مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
عذراً سعاده ... عذراً قلمي
 
المصري، وجدي
 

 

 

 

 

هو العنوان ذاته استعمله للمّرة الثانية وفي الذكرى ذاتها. في الثامن من تموز العام الماضي كتبت مقالاً اعتذرت فيه من سعاده أولاً لأنّ الأمّة التي أراد لها العزّة والكرامة كافأته بالموت، ولأنّ حزبه الذي أراده حاملاً لمشاعل النهضة التي من شأنها ان تنير العقول كي تستطيع تلمّس طريق النضال لتحقيق مصلحة الأمّة التي لا تعلو عليها مصلحة، إنكفأ عن هذه المهمة التاريخية المثالية، وتخلّى عن القيم الاجتماعية التي آمن بها سعاده ودعا كلّ منتم ٍ الى حزبه أن يرفعها شعاراً له ولأهله ومتّحده. اعتذرت من سعاده إذ هالني مدى الانحدار الذي وصل إليه تلاميذه على كلّ المستويات، وبدلاً من أن يكونوا القدوة أصبحوا رمزاً للأنانية والفردية وعشاقاً للمصلحة الخاصة غير آبهين لجوهر المبدأ الثامن من مبادىء حزبهم والذي يقول: «مصلحة سورية فوق كل مصلحة».

 

ثم اعتذرت من قلمي الذي كتب الكثير من الحقائق دون جدوى، إذ أصبحت القراءة هواية بعض العجائز، وأصبح من يحمل صحيفة أو كتاباً كمن يحمل مرضاً معدياً، وأصبحت كتب المائدة والأحلام هي التي تجذب القرّاء، وباتت قضيّة الأمة على مختلف الأصعدة مسألة ترف ٍ فكريّ ٍ. لذلك اعتذرت من قلمي وأودعته درج الحجر الفكريّ بانتظار التلقيح الثقافي الذي قد يحمل معه بارقة أمل تبعث بصيص نور ٍ في نفق مستقبل أمتنا المظلم.

 

لكنّ اعتذاري هذه السنة مختلف عمّا كان عليه العام الماضي. هذا العام، وفي ذكرى استشهاد سعاده، أعتذر منه لأننّي تركت اليأس يتغلغل الى ذاتي، الى كلّ مفصل من حياتي الحزبية والإجتماعية والسياسية، في الوقت الذي كان يجب عليّ، وأنا تلميذ سعاده، أن أتخّذ من حياته ونضاله وإصراره مرشداً لي وقدوة. فسعاده الذي لمس في مطلع شبابه الويل النازل بأمته، والذي كان دافعاً له لتأسيس حزبه، كان يعلم حق العلم الصعوبات والمخاطر التي سيواجهها في عمله النهضوي، وهو أدرك أنّه مُقدم على عمل يساوي وجوده، فلم يتراجع، ولم يتخاذل، ولم ييأس، بل سار بخطىً ثابتة ووثيقة في طريق محفوف بالمخاطر ومزروع بالألغام، لأنّه آمن بأنّ ظروفاً تاريخية وسياسية صعبة قد خيمّت على سماء أمته أوصلتها الى ما وصلت اليه من تفسّخ وتشرذم. والى جانب إيمانه هذا وقناعته بالأسباب أكّد أنّه لم يكن يطلب «الإجابة على سؤال (من جلب على شعبي هذا الويل) من أجل المعرفة العلمية فحسب، وبرأيه السديد أكدّ أيضاً أنّ «العلم الذي لا يفيد كالجهالة التي لا تضرّ». وبهذا اختلف عن كلّ الأدباء والمفكّرين الذين نادوا في مطلع عصر النهضة بالنهوض القومي لمواجهة الاحتلال واستعادة السيادة والعمل على تحقيق وحدة الأمة والنهوض بها من بين الركام لتعود فتحتلّ مكانتها المشرقة بين الأمم، وهي الأمة ذات الحضارة الإنسانية الضاربة جذورها في اعماق التاريخ.

 

إنّ الظروف السياسية التي تمرّ بها الأمة السورية هذه الأيام لهي أصعب بكثير مما كانت عليه أيام سعاده، والويل الذي كان قابعاً على صدرها أيام سعاده لا يقاس بالويلات الخانقة التي لم تزل تمنع رئتيها من التنفّس بحرية. قدر أمتنا أن تواجه في تاريخها الحديث أبشع الغزوات، وأقذر المؤامرات، وأسوأ نظم الحكم، وأفسد الحكّام. فهل علينا التراجع عن المواجهة، والتخاذل بدلاً من الإقدام، والإحجام عن تبيان الحقيقة بدلاً من المجاهرة بها، علّنا نستطيع أن نصنع فرقاً مهما كان بسيطاً يبقى أفضل من الإساءة التي سيلحقها سكوتنا بمستقبل أمتنا؟ علينا كسوريين قوميين اجتماعيين تحديداً مسؤولية كبيرة لا يفقه قيمتها غيرنا، لأننّا وحدنا ما زلنا نقف ضدّ نتائج سايكس بيكو، ووحدنا نعلم حق العلم ان سايكس بيكو ثانية تلوح في الأفق وكل ما يجري في كيانات أمتنا يشي بذلك. عذراً سعاده على تهرّبي من مسؤولية المواجهة، وفضح المؤامرة والمتآمرين، والعمل الدائم والجاد على توعية أجيال الأمة الى حقيقتها ألمُغيّبة. بعض المتفلسفين يحاولون إنكار المؤامرة الكونية على أمتنا وهم بموقفهم هذا إنمّا يساعدون المتآمرين، ويجب علينا أن نكون دائماً بالمرصاد لأننّا الوحيدون الذين نؤمن بأنّ ما تفعله الإرادات الأجنبية ليس قدراً، فعيننا الحديد ستواجه المخرز ولن تُقتلع طالما أننّا نؤمن بأنّ إرادتنا نحن هي القضاء والقدر، وبأنّ انتصارنا الحتمي سيكون نتيجة صبرنا، ونضالنا، وعنادنا، وإيماننا بحقنا وعدم تنازلنا عن هذا الحق مهما كانت الظروف والأسباب والتداعيات.

 

أمّا فيما يتعلق بحزب سعاده وما آلت اليه أوضاع مؤسساته وأفراده، فأيضاً كان ذلك في بال سعاده الذي عمل مراراً على إقصاء قياديين فور ان لمس منهم عدم قناعة تامة بالمبادىء التي وضعها لإنقاذ الأمة، وبالقيم التي عمل على إرسائها في مجتمعه وهي المنقذة له من كلّ المثالب التي تجذّرت في نفوس أبنائه، وأهمّها تقديم الأنا على النحن، واعتبار ذلك مرضاً قاتلاً يهدّد وحدة المجتمع. نعم لم تستطع قيم الحزب المثالية الراقية أن تنتصر في نفوس جميع من أقبل على الدعوة وأنتسب الى الحزب، وذلك لأسباب داخلية وخارجية. ولكن هذا يجب ان لا يدع مجالاً لليأس من أن يسيطر على نفوس المؤمنيين الحقيقيين بهذه القيم، لأنهّم إن يئسوا لساهموا بعودة المثالب للإنتصار على المناقب، ولأفسحوا المجال أمام ضعفاء النفوس للسيطرة على مقاليد الأمور. لذلك وجب عليّ الإعتذار من سعاده لأنّ اليأس من الوضع الداخلي في حزبه العظيم قد تسرّب الى نفسي، وكان عليّ، وعلى كلّ المخلصين المؤمنين بهذا الحزب منقذاً وبانياً لنهضة الأمة، تحمّل مسؤولية السعي الدائم لتخليص الحزب من المثالب التي انتصرت إلى حين، لكنّها لن تستطيع الإستمرار لأنّ وعي القلّة سينتصر على ضلال الكثرة.

 

أمّا قلمي فأنا خَجِلٌ منه، فهو لم يبخل عليّ يوما بنقل أفكاري الى الأوراق البيضاء ، ولم يناقشني مرة بها كما يفعل بعض من يعتقدون أنهم يمتلكون المعرفة دون غيرهم، أو بعض الذين لا يقبلون الرأي الآخر ولا يؤمنون بالحوار العقلاني طريقاً إلى تلمّس الحقيقة. قلمي الذي أستكتبته مئات بل آلاف الصفحات كيف طاوعتني يدي أن أرمي به في الحجر وصعوبة الشعور بالوحدة والإنقطاع عن التواصل، وأنا من جرّب ذلك مع فيروس الكورونا. صحيح أنّ الفيروسات العقليّة أشدّ فتكاً وسوءاً من فيروسات الجسد، ولكن من يؤمن بمبادىء سعاده يجب ان تكون لديه الحصانة الكافية للمواجهة والصمود والإستمرار، عملاً بقول سعاده: «سواء أفهمونا أم أسأؤوا فهمنا فإننّا نعمل للحياة ولن نتخلّى عنها». ومن يؤمن بالحياة، لا بالعيش الذي يتشارك به الأنسان مع الحيوان، يجب ألاّ يوقفه شيء عن العمل في سبيل حياة الأمة وعزّها، ومنعتها، وسيادتها، وحريتها.

 

إن كَثُر القرّاء أو قلّوا، إن اقتنع القارئون أو ملّوا، إن افتأت الأفّاكون وعلى غيّهم ظلّوا، فعلينا الإصرار على قناعاتنا لأنّ فيها كلّ الحق، وكلّ الخير، وكلّ الجمال، وكلّ القيم، وكلّ المناقب التي يحتاجها مجتمعنا للخروج من حال التفكك، التشرذم، والميوعة، واللامبالاة، والاستغلال وإعلاء المصلحة الفردية على مصلحة الأمة.

 

كيف لا أعتذر من قلمي وأمتنا تمرّ بأصعب الظروف وأدقّ مراحل حياتها وتاريخها؟ كيف يمكن أن لا أكتب عن هجمة التطبيع مع العدو الإسرائيلي والذل الذي يستتبعها؟ هذا التطبيع الذي يُنذر بعواقب وخيمة على كلّ كيانات الأمة. ففي العراق فتحت الأبواب للموساد الإسرائيلي يسرح ويمرح بحرية ويمعن إفساداً وتخطيطاً لمزيد من تفكيك المتّحدات وتهيئة الأجواء لتقسيمه. وفي الجمهورية السورية يمد «الثوار» جسور التواصل مع العدو دون أن يدركوا مدى الضرر الذي يلحقونه ببلادهم. وفي فلسطين سلطة ما زالت تراهن على نوايا الإحتلال ولا تتجرّأ على الإنسحاب من اتفاقيات العار، لكنّ انتفاضة الحجارة والتصدّي البطولي من الأطفال والنساء والشباب والكهول لمخططات التهجير الجديدة أعادت للنضال رونقه وتألّقه. أمّا الأردن الذي زيّنوا له أنّ الصلح مع العدو سيجلب له الإستقرار والإزدهار والبحبوحة لم يدرك بعد أنّ هذه الكذبة لم تأتهِ بغير الفتات. ومسك الختام في لبنان لكنّ الختام ليس مسكاً. فبعض السياسيين والإعلاميين المأجورين استغلوا موجة التطبيع التي حصلت مؤخراً وظنّوا أنّ الوقت أصبح مناسباً لركوبها علّها توصلهم إلى ما يطمح إليه الأعداء ويحقق مصالحهم الرخيصة. فهل يجوز أن يترك الوطنيون الحقيقيون أقلامهم فلا يواجهون هذه الموجة المتصاعدة ويفضحون مخاطرها؟ هي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق كلّ كاتب ومفكرّ وباحث مؤمن بأنّه لا مجال للتعامل مع هذا العدو على مختلف الصعد، وأن مشكلتنا معه تبدأ من قناعاته الدينية المتحجرة والتي منها انطلق، وما زال، لاحتلال أرضنا ولاستمرار توسّعه وإجرامه. وبدلاً من دعم المقاومة التي أعادت لنا عزتنا وكرامتنا وأكدّت قناعتنا بأنّ «القوة هي القول الفصل باسترداد الحق القومي أو إنكاره»، أصبح هم البعض دوام المطالبة بنزع سلاح المقاومة لحجج واهية أهمّها أنّ الجيش وحده يجب أن يمتلك السلاح، وله وحده حق الدفاع عن الوطن وينسون أنّ الطبقة السياسية الحاكمة هي التي منعت الجيش من أن يكون قوياً قادراً على القيام بواجبه الوطني، وذلك نزولاً عند رغبة أعدائنا المباشرين ومن يدعمهم من الغرب.

 

وكيف لي أن لا أدع قلمي يواجه دعوات حياد لبنان دون ان نوضح انّ هذا الحياد مستحيل ولأكثر من سبب. أولاً حياد أية دولة يحتاج الى توافق عالمي، وهذا التوافق غير متوفر للبنان. وحتى لو حظي بموافقة معظم دول العالم فأنّ عدوّنا الإسرائيلي لن يوافق وسيجبر دولاً كثيرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بعدم الموافقة، لأنّ ذلك يتعارض مع مصالحه في مياهنا الداخلية منها والحدودية البحرية الغنية بالموارد الطبيعية. ذلك أنّ الحياد المتوافق عليه عالمياً يلزم الدول باحترامه وكلّنا يعلم أنّ عدوّنا لم يحترم يوما قرارات الشرعية الدولية. وثانياً أصبح من المعلوم للذين يريدون أن يعلموا أنّ دول العالم لم توافق على حيادية سويسرا إلاّ بضغط من اليهود، وخاصة عائلة روتشيلد، لكي تكون هذه الدولة مستقرّاً لثرواتهم المتكدسة والتي باتت تُقدّر بنصف ثروة العالم أجمع، وبأنّ الظروف الدولية التي ساعدت على ذلك غير متوفرة للبنان الآن. وثالثاً فإنّ هذا الحياد، وإنّ غلّفناه بالنوايا الحسنة، سيفرض حكماً تسليم المقاومة لسلاحها وبالتالي تجريد لبنان من قوته الحقيقية التي أمّنت له ردع العدو عن عربدته واعتبار لبنان مركز الضعف الدائم والملائم لاستعراض القوة. صحيح أنّ بعض أعمال المقاومة قد أدّى إلى الإنتقام من لبنان تدميراً ممنهجاً وأضراراً واضحة لكنهّا برأيي لا تقاس بالأضرار التي يمكن أن تلحق به من جراء التطبيع، لأنه لا يستطيع عندها مقاومة الغزو الإسرائيلي الإقتصادي، والثقافي والإجتماعي وعلى مختلف الصعد.

 

عذراً قلمي فها أنا قد عدت إليك، وعذراً سعاده في ذكرى استشهادك لأنّ مبادىء حزبك تؤكدّ كلّ يوم، وخاصة للمستكبرين، أن لا خلاص لبلادنا إلاّ بمبادئك النهضوية المُحيية، ولا مستقبل يرتجى إلاّ بالاستناد الى نظرتك الإصلاحية على مختلف الصعد الاجتماعية منها، والإقتصادية، والسياسية وحتى الوجودية. قد تؤخرّنا الصراعات، الداخلية منها والخارجية، عن تحقيق نصر قريب، لكنّها لن تستطيع وقف الانتصار طالما أنّ هناك من يؤمن بأنّه فينا من «القوة لو فعلت لغيّرت مجرى التاريخ»، وستفعل طال الزمن او قَصُرَ.

 

في ذكرى استشهادك سعاده ستبقى العيون شاخصة الى حزبك أن يعمل على وحدته كي يكون منسجماً مع المبادىء التي يعمل لها، وأن يبقى حريصاً على هذه الوحدة لأنّها الردّ العملي الوحيد على التجزئة والتشرذم اللذين يعمل لهما أعداء الأمة.

 

 
التاريخ: 2021-07-08
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
المصدر: جريدة الديار، 8 تموز 2021
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro