مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
الدرس الإذاعي الأول الخطّة الصهيونية
 
 

 

أولاً - في تعريف الصهيونية:

 

الصهيونية تتركز على تزاوج دعامتين:

 

الدعامة الأولى:

 

التراث اليهودي التاريخي العنصري المغلق، وكل الوصايا اليهودية تدعو إلى إفناء الشعوب التي كانت تسكن بلادنا وتؤكد أن اليهود «شعب الله المختار».

 

اليهودية ليست ديناً «كونياً»، بل دين عشائري عنصري مغلق مبني على كره الشعوب والحض على إفنائها.

 

يقول الزعيم: «رأي اليهود أن فكرة إله حي يرى ويفكر ويخلق تقوي معنوياتهم وترهب أعداءهم لما فيها من هيبة الخفاء وقوة الحياة تجاه جمود الأصنام. ولكن الله لم يكن عندهم أرقى كثيراً من الأصنام فكانت عباداتهم له واتصالهم به أشبه بعبادة الأصنام والاتصال بها. فكانوا يشاورونه في حروبهم كما كان الوثنيون يشاورون آلهتهم في حروبهم. وكان الله خاصاً بهم كما كان لكل شعب أو أمة أو قبيلة إله خاص به. فهو لهم «إله إسرائيل» أو «إله يعقوب ونسله» وهما واحد. وكما كان الصنم يحارب عن عباده أو يشير عليهم بالحرب أو السلم حسبما يرى أنه موافق لمصلحة اليهود» (سعاده - الإسلام في رسالتيه ص112 – 113).

 

هذا يعني أن فكرة الله المسكونية لكل الشعوب التي وجدت في الأديان السماوية كانت منافية ليهود «إله إسرائيل» والذي يقود حروبها ضد باقي الشعوب.

 

ويقول سعاده: «فاليهود قد احتفظوا بيهوديتهم الجامدة من حيث هم مذهب ديني وقد أكسبهم دينهم الشخصي عصبية لا تلبس بالعصبية القومية إلا على البسطاء والمتغرّضين. اليهود ليسوا أمة أكثر مما هم سلالة (وهم ليسوا سلالة إطلاقاً)، إنهم كنيس وثقافة. لا يمكننا أن نسمّي المسلمين أمة أو المسيحيين أمة.. الأمة تجد أساسها قبل كل شيء آخر في وحدة أرضية معينة، تتفاعل معها جماعة من الناس وتشتبك وتتحد ضمنها...». ("نشوء الأمم"، ص. 155).

 

تاريخياً اليهود نزلوا جزءاً من أرضنا السورية في الجنوب ولكنهم ذابوا مع الزمن في المجتمع السوري ومن بقي محافظاً على عصبيته طردوا خارجه وزالوا.

 

اليهود في العصر الحديث لا يمتّون إلى اليهود السابقين. فهم يهود أوروبيون وليسوا من اليهود الذين نزلوا في سورية الجنوبية ولا علاقة لهم بهم إلا بالخرافة العنصرية الدينية.

 

في العالم المعاصر حافظ اليهود بفعل عقائدهم على الانغلاق انطلاقاً من أنهم «شعب الله المختار»، فأقاموا في أحياء مغلقة عرفت ب-"الغيتو".

 

الحركة الصهيونية المعاصرة ارتكزت على هذا التراث الديني العنصري الخرافي المغلق عقيدة لها، لكن تزاوجت مع عصر الاستعمار والمصالح الاستعمارية لتؤسس فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين ولتمتد على المحيط كله.

 

من هنا خطأ كبير النظر إلى الصهيونية نظرة جزئية وفهمها على أنها مجرَّد نتاج عصر الاستعمار فعقيدتها الخرافية العنصرية تعود إلى التراث اليهودي التاريخي المغلق، وبالمقابل خطأ النظر إلى هذا التراث من دون علاقة الصهيونية بعصر الاستعمار.

 

استناداً إلى ما تقدّم يمكننا تبيين نقطة الارتكاز الأولى التي استندت إليها الحركة الصهيونية، لقد شكل التراث اليهودي التاريخي العنصري المغلق الأساس الفكري للصهيونية المعاصرة، الأساس الايديولوجي (العقائدي) التاريخي.. من دون فهم اليهودية التاريخية، لا يمكننا اطلاقاً أن نفهم الصهيونية. ونحن نعتبر في هذا المجال بأن الفكر اليساري الكلاسيكي في العالم وخاصة الماركسي، قد قصّر في فهم هذه الناحية فلم يفهم الصهيونية على حقيقتها، فالصهيونية ليست قومية بورجوازية نمت في عصر الامبريالية.. كما يفسر الماركسيون. إنها أبعد من ذلك وغير ذلك.

 

إن الجانب الخرافي العنصري التاريخي السابق لعصر البرجوازية والثورة الصناعية والامبريالية، يشكل أحد مرتكزين منها.

 

أما المرتكز الثاني، فتحالف الصهيونية مع الاستعمار العالمي - الامبريالية - إذ لولا هذا التحالف لما استطاعت تنفيذ أهدافها وامتلاك فلسطين والامتداد خطراً يهدّد وجودنا القومي كله.

 

لقد عقد اليهود صفقة مع نابليون لإعطائهم الدعم «لوطن قومي يهودي» لكن انكساره لم يُتح لهم تنفيذ خطتهم. إذن مسعاهم يعود إلى القرن الثامن عشر. بعد تأسيس حركتهم الصهيونية بقيادة هرتزل في مؤتمر بال في القرن التاسع عشر عقدوا الصفقة مع بريطانيا.

 

وقد كان بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا هو أول متعهد لهذه الفكرة في القرن التاسع عشر، وهو الذي قاوم قيام دولة موحّدة في سورية الطبيعية وحرّض ضد دولة إبراهيم باشا. ذلك لأن المصالح البريطانية كانت تقضي بحماية طريق الهند إلى الامبراطورية البريطانية مما يقضي بإيجاد مخفر أمامي لمصالحها في فلسطين هو «الوطن القومي اليهودي» أي الاستيطان العنصري الصهيوني.

 

وهذا هو التمهيد لسايكس بيكو، الاتفاقية الاستعمارية بين فرنسا وبريطانية في 1916 التي مزقت سورية الطبيعية إلى منطقتي نفوذ بينهما، ووعد بلفور في 1917 أعطى من بريطانيا لليهود لإقامة «وطن قومي» لهم في فلسطين بمساعدة بريطانيا.

 

عصر سايكس - بيكو الاستعماري ووعد بلفور

 

يقول الزعيم: «إن وعد بلفور لم يكن الطعنة الأولى ولا الطعنة الوحيدة التي نفذت في جسم الأمة السورية في ما مرّ من هذا القرن. فلقد سبقته طعنة ولحقتها طعنات».

 

«وكانت الطعنة الأولى حين اتفقت بريطانيا وفرنسا وروسيا قبيل الحرب العالمية الأولى على اقتسام السيادة والنفوذ في سورية بعد انتزاعها من تركيا وحين أبدلت الاتفاق المذكور بمعاهدة سايكس - بيكو السرية 1916 التي تم التعاقد بين بريطانيا العظمى وفرنسا على اقتسام سورية في ما بينهما عند خروجهما من تلك الحرب ظافرتين».

 

«على أساس معاهدة سايكس بيكو وقبل انتهاء الحرب وقبل وضع بريطانيا وفرنسا يديهما على سورية، بالفعل، رأت السياسة البريطانية أنه لا يوجد ما يمنع بريطانيا من بيع فلسطين لليهود بثمن تحتاج إليه لتقوية نفسها في الحرب، وعلى أساس هذا التفاهم أعطى وزير خارجية بريطانيا العظمى اللورد بلفور في 2 ت 2/1917 وعد بريطانيا لليهود بتمكينهم من إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين» (سعاده، ريادة وشهادة، ص. 62).

 

لقد وعى سعاده الصلة العضوية بين تجزئة الوطن واغتصاب بعض أجزائه وبين وحدته وتحريره، وعلى هذا الأساس اعتبر الوعي القومي مقولة ثورية وأن انعدامه أدّى إلى خسارة الأجزاء التي سقطت تحت الاغتصاب والاحتلال. وأننا نرى لدى استعراض مرحلة الثلاثين سنة بعد إعلان هذه الحقيقة وما حملت من أحداث مصيريّة لا سيما على صعيد المسألة الفلسطينية كم كان هذا الاستشراف مستقبلياً وثورياً. إذ إن هزيمة 1967 وتوسّع الاغتصاب اليهودي حتى شمل كل فلسطين وسيناء والجولان طرحت الحاجة إلى قيام جبهة شرقية، أي إلى تحقيق وحدة سورية الطبيعية العسكرية بعد أن أدى وضع التناقضات الكيانية إلى تعطيل المجابهة السليمة ضد العدو، وكما أن محاولات إقامة وحدات أوسع لم تصل إلى نتيجة عملية. ولقد جاءت حرب تشرين 1973 تؤكد هذه الحقيقة إذ إنها لم تحقق الانتصار المرجوّ بسبب عدم القيام المسبق لهذه الوحدة العسكرية.

 

وأكدت حرب لبنان في 1982 النقص المخيف الذي نتج عن انعدام وحدة «سورية العسكرية».

 

عصر الامبريالية الأميركية ودعمها المطلق للمشروع الصهيوني

 

حين ورثت الولايات المتحدة إرث بريطانيا وفرنسا في المنطقة أصبحت مصالحها النفطية في الخليج بحاجة إلى مخفر يحميها هو إسرائيل، فارتكزت سياستها على دعم مطلق لإسرائيل منذ ترومان 1948 (قيام إسرائيل) إلى جونسون في 1967 (هزيمة 1967 وضمّ الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء بدعم أميركي مطلق لإسرائيل) إلى غزو جنوب لبنان بإذن أميركي - تصريحات فانس وزير خارجية أميركا عند حدوث الغزو - ثم خطة شارون - هيغ لغزو لبنان في 1982. وكل تصريحات الرسميين الأميركيين حول اتفاقات كامب دايفيد تدور حول كيفية إنهاء الصراع من أجل سلامة النفط واحتكاراته في المنطقة.

 

يتبين أن السياسة الاستعمارية منذ القرن الماضي رفضت قيام دولة موحّدة قوية في سورية الطبيعية في الطور الاستعماري البريطاني خشية قطع طريق الهند على بريطانيا، وفي الطور الأميركي الحالي خشية قطع طريق النفط في الخليج على أميركا والتقت هذه السياسة الاستعمارية مع المصالح اليهودية في إقامة الكيان الصهيوني.

 

إن ارتباط الامبريالية النفطية بمهمة دعم قيام واستمرار وتوسّع الكيان الصهيوني قد أوضحها الزعيم في مقاله «البترول سلاح انترنسيوني لم يُستخدم بعد» تعليقاً على عقد اتفاقية التابلاين بين الشام ولبنان وأميركا في نيسان 1949 مستشرفاً كل هذه المرحلة التي لعبت فيها المصالح النفطية الامبريالية دوراً أساسياً في الحلف الأميركي - اليهودي.

 

«ومعروف أن تصلّب اليهود تجاه الدول السورية والعربية والدول الأخرى، مستند إلى تأييد حكومة الولايات المتحدة لهم. ومعروف أن اتفاقية التابلاين تهمّ الحكومة الأميركانية. فيتضح من مجرد تصديق اتفاقية التابلاين أننا لم نستعمل هذا السلاح البترولي للحد من تأييد الولايات المتحدة لليهود في لوزان وفلسطين والأمم المتحدة، وتركنا الولايات المتحدة في تأييدها لليهود وجاريناها بتصديق اتفاقية حساسة هامة تهمّها جداً لمستقبل العمليات الحربية المقبلة».

 

«هذا السلاح الثمين وأسلحة غيره كثيرة تبقى بدون استعمال. وننتظر مع كل ذلك أن نربح الجولات المقبلة في حرب الموت أو الحياة مع الغزاة الصهيونيين» (سعاده على أثر تصديق اتفاقية التابلاين، نيسان 1949).

 

ومنذ ذلك الحين توسّعت المصالح النفطية الأمبريالية إلى أن أصبحت إمبراطورية وأصبح النفط سلاحاً في يد أميركا ضاغطاً على الأنظمة العربية المرتبطة بها لتحقيق الاستسلام بدلاً من أن يكون سلاحاً قومياً في يدنا للضغط على أميركا لتعديل مواقفها من دعم الكيان الصهيوني.

 

إن الخلاصة من هذه النقطة هي أن الصهيونية اعتمدت عاملين العامل الروحي الأيديولوجي النابع من التراث اليهودي التاريخي والعامل المادي الاقتصادي المنتسب لمصالح عصر الامبريالية.

 

ولقد وعت القومية الاجتماعية تداخل العاملين المادي والنفسي من ضمن منهج سعاده المدرحي (المادي - الروحي) في تحليل الظاهرات السياسية الاجتماعية.

 

ثانياً - كيان الهجرة الاستيطانية اليهودية

 

الكيان الصهيوني هو حصيلة هجرة استيطانية يهودية إلى فلسطين - حلول جماعات يهودية محل شعبنا في فلسطين.

 

وقبل أن يدور البحث لدى معظم الأنظمة العربية وحتى بعض قيادات منظمة التحرير حول حل سياسي مع هذا الاستيطان على أساس «الاعتراف المتبادل» و«ضمان الحدود الآمنة» لاستعادة أراضي 1967 أو بعضها (مشروع فاس وسواه) كان أكد سعاده قبل عقود في التعاليم السورية القومية الاجتماعية طبيعة حرب الوجود مع الهجرة الاستيطانية الاستعمارية اليهودية إلى أرضنا. فالمعركة هي بين الوطن والاستيطان، بين قوميتنا التي تقول بترابط مجتمعنا ووطننا وبين اقتلاعنا من أرضنا.

 

لقد دعا سعاده السوريين القوميين الاجتماعيين إلى أن يدفعوا بكل قوتهم «هجرة خطيرة لا يمكن أن تُهضَم... ولا يمكن أن تتفق بوجه من الوجوه مع مبدأ القومية السورية هي الهجرة اليهودية» (المبدأ الأساسي الرابع).

 

وواضح أن إسرائيل هي دولة الهجرة اليهودية بمعنى أنه لم تنشأ نشوءاً طبيعياً. ليست دولة شعب مرتبط بأرض ومتفاعل معها خلال الأجيال والقرون، بل دولة هجرة استيطانية استعمارية أحلّت جماعة غريبة محل الشعب صاحب الأرض.

 

فالتوجّه هو ضد الأصل من كيان إسرائيل، هذه الهجرة اليهودية، ضد الاستيطان الاستعماري.

 

إن مقولة الاستيطان الاستعماري كانت في جنوب أفريقيا أو روديسيا أو الجزائر سابقاً تنسب كلياً إلى عصر الامبريالية من دون أي محرك آخر، فإن الهجرة اليهودية إلى فلسطين التي استهدفت من الأساس إقامة دولة الاستيطان العنصري اليهودية كان لها حافزان، حافز أفرزه عصر الامبريالية وحافز استلهمته الصهيونية من الدين اليهودي الخرافي التاريخي.

 

الفارق بين الاستعمار الاستيطاني اليهودي والاستعمار، أن الاستعمار هو سيطرة عسكرية - سياسية بدافع اقتصادي على شعب وأرضه وموارده، بينما الاستيطان الاستعماري اليهودي أبشع وأخطر، هو اقتلاع شعبنا من أرضه لحلول المستوطنين اليهود محلّهم وتغيير هوية الوطن بالاستيطان.

 

سعاده حدّد الاستعمار العالمي «بنظام الطبقات الانترنسيوني» الذي يخضع الأمم المقهورة مواردها وأرضها لمصالح أمم مسيطرة في رأس الهرم العالمي (مقال الزعيم «النظام الجديد»).

 

سعاده حدّد الاستعمار أو الامبريالية بقوله:

 

«يقول العلماء الاقتصاديون أن الاستعمار (المبرياليزم) يمثل أعلى مراحل الرأسمالية، وهذا يعني أنه لولا الرأسمالية لم يكن ثمة استعمار سياسي اقتصادي».

 

وتأسيساً على هذا يتابع سعاده «وعلى هذا فالاستعمار يرمي في الدرجة الأولى إلى تسهيل كل الأسباب والعوامل التي تساعد الشركات الكبرى والمصارف إلى استثمار رؤوس أموالها في البلدان المستعمرة على أضمن شكل وأفضل نتيجة مادية، وذلك باحتكار منتجاتها الزراعية والمعدنية والسيطرة على مرافقها الحيوية وماليتها».

 

«إن الحكومات الاستعمارية كانت ولا تزال تمثل الطبقات الرأسمالية العليا. فهذه الطبقات هي التي تضع لحكوماتها سياستها وبرامجها، هي التي تسيّرها وتقودها وتحركها على ما تشاء مصالحها المالية الكبرى، وهي التي توعز إليها في الفتوحات وإنشاء الامبراطوريات الاستعمارية وراء البحار، وهي التي تمدّها بالأموال وتعقد لها القروض العظيمة لتعزيز القوات المسلّحة ونشر نفوذها السياسي والاقتصادي، والخلاصة أن هذه الطبقات الرأسمالية الكبرى هي المسيطرة الحقيقية لا على حكوماتها فقط بل على شعوبها أيضاً». (سعاده، الاستقلال السياسي مفتاح الاستقلال الاقتصادي، الآثار الكاملة الجزء السادس، ص.ص. 141 – 142).

 

أما الاستيطان الاستعماري فأخطر وأبشع لأنه لا يكتفي بهذه السيطرة الاقتصادية وهي إحدى سماته، لكنه يرمي إلى اقتلاح الشعب من الأرض ليحل جماعاته الاستيطانية الاستعمارية بالكامل محل الشعب الأصيل الذي يعمل على تهجيره.

 

فالهجرة الاستيطانية الاستعمارية اليهودية لها هدفان، هجرة اليهود من الخارج وتهجير شعبنا من الداخل إلى الخارج.

 

  • الصهيونية واستلاب الجماعات اليهودية في العالم من أجل الهجرة اليهودية الاستيطانية

 

والهجرة الاستيطانية الاستعمارية اليهودية بقيادة المنظمة الصهيونية العالمية التي هي مركب ايديولوجي عقائدي تاريخي عنصري خرافي اقتصادي (مصالح الاستعمار والامبريالية المادية المتحالفة معها) لم تقتصر على العمل مع المجتمعات الرأسمالية المتحالفة معها على أساس المصالح الاستعمارية، بل استطاعت بالارتكاز على تراث اليهودية العنصرية التاريخي أن تتوجّه إلى داخل المجتمعات الاشتراكية نفسها فتعمل على سلخ الجماعات اليهودية عنها، رغم افتراض انقطاع كل صلة بين هذه الجماعات وبين عصر الامبريالية ومقوماته الاقتصادية المادية، باعتبارهم أبناء مجتمع اشتراكي متقدم، واستعانت الصهيونية بالامبريالية (الولايات المحدة) للضغط على هذه الجماعات للسماح بهجرة يهودها إلى فلسطين المحتلة، مما يؤكد خطورة الصهيونية على المجتمعات أيّاً كانت.

 

  • الخطر اليهودي خطر وجود على كل أمتنا وبلادنا، كيان الهجرة الاستيطانية الاستعمارية متوسع على كل بيئتنا الطبيعية:

 

الكيان الصهيوني بطبيعة كونه هجرة استيطانية عنصرية استعمارية تريد الأرض من دون الشعب، يعرف وحدة الأرض - ووحدة البلاد التي يريد استيطانها، لذلك لا يكتفي بفلسطين وإن كانت هي هدفه الأول والأساسي.

 

الكيان الصهيوني ارتكز على حلم إقامة دولة يهودية كبرى في الهلال السوري الخصيب بدلاً من دولة سورية موحدة.

 

الاستعمار والصهيونية جزّءا بلادنا ثم منعا توحيدها وأفشلا كل مشاريع توحيدها وحاربا بضراوة الحزب السوري القومي الاجتماعي، لأنه يقدم المشروع القومي الجذري.

 

الكيان الصهيوني رفع شعاره «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل» انطلق من السيطرة على فلسطين، ولكن طموحه هو السيطرة على محيط فلسطين الطبيعي كله.

لذلك منذ 1967 إلى 1982 احتلّ سيناء والجولان وجنوب لبنان؛ هكذا مشروعه ينفّذ على الأرض.

 

سعاده استشرف ذلك ونبّه وحذر قبل اربعين سنة بأن الخطر ليس على فلسطين فقط، وأن معركة فلسطين هي بداية معركتنا القومية، حرب وجودنا في كل سورية الطبيعية.

 

يقول سعاده: «إن أي اجتياح حربي للخطوط الاستراتيجية الجنوبية أو الشمالية جعل سورية الطبيعية كلها تحت خطر السقوط في قبضة الجيش المجتاح. فلا يمكن حفظ سلامة الوطن السوري إلا باعتباره وحدة حربية في وحدة استراتيجية» (المحاضرات العشر، ص. 84).

 

«ولا ينحصر خطر اليهود في فلسطين بل هو يتناول لبنان والشام والعراق، إنه خطر على الشعب السوري كله، لأن اليهود لن يكتفوا بالاستيلاء على فلسطين، ففلسطين لا تكفي لإسكان ملايين اليهود الذين أثاروا عليهم الأمم النازلين في أوطانهم بقدر ما عملوا لقضية قومية خاصة بهم» (سعاده، خطاب أول آذار، 1938).

 

هذا التحذير المبكر من الخطر اليهودي على كل أمتنا وكل وطننا يميّز سعاده. ولكن يميّزه أكثر أن سعاده لم يقتصر على التوعية بالخطر بل على التوعية في كيفية التصدّي له، وذلك بالغوص عميقاً على عوامل المشكلة القومية، وصولاً إلى جلاء في القضية القومية وإرسائها على قواعد فكر وعمل سليمة، وهو ثانياً إنشاء الحركة التي تستوعب القضية القومية بكل أبعادها وتعقيداتها الاجتماعية في مرحلة الصراع القومي المصيري.

 

السيطرة على مياه أنهر الهلال الخصيب:

 

إن العدو الصهيوني يخوض معركة السيطرة على المياه - على أنهر الهلال الخصيب، بدءاً من نهر الأردن إلى أنهر لبنان حتى الفرات، وهو عندما يعلن «إن حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل» يخطط للاستيلاء على منابع المياه لأن مشروعه الاستيطاني الاستعماري يرتكز على الثروة المائية لإسكان ملايين المهاجرين اليهود إلى أرضنا بعد أن يمنع عن شعبنا المياه ليهجّره منها.

 

  • الطور الأخطر من الخطة الصهيونية:

 

الرهان على عصر الانحطاط والتجزئة الاجتماعية

 

سلخ الأقليات الطائفية عن مجتمعنا وإقامة الأوطان الطائفية

 

الطور الأول، إذن، من الخطة الصهيونية هو أرض بلا شعب، فصل المواطن عن الوطن، هذا هو جوهر الاستيطان. أما الطور الثاني من الخطة الصهيونية فهو فصل المواطن عن المجتمع - أي تمزيق المجتمع - اي أن الطور الأول هو فصل الإنسان عن الأرض - وهذا هو الاستيطان، كما جرى في فلسطين ويجري. والطور الثاني هو فصل الفرد أو الجماعات عن المجتمع عن الإنسان. وهكذا يكون بتفجير الحرب الداخلية، تمزيق المجتمع إلى طوائف متحاربة وإقامة كانتونات طائفية على أساس التجزئة الاجتماعية.

 

في 1954 كشفت مراسلات حكام «إسرائيل» بن غوريون وموشي شاريت والياهو ساسون عن خطة لتفجير لبنان والمنطقة إلى دويلات طائفية، والرهان على شق المسيحيين عن مجتمعهم وإقامة «وطن قومي مسيحي» في لبنان على غرار الوطن القومي اليهودي.

 

في 1975 بدأوا بتنفيذ المخطط في لبنان، في 1982 حاولوا فرض هذا المخطط على لبنان بعد غزوه بإقامة تطبيع العلاقات مع الطوائف وبإقامة حكم طائفي كتائبي مرتبط بإسرائيل.

 

لقد تنبّه سعاده وحده لهذا الخطر إلى هذا الجانب العام من الخطة الصهيونية المراهنة على تفجير مجتمعنا وإفنائه بالحروب الطائفية، وبالتحالف مع من تسلخه عن الهوية القومية ووحدة المجتمع، حين كتب منذ الأربعينيات عن «الانعزالية المتصهينة» عن «يهود الداخل» المتحالفين مع «يهود الخارج» (راجع «الانعزالية أفلست» للزعيم أنطون سعاده، و«الانعزاليون» انعام رعد».

 

لقد ردّ سعاده على عصر الانحطاط كله في بلادنا الذي تحالفت معه الصهيونية بهذه القاعدة «القضاء على التعصب الديني ومحو لغة الحزبية الدينية يكونان بالاتجاه إلى الأرض وترابط جبالها وسهولها بأنهر، وإلى الشعب بنسيجه الدموي وتفاعله اليومي في الحياة مع الأرض بإدراك أن الحزبية الدينية تصرفنا عن واقع الوطن، وتشوِّه حقيقة الأمة» (سعاده، الحزبية الدينية لعنة على الأمة، الانعزالية أفلست، ص. 150).

 

إن العدو الصهيوني يطرح، حسب استراتيجيته، خريطة اجتماعية لبلاد تقوم على فكرة الأوطان الطائفية العنصرية للأقليات المنفكة عن المجتمع انطلاقاً من تخلفه ومن حالة التجزئة الاجتماعية فيه. كل ذلك ليبرر «الوطن القومي اليهودي» بنظام الأوطان الطائفية ويقيم إسرائيل الكبرى على أشلاء شعبنا بالاستيلاء على أرضنا ويجعل أمتنا مجموعة دويلات صغرى طائفية متناقضة تدور في فلك كيانه المتوسع. هذه هي المسألة اللبنانية في هذا الطور*.

 


* المراجع: (الانعزالية أفلست) (أنطون سعاده والانعزاليون) (راجع مقدمة مراحل المسألة الفلسطينية ومقالات سعاده في مراحل المسألة الفلسطينية) (سعاده ـ ريادة وشهادة ـ سلسلة المحاضرات ـ معركة المصير القومي) (الخطة  الصهيونية: أهدافها ـ أساليبها ـ وسائلها) (الحركة الصهيونية منطلق عنصري وارتباط مصيري) (منشورات عمدة الإذاعة).

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro