مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
الطلبة: نقطة الانطلاق والارتكاز في العمل القومي الاجتماعي
 
ملحم، ادمون
 

 

 

إذا كان الشباب في نظر أنطون سعاده هم القوة التي تصنع المستقبل، فإن الطلبة كانوا في طليعة هذه القوة وأكثر فئاتها استعداداً لحمل رسالة النهضة.

 

لم يكن ذلك مجرد تقدير نظري لدور الطلبة، بل تجربة عاشها سعاده بنفسه منذ البدايات الأولى لحركته. فالنهضة القومية الاجتماعية لم تنشأ في أوساط السياسيين التقليديين ولا بين أصحاب النفوذ والامتيازات، بل ولدت في البيئة الطلابية، بين نفوس تبحث عن الحقيقة، وعقول تتطلع إلى فهم أعمق للحياة والمجتمع ومصير الأمة.

 

منذ السنوات الأولى لعمله، وجد سعاده في الطلبة استعداداً خاصاً لتقبّل الفكر الجديد. فهم لم يكونوا بعد قد استسلموا للمصالح الضيقة أو للانقسامات التي مزّقت المجتمع، وكانت في نفوسهم قدرة أكبر على التفاعل مع الدعوة إلى حياة جديدة تقوم على المعرفة والوعي والمسؤولية.

 

ولذلك لم يكن غريباً أن تبدأ النهضة في أوساط طلاب الجامعة الأميركية في بيروت، وأن تتحول هذه البذرة الصغيرة مع الزمن إلى حركة شعبية واسعة امتدت إلى مختلف مناطق الوطن.

 

وقد عبّر سعاده بوضوح عن هذه الحقيقة عندما قال في خطابه إلى الطلبة القوميين الاجتماعيين في الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1949: "إنّ الطلاب يكونون دائماً نقطة انطلاق وارتكاز في العمل القومي الاجتماعي."[1]

 

في هذه العبارة الموجزة يحدد سعاده مكانة الطلبة في عملية النهوض القومي. فهم ليسوا مجرد فئة تُضاف إلى الحركة بعد نشوئها، بل هم نقطة الانطلاق التي تبدأ منها النهضة، ونقطة الارتكاز التي تستند إليها في استمرارها وتطورها.

 

وكانت هذه النظرة وراء اهتمامه المبكر بتثقيف الطلبة وإعدادهم فكرياً. فلم يكتفِ بجذبهم إلى الحركة، بل عمل على تنمية وعيهم القومي والاجتماعي. ولهذه الغاية جمع عدداً من الطلاب حوله في الندوة الثقافية المركزية التي أسسها، وجعلها منبراً للبحث والدراسة والحوار، يناقش فيه قضايا الأمة والحياة والمجتمع، بعيداً عن السطحية والشعارات الفارغة.

 

ولم يكن هدفه أن يخرّج أنصاراً يرددون الأفكار، بل رجالاً ونساءً يفهمونها ويقتنعون بها ويحملونها عن معرفة وإيمان.

 

ولهذا السبب كان يحذر من الانتشار السطحي في أوساط الطلبة. فالنهضة لا تحتاج إلى كثرة عددية بقدر حاجتها إلى عمق فكري وروحي. وكان يرى أن الطالب القومي الاجتماعي يجب أن يكون صاحب ثقافة ووعي وقادرًا على إدراك حقيقة قضيته وموقعه في مجتمعه.

 

وفي خطبه للطلبة تتكرر الدعوة إلى المعرفة الصحيحة والبحث عن الحقيقة. فالطالب في نظره لا يطلب الشهادة فقط، بل يطلب الفهم واليقين. وهو مدعو لأن يكون عقله مفكراً لا مقلداً، وأن يسعى إلى إدراك أسباب مشكلات أمته لا الاكتفاء بالتذمر منها.

 

ومن هنا ارتبط دور الطلبة عند سعاده بدورهم في حمل الوعي الجديد إلى المجتمع. فهم الفئة التي تستطيع أن تنقل الفكر النهضوي من نطاقه المحدود إلى الحياة العامة، وأن تساهم في تكوين رأي عام جديد أكثر وعياً ومسؤولية.

 

وقد رأى بأمّ العين نتائج هذا الدور في مسيرة الحركة نفسها. ففي مقالة “نهضة سورية وسط الجوع والنار" كتب أن النهضة القومية الاجتماعية نجحت في: "تحويل الشبيبة السورية من قوة استمرارية لعهد قديم إلى قوة دافعة لعهد جديد."[2]

 

وهذا التحول لم يكن تحولاً سياسياً فحسب، بل تحولاً في النظرة إلى الحياة كلها. فبدلاً من أن يكون الشباب امتداداً سلبياً لواقع انحطاطي قائم، أصبحوا قوة تغيير تحمل مشروعاً جديداً للمستقبل.

 

لهذا لم يكن سعاده يخاطب الطلبة كطلاب مدارس وجامعات فقط، بل كصانعي نهضة وقادة مجتمع. وكان يرى أن مسؤوليتهم لا تقف عند حدود التحصيل العلمي، بل تمتد إلى المشاركة في بناء الأمة وصوغ مستقبلها.

 

فالطلبة، في نظره، ليسوا أبناء الحاضر وحده، بل بناة الغد. ومن هنا كان إيمانه العميق بأن النهضة تبدأ في عقولهم، وأن مستقبل الأمة يتوقف إلى حد بعيد على مقدار ما يحملونه من وعي ومعرفة وإرادة.

 

وفي هذا المعنى، يصبح الطالب أكثر من متعلم؛ يصبح مشروع مواطن، ومشروع قائد، ومشروع نهضة.

 

 

 


[1] الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، خطاب الزعيم في الطلبة القوميين في الجامعة الأميركية في 16 أيار 1949.

 

[2] الأعمال الكاملة، المجلد الرابع 1940-1941، نهضة سورية وسط الجوع والنار، الزوبعة، بوينس آيرس، العدد 17، 1/4/1941.

 
التاريخ: 2026-06-26
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2026 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro