبية أو الإيجابية، التي يفرزها نظام علاقات إنتاج معينة. فمن جهة تنبه سعاده كما مر سابقاً، إلى خطورة نتائج علاقات النظام الاقتصادي السيئ على الوحدة القومية وتفتيتها: دور الرأسمال الفردي في القطيعة بين الشام ولبنان، ولكن من جهة ثانية، تأكدت سلامة نظرة سعاده الأساسية ومفهومه لمركزية الدورة الاجتماعية – الاقتصادية كواقع حياتي يفرض نفسه حتى على أوضاع القطيعة المفتعلة خلافاً لموجباته.

 

ذلك أن إحصاءات غرفة التجارة والصناعة في بيروت في أيلول 1974 (مجلة الاقتصاد اللبناني والعربي – عدد 15 آب – 13 أيلول 1973)، أكدت أن أكثرية المصطافين أو الداخلين لبنان للانتجاع والاستشفاء والاصطياف والإشتاء هم من أبناء سورية الطبيعية، كما أكدت أن أكثر من نصف إنتاج لبنان الصناعي يُصرّف في أسواق سورية الطبيعية ونسبة أعلى من إنتاجه الزراعي، ويتوزع ما تبقى العالم العربي، بحيث إن اعتماد لبنان "الاقتصاد الحر" على الغرب والدول الأجنبية في موارده الرئيسية هو غير قائم، بينما العكس هو الصحيح لأن تصدير الدول الإمبريالية إلى لبنان يستنزف إمكاناته. إن هذه النتيجة حصيلة ثلاثين سنة من التجربة تؤكد صوابية استشراف سعاده وحكمه على تجربة المرفأ البحري والاقتصاد الحر وسيطرة الاحتكارات الأجنبية، وذلك قبل قيامها في 1948: "إن مرفأ حراً في ظروف كظرفنا في الجمهورية اللبنانية يعني شيئاً واحداً هو تحويل لبنان إلى مستودعات للرسمال والإنتاج الأجنبي الذي لا يعطي الشعب في لبنان غير شيء قليل جداً...". (المحاضرات العشر – ص. 131).

 

 

رابعاً: وحدة الوطن السوري الطبيعي الاستراتيجية وأثرها الفاصل سلباً وإيجاباً على المسألة الفلسطينية.

 

يقول سعاده: "أي اجتياح حربي للخطوط الاستراتيجية الجنوبية أو الشمالية جعل سورية الطبيعية كلها تحت خطر السقوط في قبضة الجيش المجتاح، فلا يمكن حفظ سلامة الوطن السوري إلا باعتباره وحدة حربية في وحدة استراتيجية. أي جيش يحتل أية منطقة صغيرة ضمن نطاق الوحدة الاستراتيجية يمكن اعتباره محتلاً البلاد كلها احتلالاً استراتيجياً". (المحاضرات العشر– ص. 84).

 

إن هذا الوضوح في الفكر الاستراتيجي، هو حصيلة المبدأ الأساسي الخامس من مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يعتبر الوطن السوري بيئة طبيعية واحدة "سورية الطبيعية تشمل جميع هذه المناطق التي تكون وحدة جغرافية – زراعية - اقتصادية – استراتيجية، لا يمكن قيام قضيتها القومية الاجتماعية بدون اكتمالها". ( المصدر نفسه – صفحة 82).

 

لقد وعى سعاده الصلة العضوية بين تجزئة الوطن واغتصاب بعض أجزائه وبين وحدته وتحريره، وعلى هذا الأساس اعتبر الوعي القومي مقولة ثورية، وأن انعدامه أدّى إلى خسارة الأجزاء التي سقطت تحت الاغتصاب والاحتلال. وإننا نرى لدى استعراض مرحلة الثلاثين سنة بعد إعلان هذه الحقيقة وما حملت من أحداث مصيرية، لا سيما على صعيد المسألة الفلسطينية كم كان هذ الاستشراف مستقبلياً وثورياً.

 

إذ إن هزيمة 1967 وتوسّع الاغتصاب اليهودي حتى شمل كل فلسطين وسيناء والجولان طرحا الحاجة إلى قيام جبهة شرقية أي إلى تحقيق وحدة سورية الطبيعية العسكرية بعد أن أدّى وضع التناقضات الكيانية إلى تعطيل المجابهة السلمية للعدو، وكما أن محاولات إقامة وحدات أوسع لم تصل إلى نتيجة عملية ولقد جاءت حرب تشرين 1973، تؤكد هذه الحقيقة إذ إنها لم تحقق الانتصار المرجوّ، بسبب عدم القيام المسبق لهذه الوحدة العسكرية رغم التواجد السريع للجيش العراقي في الجولان والذي أدى إلى نتائج إيجابية لجهة تضامن القوى العراقية والشامية الدفاعي، ولكن كون جبهتي الأردن ولبنان فوّتتا فرصة التحرك القومي الموحد ضد العدو الذي لو تمّ لكان أدى إلى نتائج إيجابية ملموسة.

 

 

قبرص

 

ومن ضمن أهمية الجبهة الشرقية الاستراتيجية في مواجهة العدو الاسرائيلي تبرز أهمية قبرص الاستراتيجية وانعكاساتها على المسألة الفلسطينية.

 

1 – سواء في اتخاذ الاستعمار منها في عدوان 1956 قاعدة له لضرب مصر والسويس مما يظهر أن قبرص أساسية لفلسطين.

 

أو إمكانية الإنزال منها على البر السوري التي قامت في مجازر أيلول أو كفاح شعبها في سبيل التحرر والاستقلال مما يحرّر سورية الطبيعية من القاعدة – الخنجر التي وجهها إلى برها الاستعمار منذ 1878، كما تبرز أهمية قبرص الاقتصادية في استراتيجية مقاطعة العدو ومحاولاته خرق الحصار العربي عبر قبرص وقد تأكد على مدى الثلاثين عاماً، منذ 1948 أن ادعاءات تركيا بقبرص مرتكزة على قرب البر السوري المغتصب – الاسكندرون لقبرص، كما تأكد من ناحية ثانية أن قبرص بقيادة مكاريوس قد رفضت ضياع هويتها بين التمزق العنصري التركي واليوناني، وأخذت تؤكد شخصيتها القبرصية المستقلة عن التناقض العنصري الطائفي، وعلى هذا الأساس اتجهت بفعل الدورة الاجتماعية الاقتصادية إلى واقعها الطبيعي في طلب مدّ مياه الفرات لإروائها.

 

2- وهذه الوقائع تؤكد صوابية نظرة سعاده إلى مسألة قبرص واستشرافه الاستراتيجي، وذلك أنه لو كان في البر السوري دولة مركزية وحدوية قوية لقدّرت أهمية قبرص ولبّت حاجاتها الاقتصادية الأساسية المتعلقة بحياة سكانها سواء حاجتها إلى مياه الري من الفرات أو إلى النفط من منابعه في الهلال الخصيب.

 

3 – ويسيطر مفهوم الدورة الاجتماعية الاقتصادية ومصالحها في رسم العلاقات بين البرّ السوري وجزيرة قبرص تماماً كما يسيطر المفهوم القومي نفسه في علاقات البر الفرنسي مع كوستاريكا أو البر الإيطالي مع سردينيا وصقلية. إن المفهوم القومي الاجتماعي للمواطنية هو حل لمشكلة التناقض العنصري - الطائفي الذي أضاع هوية قبرص القومية والذي جعل السائد في الكلام عنها هو عن "الجالية اليونانية" أو "الطائفة اليونانية" أو "الجالية التركية" أو "الطائفة التركية" بدلاً من الحديث عن وحدة الشعب في وحدة الأرض، مما أثبت أن قبرص لم تزل تفتش عن هويتها الضائعة بين الولاءات العنصرية الطائفية الضائعة.

 

والرومانسيون الذين رفضوا قبرص في الماضي واتخذوها ذريعة تهكم في دعوانا بها، بنوا مقولتهم على وحدة اللغة والدم، فهل الأكراد والآشوريون وسواهم من أقليات الأمة عنصرياً ولغوياً، عرب؟ إن دورة الحياة الاجتماعية الاقتصادية هي المعيار لا الأصول الدموية ولا اللسان الواحد. وهذا هو ما حصل في كل الأمم والشعوب التي تحررت من كابوس المدرسة الرومانسية التي تسقط أهمية الاستراتيجيا والاقتصاد في رسم وحدة المصير.

 

 

رابعاً: إن مشروع الجبهة الشرقية على أهميته العسكرية يبقى ناقصاً، لأنه يؤكد وحدة الأرض الاستراتيجية من دون تأكيد وحدة المجتمع القائم عليها، وهي النقطة الجوهرية التي تميّز بها فكر سعاده في ربطه بين وحدة المجتمع ووحدة الأرض.

 

"وإن الترابط بين الأمة والوطن هو المبدأ الوحيد الذي تتم به وحدة الحياة. ولذلك لا يمكن تصور متحد إنساني اجتماعي من غير بيئة تتم فيها وحدة الحياة والاشتراك في مقوماتها ومصالحها وأهدافها وتمكن من نشوء الشخصية الاجتماعية التي هي شخصية المتحد، شخصية الأمة". (المحاضرات العشر. صفحة 54). من دون أن نعي حقيقة وحدة الجماعة البشرية في بيئة معينة، لا يمكن أن نعي مبدأ سيادتها القومية على هذه البيئة.

 

 

خامساً: ولقد طرح سعاده مبدأ "الأمة مجتمع واحد" بمعنى أن وحدة الجماعة القومية لها مدلولها الاجتماعي، فكما أن الحرص هو على تأكيد وحدة الحياة القومية ومصالحها إزاء المجموعات الخارجية، فكذلك الحرص على رفض التجزئة الاجتماعية داخلياً المشوّهة لهذه الوحدة القومية، وهذا يعطي للشأن القومي بعده الاجتماعي ويجعل الحزب السوري القومي الاجتماعي يناضل في سبيل وحدة المجتمع ضد التجزئة السياسة بنعراتها الكيانية والإقليمية، وإلى هذا المبدأ الأساسي يعود بعض المبادئ الإصلاحية، كما يقول سعاده في التعاليم.

 

وعلى هذا الأساس كوّنت قضية الحزب السوري القومي الاجتماعي قضية ثورية شاملة وكلية ضد أوضاع التجزئة الاستعمارية في الوطن الطبيعي الواحد، وأعطى هذا للقضية القومية كل أبعادها الاجتماعية. وهو تصدٍّ لأوضاع لم تزل قائمة إلى حدٍ كبير في الوطن السوري الطبيعي، التجزئة الكيانية والتجزئة الاجتماعية وتداخلهما وبمعنى آخر اقتران النضال في سبيل الوحدة القومية ويحقق مبدأ "الأمة مجتمع واحد".

 

ولا يكتفي سعاده بالتصدي للنظام الفاسد بل لجذوره النفسية، فالنظام الإقطاعي والنظام الرأسمالي الفردي هما مظهران اقتصاديان اجتماعيان لشر مستطير وعلة أساسية في مجتمعنا: النزعة الفردية، وسعاده يعلن أن "النزعة الفردية أخطر من الاحتلال الأجنبي" وعلى القوميين الاجتماعيين محاربتها بضراوة، فهي المظهر لتحلل الفرد من الرابطة الاجتماعية لأمته ومصيرها في عصر الانحطاط واعتباره نفسه محور الوجود وتسخير كل شيء في سبيل مصالحه الأنانية، من هنا كان بناء الإنسان الجديد في النهضة على أساس الولاء القومي الاجتماعي هو الطريق لبناء النظام الجديد.

 

 

سادساً: مع إعطاء القضية القومية كامل أبعادها الاجتماعية إلا أن سعاده شدّد على أنها القضية المركزية واعتبر، وهذا ما ميّز فكره القومي. على أن مقولتها في هذا العصر هي مقولة قومية اجتماعية، أي ليست مقولة قومية مجرّدة عن الواقع الاجتماعي ومشاكله كما في الليبرالية الفاشلة، كما أنها ليست مقولة اجتماعية منسلخة عن واقع القضية القومية، كما في التعاليم الماركسية الأساسية، ولقد تأكد من تجارب العالم بمختلف مجتمعاته وتكتلاته على مدى الثلاثين عاماً الأخيرة، أن القضية القومية هي فعلاً القضية المركزية التي لم تستطع أي دعوة أممية تجاوزها، وفي 1948 عند إلقاء المحاضرات العشر وتأكيد سعاده هذه المقولة كان يبدو وكأنه شوفيني في وجه الدعوات الكوزموبوليتية والأممية المتنافسة على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية – وكان الحازم ضد "حق" الأمم المتحدة إلغاء سيادتنا القومية في فلسطين، في قرارات التقسيم 1947، يبدو وأنه موقف متخلف عن عالم المستقبل. "ليس لجمعية الأمم المتحدة كلها أن تتعمّد إلغاء حق الأمم الحرة في تقرير مصيرها بنفسها". (سعاده – 2 - تشرين الثاني 1947)، ولكن مسيرة الثلاثين عاماً أكدت صوابية نظرة سعاده واستشرافه المستقبلي وأن طريق الإنسانية السليم هو طريق حقوق وحريات الأمم والشعوب لا طمس هذه الحقوق والحريات في سبيل سلم غامض مشوب بالمصالح الإمبريالية.

 

 

سابعاً: على قاعدة الثورة القومية يرفض سعاده الإمبريالية والاستعمار بكل أشكالهما ويدعو إلى تدميرهما.

 

وانطلاقاً من هذه المقولة القومية الأساسية النقيض للإمبريالية تحدد موقف سعاده العدائي من الاستعمار والإمبريالية بكل أشكالهما.

 

فالحركة السورية القومية الاجتماعية حركة قومية معادية للإمبريالية والاستعمار "نشأنا حركة عنف قومي ضد عنف أجنبي استعماري"، هكذا حدّد سعاده الحركة القومية الاجتماعية.

 

وليس هذا التحديد الذي يرسم الاتجاه هو الذي يكتفي به رسم معالم حركتنا وموقفها المبدئي والعملي المضاد للاستعمار والإمبريالية، ولقد طرح سعاده مقولاته القومية واعتبرها نقيضاً كلياً للاستعمار بمختلف أشكاله، طرح الوحدة القومية واعتبر الاستعمار سالبها في أوضاع التجزئة.

 

"أنا متّهم بخرق وحدة البلاد الجغرافية وانتهاك حرمة الأرض فأراني مضطراً، علمياً لا بالعاطفة للقول: إن خرق وحدة وطننا الجغرافية وانتهاك حرمة أرضنا قد تمّا بالفعل في سان ريمو وسيفر ولوزان والمسؤولون عن ذلك هم غير الحزب السوري القومي"... (من محاكمة الزعيم العام 1936 في المحكمة الفرنسية المسماة "المحكمة المختلطة").

 

وربط منذ الأساس بين التجزئة الاستعمارية في سايكس – بيكو وتهويد فلسطين في وعد بلفور، فأكد صلة الوحدة بالتحرير وصلة التجزئة الاستعمارية بالتهويد كمقولتين متناقضتين. "على أساس معاهدة سايكس – بيكو وقبل انتهاء الحرب وقبل وضع بريطانية العظمى وفرنسا يدهما على سورية بالفعل، رأت السياسة البريطانية أنه لا يوجد ما يمنع بريطانية من بيع فلسطين لليهود بثمن تحتاج إليه لتقوية نفسها في الحرب". (رسالة الزعيم إلى الأمة في تشرين الثاني 1947).

 

وطرح سعاده على أساس المقولة القومية في الوحدة والتحرير، وعلى أساس منهجية فلسفته المدرحية الاستقلال القومي بشموليته الشأن الثقافي والاقتصادي والسياسي، فكما حمل على الاستعمار السياسي المناقض للاستقلال السياسي منذ مقالاته الأولى "السوريون والاستقلال" الصادرة في مطلع العشرينيات حتى تأسيس الحزب ومختلف مراحل نضاله في الثلاثينيات والأربعينيات، فقد حمل كذلك على الاستعمار الثقافي في طرحه مسألة القيم القومية ورفضه إخضاعها لأيه سيطرة ثقافية استعمارية، "إن وعينا لقوميتنا ونفسيتنا الأصيلة وتوّلد نظرتنا إلى الحياة والكون والفن وحصول مثلنا العليا السامية الجميلة، هي خير ضامن لقيم الحق والخير والجمال المطلقة والمقيدة والمجردة والمصاحبة". كل حق وكل خير وكل جمال لكي يصح أن تكون قيماً عليا، حقيقية مطلقة عندنا، يجب أن تخضع لشرط برؤيتنا إياها كذلك أو لاشتراكنا في رؤيتها كذلك وإلا يعرضنا لفقدان نظرتنا الشخصية الخاصة ("شروح في العقيدة"، ص.ص. 126-127).

 

وحدد موقفه من الاستعمار الثقافي فضلاً عن رفضه الكلي للانتدابين البريطاني والفرنسي وسيطرتهما السياسية والثقافية والاقتصادية برفضه القاطع لأية سيطرة أجنبية بديلة، فهو يدين الاستعمار الثقافي الفاشي الألماني والإيطالي في مطلع نفوذ الدعوتين الفاشيتين وفي أول خطاب منهاجي في حزيران 1935، ألقاه الزعيم في "كوادر الحزب السوري القومي الاجتماعي قبل انكشاف دعوة الحزب وأمره"، "إننا نشعر الآن بوجود دعاوة ايطالية قوية في هذه البلاد خصوصاً وفي الشرق الأدنى عموماً، وكذلك نشعر نحن بمثل هذه الدعاوة من جهة ألمانيا وبمثل ذلك من دول أخرى، فزعامة الحزب السوري القومي الاجتماعي تحذّر جميع الأعضاء من الوقوع فريسة للدعوات الأجنبية، إننا نعترف بأن هناك مصالح تدعو إلى إنشاء علاقات ودية بين سورية والدول الأجنبية، خاصة الأوروبية، ولكننا لا نعترف بمبدأ الدعاوة الأجنبية، يجب أن يبقى الفكر السوري حراً مستقلاً". ("المحاضرات العشر"، ص.ص. 26-27).

 

ويتصدى سعاده لأشكال الاستعمار الاقتصادي: "إني لا أعتقد أن اتفاقية النقد يجب أن يُنظر إليها من وجهة النقد كمسألة مالية محض". وهنا ينفرد سعاده في 1948، في استشرافه أن انفراد لبنان بعقد اتفاقية النقد قد يؤدي إلى القطيعة مع الشام وذلك قبل ثلاث سنوات من إعلان القطيعة في 1951: "إن اتفاقية من هذا النوع تفتح مسألة، هل يوجد للجمهورية اللبنانية أساس اقتصادي صحيح؟ وإذا أدّى الانفصال النقدي بين لبنان والشام إلى انفصال اقتصادي صحيح تام، فما مستقبل الجمهورية اللبنانية وعلى أي أساس يقوم؟". ("المحاضرات العشر"، ص. 130).

 

"هكذا يتصدى سعاده للاستعمار والإمبريالية بكل أشكالهما وبكل صيغهما، وبكل دولهما، فهو يدين الانتداب والاستعمار السياسي، ويدين التجزئة الاستعمارية وتحالف الإمبريالية مع الصهيونية، ويدين الاستعمار الثقافي ألمانياً كان أم إيطالياً، أم بريطانياً أم فرنسياً أم أميركياً". يتصدى لاتفاقية "التابلاين" والمصالح البترولية، كما يتصدى لاتفاقية النقد الفرنسية، "إن اتجاه ألمانيا هو أن تكون هي المركز الصناعي الأكبر الذي تحيط به مراكز زراعية محض تحرم باتفاقات اتزنسيونية من حق إنتاج صناعي ثقيل، وأن تنصرف للزراعة بآلات ألمانية تعطيها بدلها المحصولات الزراعية"، وهذا يصفه سعاده، بتكتيك التسلط على الجماعات القومية "الذي كانت ستمارسه ألمانيا النازية لو تم انتصارها في الحرب العالمية الثانية بأقبح صورة يمكن أن ترسم لها". ("المحاضرات العشر"، صفحة 134).

 

إن سعاده يتعرض هنا لأبشع أنماط الإمبريالية سيطرة الأمة المصنعة على الأمم الزراعية لتحويلها إلى سوق استهلاكية، وهو لذلك يدعو كما مر معنا سلفاً إلى "إيجاد حالة صناعية في هذه البلاد تخرج الأمة من حالة الرق للنظام الرأسمالي القائم على الصناعة الكبرى في الأمم الكبيرة المتقدمة". ("المحاضرات العشر"، الصفحة نفسها).

 

وهو يواجه إمبريالية النفط في أول عهدها، بإدانته اتفاقية "التابلاين" في مقالته عن "البترول سلاح انترنسيوني لم يُستخدم بعد"، وربطه بين المصالح الإمبريالية النفطية الاستراتيجية ومسألة فلسطسن، كما يدين اتفاقية النقد الفرنسية: "إن فرنسا لم تخرج من سورية برضاها، إنها خرجت مكرهةً تاركةً في هذه البلاد، خصوصاً في لبنان مصالح اقتصادية وسياسية وحربية أيضاً تعزّ عليها كثيراً".

 

كما حذّر في "المحاضرات العشر" أيضاً من الاستعمار الثقافي الأميركي: "وهنا ما يسمّونه "الأميركان كوميونتي" نجد أمثالاً كثيرة من التراخي الأميركاني الذي أصاب مرضه بعض المنشغلين منهم أو المتعلمين عندهم أو الأساتذة المشتغلين معهم، أما نحن فمجتمعنا هو غير المجتمع الأميركاني. لذلك وجب أن تكون نظرتنا وجهادنا في نفسنا من أصل الأغراض الأساسية الكبرى التي تتم بواسطة نفسنا"، وهو يدين الولايات المتحدة، ويقول: "حتى حروبها، فاقدة المعنى الروحي العظيم" ("المحاضرات العشر"، ص. 140).

 

وكما أدان الاستعمار الثقافي الفاشي الألماني والايطالي وحذّر منهما، وأدان الاستعمار الثقافي الأميركي وحذّر منه، و أدان الاستعمار الاقتصادي الإمبريالي وأعطى ألمانيا النازية مثلاً عليه: "إن اتجاه ألمانيا هو أن تكون هي المركز الصناعي الأكبر الذي تحيط به مراكز زراعية محض باتفاقات انترنسيونية".

 

فيتصدى للسيطرة الصناعية الألمانية النازية على أوروبا أو العالم كما يدرك أن الصراع مع إسرائيل هو في الأخير صراع ضد الإمبريالية: فالأمر ليس فقط مع تلك الدولة الجديدة المصطنعة، إنه مع الدولة الجديدة ومع دول عظمى وراء الدولة الجديدة، إنه صراع طويل وشاق، ونحن نعرف جيداً كذلك ونسير بهذه المعرفة واثقين مطمئنين، لأن وراء الدولة اليهودية الجديدة مطامع دول أجنبية كبيرة تعمل وتساعد وتبذل المال وتمد الدولة الجديدة بالأساطيل والأسلحة لتثبيت وجودها". ("مراحل المسألة الفلسطينية"، خطاب سعاده أول حزيران 1935، ص. 42").

 

 

الحلف ضد الإمبريالية:

 

الجبهة العربية لا الجامعة العربية

 

وكما تكوّن الحلف الإمبريالي الصهيوني المعادي، دعا سعاده إلى قيام الجبهة العربية المعادية للاستعمار: "وإن إيجاد جبهة من أمم العالم العربي تكون سداً ضد المطامع الأجنبية الاستعمارية وقوة لها وزن كبير في إقرار المسائل السياسية، هو جزء متمم لغاية الحزب السياسية". (من شرح غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بقلم سعاده – كتاب التعاليم القومية الاجتماعية).

 

ومأخذ سعاده على الجامعة العربية الرئيسي هو أن الاستعمار حاول تسخيرها لغرض مناقض لوجوب وجودها، لتكون أداة تابعة، وذلك بسيطرته على أكثرية أنظمتها بدلاً من أن تكون الجبهة المعادية له التي دعا سعاده إلى قيامها. يقول سعاده: "نحن نعلم أن مصالح أجنبية معينة ترغب في أن ترى جامعة عربية تتخذ موقفاً واحداً في القتال المقبل، ولكننا نعلم أيضاً أن مؤسسة الجامعة العربية أنشئت لتسهيل نمو العالم العربي ولتعاون على ما فيه مصلحة هذه الأمم وليس لتقرير إجماعي لمصلحة حربية معينة".

 

وفكرة الجبهة العربية المناهضة للاستعمار والصهيونية التي دعا سعاده إلى قيامها منذ 1932، هي التي تتخذ اليوم بين عدد من الأنظمة العربية التقدمية والقوى الثورة العربية، والتي يؤيد قيامها الحزب السوري القومي الاجتماعي ويدعو لها تجسيداً لفكرة الجبهة المعادية للإمبريالية والصهيونية.

 

 

خاتمة:

 

من هنا، إن موقف الحزب المعادي للإمبريالية له جذوره وأصوله في تراث سعاده العقيدي والفكري والعملي، وإن التوهم أن طرح حزبنا الثوري هو من دون أصول هو إما جهل أو طمس لتراث سعاده الثوري المعادي للإمبريالية والاستعمار وحلفائه المحليين والرأسماليين والإقطاع.

 

إن الحقيقة هي أن خط الحزب السوري القومي الاجتماعي الصراعي الثوري المعادي للاستعمار والإمبريالية والإقطاع والرأسمالية في أواسط السبعينيات هو نابع أصلاً من تراث سعاده، وهو عودة أمينة إلى ثورية سعاده، وأن حقبة الخمسينيات ومَن تعلّق بأذيالها من دعاة مهادنة النظام القديم عالمياً وقومياً ومحلياً، هي مرحلة الانحراف عن سعاده الثائر الرافض.

 

 

 
التاريخ: 1976-09-25
 
إضغط هنا لتحميل هذه الدراسة
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro