مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
الدكتور حافظ قبيسي
 
كلمة الدكتور ربيع الدبس ممثلاً رئيس الحزب الأمين علي قانصو
الدبس، ربيع
 

                              

    

عندما أعلن غاليليو غاليلي منذ أوائل القرن السابع عشر اكتشافه الجديد للنظام الطبيعي، رمته بالزندقة كنيسةُ روما. واليوم بعد حوالي أربعة قرون يمارس حَبْرُ الفاتيكان الأول عملية النقد الذاتي فينصف العالم العبقري لينتصر فِعلُ المعرفة اليقينية على فتوى الكلاسيكيات الغيبية.


هذا الدرس التاريخي هو واحد من الدروس التي نرى استذكارها في تكريم الرجل الذي لم ينتهِ بمأتم، ذلك لأنّ العقل الراني إلى المستقبل كان شرعَه الأعلى، ولأنّ جانباً أساسياً من حضور له ، لم ينطفئ، قائمٌ على تبصّره بالآتي وعلى درجة وعيه بالغد. إنه المتجدّد باستمرار، حتى في الموضوعات اليومية التي يتداولها مع زوجته وأولاده وإخوته وأخواته ورفقائه وزملائه.

الدكتور حافظ قبيسي شخصية حضارية مُرَكّبة عمادُها الإنسان بأكبريْه: علمه ومناقبه. والعِلم عنده ملازم حكماً للوعي وإلا كان العلم معرفة غير هادفة. فالعِلم، بتكثيف، منهجُ حياة وطريقٌ لبناء المجتمع الناهض. والمعرفة ما هي متعة ولا ترف بمقدار ما هي فعلُ تغيير. قال سعاده العظيم: "بديهي أننا لا نقصد بالمبادئ صوراً جميلة على الورق فقط، بل قوة فاعلة في الحياة - حياة تعمل وتنشئ وترتقي وتُحقق وتخلق."

لقد نظر حافظ قبيسي الى العلم باعتباره قيمة في خدمة تطوير المجتمع. ولكنْ حتى يكون هناك عِلم يجب ان يكون لدينا وطن، والوطن مهدّد بخطريْن جِدييْن: خطر خارجي يدق أبوابه، وخطر داخلي يُفتت بِنْيته.


لقد وعى هذا المسكون بهواجس الأمة، والمُعَقدَن بمبادئ نهوضها أنّ ثمة أخطاراً أساسية تتهدّد المصير القومي للمجتمع أهمّها:


1 ـ الخطر الإستراتيجي الذي تمثله اليهودية المتصهينة بوصفها مشروعاً سرطانياً في قلب أمتنا، معادياً لحقوقنا القومية الثابتة ومعادياً للسلام والأمن والقيم الإنسانية. وأنّ الوظيفة الإستراتيجية التي رمى الاستعمار إليها عبْر زرع هذا الكيان الهجين في بلادنا إنما هي احتلالُ الأرض والثروات وصولاً الى محاولة احتلال الإرادة فينا.


2 ـ الخطر الطوائفي الذي يصدّع البنيان الاجتماعي ولو حاول ممثلوه أحياناً ان يَتَلَفَّعوا بعباءة دينية وهم حتى من بديهيات الدِّين براء.


3 ـ خطر الأفق الضيّق والتفكير المغلق اللذين يحاولان إعدام الحاضر والمستقبل بسبب جهالات الماضي وسلبياته التي تتمّ تغذيتها على حساب الإيجابيات والجوامع وعلى حساب وحدة الحياة الضرورية لأية أمة تطلب البقاء والارتقاء.


واذا كان فقيدنا النوعي قد دعا الى تعزيز البحث العلمي الحيوي على مدى العالم العربي لأنه سبيل لا مندوحة عنه في وجه عدُوّ يُنفق على البحث العلمي أكثر مما تُنفق الدول العربية مجتمعة بما في ذلك الدول النفطية، فإنه لم يَدْعُ الى حلول العلم المادي محلّ المعارف الأخرى التربوية والأدبية والنفسية والأخلاقية. إنّ العلم عنده ينبغي ألّا يُحصَر في إطار واحد كالصناعة مثلاً أو الإكتشافات المادية والفيزيائية، بل أن يفعل في الثقافة والإدارة والسياسة والتجارة والزراعة والاقتصاد.


من هذا المنطلق، وبفعل الإيمان القومي المتأجّج فيه، بادر الى تفعيل التنسيق العلمي بين لبنان والشام، فشرع مع مجموعة من أدمغتنا البعيدة عن دائرة الضوء الإعلامي الى نشاط وتنسيق علميَّيْن يؤسسان لحلقات الربط الطبيعية بين عوامل التقدم العلمي في الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية.


من المدى العلمي اللبناني الى الجمعية الفيزيائية العربية، ومن المركز التربوي للبحوث والإنماء الى الجامعة اللبنانية، فالمجلس الوطني للبحوث العلمية، كان حافظ قبيسي حرباً على الفردية والأمراض الفئوية وعلى الجهل والتخلف والاجترار، داعياً الى اكتشاف الجديد، والابتكار، وتصحيح المنطلقات والمفاهيم كأنه يقول مع العلّامة العلايلي: «ليس محافظةً التقليدُ مع الخطأ، وليس خروجاً التصحيحُ الذي يحقق المعرفة."


ولعلّ من محطاته التي تستحق التوقف عندها في النظر الشمولي الى المعرفة الإنسانية دعوته المنهجية الى توظيف المعارف كلها في عملية إعداد الإنسان للحياة الكاملة. أليست التربية، بتكثيف، بناء شخصية الإنسان بالوعي؟ أليس هو الخطيب المدعو إلى احتفال أكاديمي في إمارة دُبَيْ حيث كانت كلمته بعنوان "بين المتنبي وإينشتاين" لكأنه  أراد القول للمواكب المتخرّجة بأنّ المعرفة الإنسانية كُلّ عضويّ لا يتجزأ، وأنّ أنصاف المعارف وأجزاءها المبدّدة هي أشبه بالقشور التي تأتي على وجدان أجيالنا فتؤذيه وتشوّهه.


أَذْكر أنني التقيته لأول مرة في أواخر السبعينات مع صديقه المثقف الأمين يوسف الأشقر وذلك في مقهى شاتيلا - رأس بيروت وهو المقهى الذي تلاطم حدودَه أمواجُ البحر قبل أن تعود الى العمق ناقلة معها العينَ والفكر المتأمل… بعد ذلك عاونته في تأسيس مكتب للأبحاث والدراسات، وفي عام 1980 شاركناه فكرته في تأسيس مجلس ثقافي يشكل عقلاً مُرَكباً لعُمدة الثقافة والفنون الجميلة في الحزب السوري القومي الاجتماعي.


كان المجلس يضمّ إلينا، كلاً من الأمناء: ميشال نبعة، وسركيس أبو زيد ونصري الصايغ. كنا نجتمع في مقرّ مجلة «فكر» أسبوعياً. وفي كلمة حق نقول إنّ حافظاً كان أَلْفَتَ الجميع طرحاً وأثقبهم نظراً، لكنه كان حريصاً على أن يكون الأكثر تواضعاً والأقلّ ظهوراً. كان دائم البسمة، شفّافَها، يفيض نورانيةً ويكره التشاطر.


وتمرّ السنون فأتسلّم منه عام 1991 عمدة الثقافة والفنون الجميلة. وأثناء عملية التسليم والتسلّم قال: أوصيك وصية واحدة هي استهداف إطلاق التيار الثقافي في حزب الثقافة، عبْر تحريك الإمكانات وإدارتها إدارة خلاقة.


كثيرون الْتبَسَ عليهم الإنتماءُ الرسمي للأمين حافظ قبيسي لأنه لم يبرز إعلامياً كقيادي في الحركة القومية الاجتماعية، لكن الجميع أحسّوا في قرارة نفوسهم بفعل القدوة المناقبية التي جسّدها، أنه ابن النهضة التي هي في جوهرها نهضة أخلاق ومناقب في الحياة قبل أيّ شيء آخر.


لقد تسلّم مسؤوليات مركزية عديدة فكان وكيلاً لعميد الثقافة، ثم عميداً ، ثم عضواً في المجلس الأعلى فرئيساً له، عضواً في لجنة رئاسية، فرئيساً للمحكمة العليا. وهو قبل أن ينتمي جيلنا إلى الحركة السورية القومية الاجتماعية، يحمل رتبة الأمانة التي اعتبرها سعاده أعلى رتبة في الحزب.


حافظ قبيسي - الظاهرة، هو ابنُ الجنوب المعطاء، بلِ ابنُ الأمة التي أنجبتْ سعيد العاص، ويوسف العظمة، وحسن كامل الصباح ووجدي الصايغ، وسناء محيدلي، وخالد علوان، وراغب حرب، وهادي نصرالله ،وجميع الشهداء الذين تضوّعوا بشهادة الدم التي هي، بتأكيد سعاده، أزكى الشهادات.


باسم رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الأمين علي قانصو، نُحَيّي المجلس الوطني للبحوث العلمية، وسائر المشاركين في احتفال الوفاء هذا لعالِم ومناضل ومواطن ملتزم تجاوز ذاته الصغرى من أجل القضية الأكبر.

 

اضغط هنا لمتابعة حفل تكريم الأمين الدتور حافظ قبيسي

 

 
التاريخ: 1998-05-03
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro