مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
سورية الطبيعية: جغرافيا تصنع التاريخ وتاريخ يفسّر الصراع
 
ملحم، ادمون
 

 

 

  1. مدخل: سورية التي لا تُرى

 

غالبًا ما تُستحضَرُ سوريةُ في الخطابِ المعاصرِ بوصفِها أزمةً مفتوحة، أو ساحةَ صراعٍ دائم، أو مجموعةَ كياناتٍ سياسيةٍ متنازعة. ونادرًا ما تُرى بوصفِها حقيقةً جغرافيةً – تاريخيةً متكاملةً سبقتِ الدولةَ الحديثةَ بآلافِ السنين، وسبقتِ الحدودَ والخرائطَ والتسمياتِ الإدارية. هذا الغيابُ في الرؤية ليس تفصيلًا ثانويًا؛ إذ إنَّ اختزالَ سوريةَ في أزماتٍ آنيةٍ يحجبُ فهمَ سببِ حضورِها المستمرِّ في قلبِ التحوّلاتِ الكبرى، ويُغفلُ العواملَ البنيويةَ التي جعلت منها، عبرَ التاريخ، موضعَ تنافسٍ لا ينقطع.

 

إنَّ الحديثَ عن سوريةَ الطبيعية لا ينطلقُ من حنينٍ رومانسيٍّ إلى الماضي، ولا من طرحٍ أيديولوجيٍّ مُغلق، بل من محاولةٍ لفهمِ العلاقةِ العميقةِ بين الجغرافيا والتاريخ، بين المكانِ والإنسان، وبين ثباتِ الموقعِ وتبدّلِ القوى التي تتنازعُ عليه.

 

 

2- سورية الطبيعية: جغرافيا سبقت السياسة

 

قبلَ أن تكونَ سوريةُ اسمًا لدولةٍ أو إطارًا سياسيًا، كانت أرضًا متّصلةً، متنوّعةً، غنيّةً، تُشكّل وحدةً طبوغرافيةً – طبيعيةً قائمةً بذاتها. سهولٌ خصبة، وبساتينُ قمحٍ وزيتونٍ وكروم، وجبالٌ تحملُ الشتاءَ على قممها والربيعَ على سفوحها، وأنهارٌ ربطت الداخلَ بالساحل، ومرافئُ فتحتها على العالم. هذا التنوّعُ لم يكن مصدرَ انقسام، بل كان، على امتدادِ التاريخ، شرطًا من شروطِ الاستقرارِ والتكاملِ والإنتاج. ولا يقتصرُ هذا الترابطُ الجغرافي على كونِه مُعطًى طبيعيًا، بل يتحوّل، في قراءةِ أنطون سعاده، إلى أساسٍ موضوعيٍّ لوحدةِ الحياةِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والدفاعية. فالأرض، بما تُتيحه من تكاملٍ في المواردِ وتواصلٍ في المسالك، تفرضُ مع الزمنِ نوعًا من الترابطِ في المصالحِ وفي أنماطِ العيش، ما يجعلها إطارًا طبيعيًا لنشوءِ مجتمعٍ تاريخيٍّ واحد، قادرٍ على الإنتاجِ والدفاعِ والاستمرار.

 

يرى مفيدُ عرنوق أنَّ هذه المنطقةَ شكّلت إحدى البيئاتِ الأولى للاستقرارِ البشريِّ المنظَّم، حيثُ التقتِ الخصوبةُ الطبيعيةُ مع أنماطِ عيشٍ مستقرة، ما أتاح نشوء الزراعةِ والعمرانِ وتطوّرَ أشكالٍ مبكرةٍ من التنظيمِ الاجتماعي.[1] ويصفُ عرنوق هذا الدورَ بقوله:

 

فوقَ المهدِ السوريِّ الحضاريِّ الدافئ ارتفعت صروحُ الحضارةِ بكلِّ ما فيها من رونقٍ وعظمةٍ وجمال. فتهافت العلماءُ من كلِّ فجٍّ وصوبٍ إلى الرقعةِ السورية، المعروفةِ حديثًا وعلى لسانِ المؤرخِ الأميركي هنري بريستد بالهلالِ الخصيب.[2] وما كان أشدَّ إعجابهم بالمكتشفاتِ الأثريةِ التي أماط عنها اللثامَ علماءُ التاريخِ والآثارِ منذُ منتصفِ القرنِ التاسعَ عشر، ولا يزالُ الحفرُ مستمرًا… وإذا بسوريةَ نبعٌ غزيرٌ للحضارةِ غيّر وجهَ التاريخ، غرفت منه الأممُ كلَّ علمٍ وفنٍّ وفلسفة، حتى قال أحدهم، وهو العالمُ أندريه بارو مكتشفُ مدينةِ ماري: "إنَّ كلَّ إنسانٍ في العالمِ له وطنان، وطنُه الذي يعيشُ فيه، وسورية."[3]

 

وانطلاقًا من ذلك، لا تبدو سوريةُ كيانًا طارئًا أو تجمّعًا عرضيًا، بل وحدةً طبيعيةً فريدة، أهلتها جغرافيتها للقاءِ السلالاتِ البشريةِ المختلفةِ وتمازجها، وأسهمت في نشوءِ أحدِ أقدمِ أشكالِ المجتمعِ الإنسانيِّ المنظَّم، الذي قدّم للإنسانيةِ أسسَ الحضارة، ونقلها من حالاتِ العيشِ البدائيِّ الأولى إلى الاستقرارِ والعمرانِ والتَمدّن.

 

وقد شدّد سعاده على أنّ هذه الوحدةَ لم تكن مجرّدَ تشابهٍ جغرافي، بل وحدةَ حياةٍ ومصالح، تقومُ على ترابطِ الأرضِ والأنهارِ والاقتصاد. لذلك رفض اختزالَ سوريةَ بتسمية «الهلال الخصيب» بوصفِها تعبيرًا جغرافيًا محضًا، ورأى أنّ البلادَ السوريةَ تُكوّن وحدةً طبيعيةً – تاريخيةً متكاملة، شكّلت عبر الزمن إطارًا لنشوءِ مجتمعٍ واحدٍ وحياةٍ مشتركة، رغم تعدّدِ الدولِ والأقوامِ التي تعاقبت عليها.[4]

 

 

3 – "تحفة في متحف الزمن»: شهادة الخارج

 

حين وُصِفَت سوريةُ بأنّها «تحفةٌ في متحفِ الزمن»[5]، لم تكنِ الاستعارةُ مجرّدَ صورةٍ شاعرية، بل إشارةً إلى حقيقةٍ تاريخيةٍ تتجسّد في تراكبِ العصورِ واستمراريةِ التجربةِ الحضاريةِ على هذه الأرض. وتكتسبُ هذه الشهادةُ وزنًا إضافيًا لكونها صادرةً عن نظرةٍ خارجيةٍ ترى في سورية نموذجًا نادرًا لتداخلِ الحضاراتِ وتواصلِها، لا لانقطاعِها أو لتتابعِها المنفصل. ولم يكن هذا النظرُ إلى سورية بوصفِها مركزًا حضاريًا استثنائيًا حكرًا على المؤرخين المعاصرين، بل تكرّر في كتاباتِ الرحّالة والمفكرين منذ القرن التاسع عشر[6]، كما انعكس في جوانب من المخيال الأدبي للشعوب المجاورة. فقد وصفها جيمس لويس فارلي بـ«لؤلؤةِ البحرِ الأبيضِ المتوسّط»، ورأى أن موقعَها الفريد جعلها موضعَ أهميةٍ استثنائية عبر التاريخ.[7] وفي هذا السياق، يلفت الأب هنري لامنس في كتابه Mémoires géographiques sur les pays syriens  (المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية) إلى أن سورية تمثّل فضاءً تاريخيًا تتقاطع فيه الأمم وتلتقي فيه طرقها كأنها في مجالها الطبيعي، بما يجعلها عقدة عبورٍ حضاريّ أكثر منها ممرًا جغرافيًا عابرًا[8]. ويشير عادل بشارة إلى أن سورية وُصفت عبر العصور بأنها «مركزٌ، وجسرٌ، وسوقٌ، وطريقٌ دوليّ، ومهدٌ للحضارة»[9]، في دلالةٍ على الدور المحوري الذي أدّته هذه البلاد في تطوّر العالم القديم.

 

وإلى جانب هذا الحضور التاريخي في الكتابات البحثية، تبرز في بعض النصوص الأدبية صورٌ رمزية تعكس مكانتها في الوعي الثقافي للشعوب، حيث وُصفت في بعض الشعر التركي بـ«رائحةِ الجنة»، وفي الأدب العبري القديم بـ«الحديقة التي زرعها الله لأول إنسان»[10]، في تعبيرٍ مجازيّ عن خصوبتها ومكانتها بوصفها أرضًا للحياة والجمال والذاكرة الحضارية.

 

ويأتي هذا التوصيف منسجمًا مع ما ذهب إليه المؤرخ فيليب حتّي، الذي رأى أن «سورية احتلّت مكانةً فريدة في تاريخ العالم، وأن فضلها على تطوّر البشرية، من الناحيتين الفكرية والروحية، كان أعظم من فضل كثير من الأقاليم الأخرى."[11]

 

وفي السياق نفسه، يتناول المؤرخ نواف حردان في كتابه "صانعو تُراثنا الثقافي الحضاري"، "سير عظماء سوريين نبغوا في حقول الفكر والعلم والفلسفة والثقافة والأدب والهندسة والعمارة والاكتشافات والاختراعات والتشريع وسائر الفنون منذ فجر التاريخ. ويشير إلى أن بعض هؤلاء معروفون، فيما غُيِّب أو نُسِيَ آخرون، إمّا لأن الغرباء ألغوهم أو نسبوا إنجازاتهم إلى غيرهم، وسجّلوها في كتبهم، رغم أن أثرهم ظلّ حاضرًا في مسيرة الحضارة الإنسانية.[12]

 

وفي المحصّلة، تبدو العبارة التي أوردتها مارغريت ماكغيلفري — «إن تاريخ سورية هو عمليًا سيرة ذاتية لتاريخ الحضارة»[13] — أقرب إلى خلاصةٍ تاريخيةٍ تختصر الدور الذي أدّته هذه البلاد في مسيرة الإنسان منذ فجر التاريخ.

 

 

4 - من الجغرافيا إلى التاريخ: مركز لا هامش

 

الموقعُ الذي منحَ سوريةَ غِناها وازدهارَها هو نفسه الذي جعلها مطمعًا دائمًا عبر التاريخ. فهي لم تكن يومًا ممرًّا عابرًا للأحداث، بل عقدةَ وصلٍ بين الحضاراتِ الأولى، ومحورَ حركةٍ أساسيّ في المشرقِ القديم. فمن طرقِ التجارةِ البرّيةِ القديمة إلى المرافئِ التاريخية، ومن الربطِ العضويّ بين الداخلِ والساحل، إلى انفتاحِها الطبيعيّ على القارّاتِ الثلاث، ظلّت سوريةُ مركزًا فاعلًا في محيطها الإقليميّ والدوليّ.

 

ولم يكن هذا الدورُ ظرفيًا أو عابرًا، بل دورًا بنيويًا فرضه الموقعُ ووظيفةُ الأرض. وهو ما يفسّر تعاقبَ الإمبراطوريات عليها، ويشرحُ في الوقت نفسه لماذا لم تعرف سورية، في أيّ مرحلةٍ من تاريخها الطويل، عزلةً حقيقيةً أو انقطاعًا عن حركةِ العالم. وقد نظر عددٌ من الرحّالة والمؤرخين الغربيين إلى سورية بوصفها قلبَ المشرقِ القديم ونقطةَ التقاءِ طرقِ التجارةِ والحضارات، لا كإقليمٍ هامشيّ تابعٍ لمراكزَ أخرى، وهو ما يفسّر استمرارَ حضورها في قلبِ التحوّلاتِ الكبرى عبر التاريخ.[14]

 

وهذا الموقعُ الذي جعل من سوريةَ مركزًا للتبادلِ والتفاعلِ الحضاريّ، هو نفسه الذي جعلها عرضةً دائمةً لمشاريعِ السيطرةِ الخارجية، إذ إنّ من يسيطر على هذه العقدةِ الجغرافية يملك قدرةً على التأثير في محيطٍ أوسع يتجاوز حدودها المباشرة، وهو ما يفسّر استمراريةَ التنافس عليها بأشكالٍ مختلفة عبر العصور.

 

ولعلّ ما يفسّر استمرارَ التنافس على سورية، عبر العصور، أنّ هذه البلاد لم تكن مجرّدَ مساحةٍ جغرافيةٍ متجاورة، بل وحدةً استراتيجيةً مترابطة، بحيث إنّ السيطرة على مداخلها الشمالية أو الجنوبية أو البحرية كانت تؤثّر في سلامة الكيانِ كلّه. ولذلك رأى سعاده أنّ أيَّ اختراقٍ للخطوط الاستراتيجية في الشمال أو الجنوب يعرّض البلاد السورية بأسرها للخطر، لأنّ أجزاءها ليست معزولةً عن بعضها، بل متكاملةٌ في موقعها ووظيفتها التاريخية.[15]

 

وهكذا، لم يكن الموقعُ السوري عنصرًا جغرافيًا محايدًا، بل عاملًا حاسمًا في تشكيلِ تاريخِ المنطقة وصراعاتِها.

 

 

5 - الصراع على سورية: ثبات الموقع وتبدّل الأدوات

 

إذا كانت أشكالُ الصراعِ على سوريةَ قد تبدّلت عبر العصور، فإنَّ جوهرَ هذا الصراع بقي ثابتًا. ففي الماضي، اتخذ شكلَ حروبٍ مباشرة بين جيوشٍ وإمبراطوريات، أما في الحاضر فقد انتقل إلى صراعِ نفوذٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وثقافيّ، تُستخدم فيه أدواتٌ أكثر تعقيدًا وأشدّ خفاءً. غير أنّ العاملَ الحاسم ظلّ واحدًا: الموقعُ والدور.[16]

 

ومن هنا، فإنّ اختزالَ الصراع على سورية في كونه نتاجَ ضعفٍ داخليّ فقط يُعدّ قراءةً قاصرةً للتاريخ. فحتى في مراحلِ قوتها وازدهارها، كانت هذه الأرض موضعَ تنافسٍ دائم. الفرق أن القوة كانت تمنحها قدرةً أكبر على إدارة الصراع والتحكّم بمساراته، لا على إلغائه أو تفاديه بالكامل.

 

وقد نبّه سعاده إلى أن الخطر على سورية لا يقتصر على أشكال الاحتلال العسكري التقليدية، بل يتجاوزها إلى أنماطٍ أكثر تعقيدًا، تتصل بمحاولات إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية للأمة، بما قد يؤثر في ترابطها الداخلي ويغيّر هويتها. ومن هذا المنظور يُفهم المشروع الصهيوني بوصفه خطرًا وجوديًا لا يقتصر أثره على فلسطين وحدها، بل يمتد في تأثيراته إلى البيئة السورية الأوسع، كما تتقاطع معه أطماعٌ إقليمية أخرى في سياق تاريخٍ طويل من التنافس على هذه البقعة المحورية.

 

غير أنّ فهمَ هذه التهديدات الخارجية لا يكتمل إلا بالعودة إلى بنية المجتمع السوري الداخلية وطبيعة تشكّله التاريخي.

 

 

6 - السوريون: شعب واحد بتجليات متعددة

 

في قلب هذه الجغرافيا نشأ مجتمعٌ تعدّدت ثقافاته ولغاته ومعتقداته، لكنه ظلّ متصلًا في تجربته التاريخية ومصيره العام. هذا التنوّع لم يكن نقيضًا للوحدة، بل أحد مظاهرها الطبيعية، إذ أفرز التفاعل المستمر بين الجماعات مجتمعًا قادرًا على التكيّف والإبداع والاستمرار.

 

ومن هذا المنظور، لا يُختزل السوريون في هويات جزئية أو انتماءات منفصلة، لأن ذلك يُعدّ قراءةً مجتزأةً للتاريخ، تتجاهل وحدة التجربة الطويلة التي صاغتها الأرض عبر آلاف السنين، وفرضت، رغم التنوّع، مسارًا مشتركًا للحياة والعمل والمصير.

 

هذا الفهم يلتقي مع ما طرحه أنطون سعاده في محاضراته، ولا سيّما في المحاضرتين الرابعة والخامسة، حيث شدّد على العلاقة العضوية بين الأرض والمجتمع، معتبرًا أن الجغرافيا ليست عنصرًا محايدًا أو إطارًا ثابتًا، بل قوةً تاريخية فاعلة في تكوين الجماعات البشرية. فالأمم، في نظره، لا تُختزل في أصولٍ عرقية أو رابطةٍ لغوية واحدة، بل تتكوّن من تفاعلٍ طويلٍ ومتصاعد بين الإنسان وبيئته، تتشكّل فيه وحدة المصالح والحركة التاريخية والمصير. وفي هذا السياق، ربط سعاده بين وحدة المجتمع السوري ووحدة البيئة التاريخية التي عُرفت باسم سورية منذ العصور القديمة.

 

ويكتسب اسم «سورية» نفسه دلالته التاريخية العميقة، إذ لم يكن تسميةً طارئة أو محلية، بل تعبيرًا عن فضاء حضاري واسع تشكّل عبر تداخل الأصول الكنعانية والآرامية والكلدانية والآشورية والأمورية وغيرها، ضمن بيئة جغرافية متكاملة أسهمت في إنتاج نمطٍ اجتماعيٍّ تاريخيٍّ واحد، رغم تنوّع مكوّناته.[17]

 

كما يظهر هذا الوعي بالاسم واستمراريته في مصادر دينية وتاريخية وأدبية سبقت نشوء الدولة الحديثة بقرون طويلة، إذ ورد اسم «سورية» في الأناجيل، كما في إنجيل متّى («فذاع خبره في جميع سورية»[18]) وإنجيل مرقس («فينيقية سورية»[19])، واستخدمه مؤرخون وجغرافيون عرب مثل ياقوت الحموي[20] والمسعودي ومحمد كرد علي[21]، الذين أشاروا إلى الترابط التاريخي بين بلاد الشام والعراق ضمن فضاء حضاري متداخل الأبعاد. وهذا ما يعكس أن «سورية» لم تكن اختراعًا سياسيًا حديثًا، بل تسمية تاريخية راسخة ارتبطت بوعيٍ جغرافيٍّ وحضاريٍّ ممتد.

 

وتتأكد هذه الاستمرارية أيضًا في التجارب الاغترابية الحديثة، كما في تسمية «سورية الصغيرة» (Little Syria) التي أُطلقت على الحي السوري في نيويورك أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حيث كان المهاجرون القادمون من لبنان وفلسطين والشام يُعرّفون أنفسهم بوصفهم «سوريين»، قبل نشوء الكيانات السياسية الحالية[22]، بما يكشف عن حضور هذا الانتماء في الوعي الاجتماعي والثقافي خارج الحدود الجغرافية.

 

غير أن هذا الامتداد التاريخي للهوية السورية تعرّض لاحقًا لإعادة تشكيل هذا الفضاء وتشويهه، نتيجة اعتماد تعريفات حديثة جزّأت هذا الفضاء (معاهدة سايكس – بيكو)، فحُصرت «سورية» في نطاقات سياسية ضيقة، وأُخرجت منها مناطق تاريخية مترابطة كبلاد ما بين النهرين أو فلسطين، تبعًا لمصالح سياسية ورؤى استعمارية أعادت رسم الخريطة وفق اعتبارات لا تعكس البنية التاريخية والاجتماعية الحقيقية للمنطقة. وقد أسهمت الحدود السياسية الحديثة، التي رُسم معظمها في سياق التوازنات الاستعمارية، في إضعاف الوعي بوحدة التجربة التاريخية للمنطقة، من خلال تكريس تصوّرات مجتزأة تفصل بين مكوّنات ظلّت مترابطة تاريخيًا واجتماعيًا واقتصاديًا عبر قرون طويلة.[23]

 

وانطلاقًا من هذا المنظور، لا تُفهم سورية بوصفها كيانًا طارئًا أو مجرد تجاور لجماعات مختلفة، بل كفضاءٍ تاريخيٍّ تشكّل عبر تفاعل طويل بين الإنسان والمكان، تراكبت فيه التجارب الحضارية وتداخلت، ما أتاح نشوء مجتمعٍ تاريخيٍّ متماسك في جوهره ومتعدد في مظاهره. وهي قراءة تتيح فهم استمرارية الدور السوري في التاريخ، رغم ما عرفته المنطقة من تحوّلات سياسية وانقطاعات قسرية، وتعيد الاعتبار للجغرافيا بوصفها مفتاحًا أساسياً لفهم وحدة التجربة الإنسانية في هذه البقعة من العالم.

 

ولهذا شدّد سعاده على أن الجهل بحقيقة هذا الترابط التاريخي بين المجتمع وأرضه يفتح الباب أمام الانقسامات المصطنعة، لأن أمةً لا تعرف نفسها ولا تدرك وحدة مصالحها تصبح أكثر عرضةً للاختراق والتفكك، وأكثر عجزًا عن الدفاع عن وجودها ومصالحها.

 

وقد بلغ تأكيد سعاده على الترابط التاريخي والاجتماعي بين سورية والعراق حدّ اقتراحه، في بعض أحاديثه، إمكان استعمال تعبير «سوراقية» للدلالة على وحدة البيئة والمصالح بين الجناحين السوري والعراقي، في حال تطوّرت شروط الوحدة الاجتماعية والسياسية بينهما.[24]

 

وتُظهر التجربة التاريخية السورية أن تبدّل الدول والسلطات لم يؤدِّ إلى انقطاع الحياة الاجتماعية أو محو الشخصية الحضارية للبلاد، بل ظلّ المجتمع السوري يحتفظ، عبر تحوّلاته المتعددة، بعناصر استمرارية عميقة ربطت مراحله التاريخية بعضها ببعض. وتؤكد هذه الاستمرارية التاريخية، في جوهرها، ما عبّر عنه سعاده بوضوح حين قال: "إنّ في البلاد السورية وحدةً قوميةً فعلية في الحياة الاجتماعية والمصالح النفسية والاقتصادية وفي المصير الشعبي كله لا يمكن عوارض الحدود السياسية تقطيعها وتجزئتها."[25]  ويضيف: "إنّ ترابط القرى والمدن والأوردة الزراعية في سورية الطبيعية كلها لا يسمح مطلقًا بالتفكير بتجزئة الأمة السورية إلى أمم والشعب السوري إلى شعوب. إنّ وحدة الحياة السورية القومية لأقوى من جميع عوارض الحدود السياسية!"[26]

 

وفي ضوء هذا التصور، تبرز مسألة التاريخ بوصفها المدخل الأساسي لفهم الحاضر وإعادة بناء الوعي بالذات.

 

 

 

7 - الحاضر المفتوح: ما معنى سورية الطبيعية اليوم؟

 

لا يُطرح مفهومُ سوريةَ الطبيعيةِ اليوم بوصفه مشروعًا سياسيًا جاهزًا، بل كسؤالٍ معرفيٍّ يتصل بفهم التاريخ والهوية في زمن الحدود الصلبة والهويات المجزّأة. فماذا يعني النظر إلى سورية كوحدة جغرافية–تاريخية؟ وهل يتيح هذا الفهم قراءةً أعمق للأزمات البنيوية التي تعصف بالمنطقة، بدل الاكتفاء بإدارتها أو التعامل معها كوقائع طارئة ومنفصلة عن سياقها التاريخي الطويل؟

 

في هذا الإطار، تكتسب مسألةُ التاريخ موقعًا مركزيًا في مقاربة أنطون سعاده، الذي رأى أن الأمم لا تُقاس بقوتها الراهنة فحسب، بل بوعيها لتجربتها التاريخية وقدرتها على فهم ذاتها عبر الزمن. وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين قال: «هنيئًا للأمة التي لها تاريخ، وويل للأمة التي لا تاريخ لها»، معتبرًا أن الأمة التي تجهل تاريخها تفقد مكانتها وحقوقها بين الأمم، وتغدو عاجزة عن الفعل المستقل.[27]

 

غير أن المشكلة، كما نبّه سعاده، لا تكمن في غياب التاريخ، بل في إعادة إنتاجه بصورة مشوّهة أو مجتزأة، أو في كتابته من خارج شروطه التاريخية والاجتماعية. فقد تعرّض التاريخ السوري، على امتداده الطويل، لسلسلة من عمليات الاقتطاع وإعادة التأويل. وجاء ذلك إمّا بفعل التحوّلات السياسية المتعاقبة، أو نتيجة قراءات خارجية لم تتعامل مع هذه البلاد كوحدة حضارية متكاملة ذات مسار تاريخي متصل. وقد أشار سعاده إلى أنّ جانبًا من هذا الالتباس يعود إلى هيمنة قراءات تاريخية خارجية تعاملت مع سورية من زوايا سياسية وإمبراطورية، أكثر مما تعاملت معها كوحدة حضارية متصلة في مسارها التاريخي والاجتماعي. ولذلك اعتبر أنّ استعادة الوعي القومي تبدأ أيضًا بإعادة قراءة التاريخ بعيدًا عن التشويهات التي فرضتها الانقسامات السياسية والهيمنة الأجنبية.[28]

 

وقد أدّى ذلك إلى تكوين صورة معرفية مجتزأة عن الذات التاريخية، انعكست في وعي المجتمع نفسه، فبدأ ينظر إلى تجربته بوصفها أجزاء منفصلة لا علاقة عضوية بينها، بدل أن يراها كتجربة تاريخية واحدة ممتدة.

 

ومن هنا، لا يقتصر أثر هذا التشويه على المجال الأكاديمي أو السرد التاريخي، بل يمتد إلى بنية الوعي الاجتماعي ذاته، حيث يُعاد إنتاج الماضي بصورة تفصل بين مكوّناته وتضعف إدراكه لوحدته الداخلية. وفي هذا السياق، تصبح استعادة الوعي بالتجربة التاريخية شرطًا لفهم الحاضر، لا مجرد عودة إلى الماضي، لأن المجتمع الذي يفقد وحدة روايته التاريخية يفقد، في الوقت نفسه، قدرته على فهم موقعه ودوره في الحاضر.

 

لذلك، من الواجب علينا أن نعود إلى دراسة تاريخنا وفهم أحداثه وإعادة تركيبها وإعطائها معانيها الإنسانية والمناقبية. يجب على السوري، كما يقول سعاده، أن "يراجع تاريخه ويدرسه بتدقيق وإمعان. ومتى لاحق هذه القضية يدرك أنه ليس يتيماً بل هو ابن تاريخ مجيد، وأنّ بلاده أعطت إنتاجاً في أسواق الرقي الإنساني مثل أعظم الأمم، بل أكثر منها."[30] وفي هذا المعنى، تتحول المعرفة بالتاريخ والجغرافيا، في فكر سعاده، إلى شرط من شروط الفعل السياسي الواعي، إذ لا يمكن معالجة الأزمات البنيوية من دون فهم عميق للأسس التي قامت عليها وحدة المجتمع ومسار تطوره.

 

 

8 - خاتمة: سورية ليست ذكرى بل مسؤولية

 

ليست سوريةُ الطبيعيةُ ذكرى منقضية، ولا فكرةً جامدةً في كتابِ تاريخ، بل حقيقةٌ حيّةٌ تتعرّض اليوم لاختبارٍ وجوديٍّ غير مسبوق. فهذه الجغرافيا التي كانت عبر العصور محورَ التفاعل الحضاري، تجد نفسها في مواجهة مشاريع إقليمية ودولية متعدّدة الاتجاهات، تسعى إلى فرض واقعٍ جيوسياسيٍّ واجتماعيٍّ جديد.

[31]

أمام هذه الأخطار، لا يعود السؤال نظريًا: هل سوريةُ وحدةٌ جغرافية–تاريخية؟ بل يصبح سؤالًا وجوديًا: كيف نحفظ هذه الوحدة ونصون مجتمعها من التفكّك؟ وهنا تكتسب العودة إلى الرؤية التي صاغها سعاده معناها العملي. ففهم سورية كوحدةٍ طبيعية–تاريخية لم يكن عنده تمرينًا فكريًا، بل قاعدةً لنهضةٍ قادرة على مواجهة مشاريع التفتيت والاحتلال، من خلال توحيد الإرادة الاجتماعية، وبناء وعيٍ قوميٍّ يضع مصلحة المجتمع فوق العصبيات والكيانات الجزئية.[32]

 

إنّ استعادة هذه الرؤية ليست تكرارًا لشعار، بل شرطٌ لفهم ما يجري ولمقاومته. فالمجتمعات التي تدرك ذاتها وتعي وحدتها التاريخية تكون أقدر على الدفاع عن أرضها وصياغة مستقبلها. من هنا، فإن الإجابة لا تبدأ من ردود الفعل الآنية، بل من إعادة بناء الوعي: قراءة المكان بوصفه فاعلًا في التاريخ، لا مجرد مسرحٍ له، واستعادة الإنسان السوري لثقته بوحدته ومصيره المشترك. فالنهضة، في هذا السياق، لا تعني استعادة الماضي، بل إعادة بناء المجتمع على أساس وعيه لذاته ووحدته ومصالحه، بما يمكّنه من مواجهة مشاريع التفتيت والاقتلاع بوصفها تحديات وجودية لا ظرفية.

 

بهذا المعنى، ليست سوريةُ ذكرى… بل مسؤوليةٌ تاريخيةٌ مفتوحة.

 

 

 


[1] مفيد عرنوق، صرح ومهد الحضارة السورية، منشورات دار علاء الدين، د، 1999، الطبعة الأولى.

[2] المؤرخ الشهير هنري بريستد هو أول من استعمل مصطلح الهلال الخصيب الذي أطلقه عام 1916 على منطقة غربي آسيا، المحصورة بين الجبال في الشمال والصحراء في الجنوب.

[3] مفيد عرنوق، صرح ومهد الحضارة السورية، ص 27.

[4] أنطون سعادة الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948-1949، نحن سوريون لا هللخصبيون!. راجع أيضاً أنطون سعاده، المحاضرات العشر، المحاضرة الرابعة، شرح المبدأ الرابع. راجع أيضا، نشوء الأمم، الفصل المتعلق بالبيئة ووحدة المجتمع.

[5] عادل بشارة، سورية والسوريون، دار ابعاد للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2022، ص 182. راجع كتاب مارغريت ماكفيلغري بالإنكليزية:

McGilvary, Margaret. The Dawn of a New Era in Syria. (New York: Fleming H. Revell, 1920), 9.18.

 

[6] راجع كتاب "سورية والسوريون".

[7] المرجع ذاته، ص 185-192.

[8] هنري لامنس، المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية، مؤسسة هنداوي، اعداد وتحرير رأفت علام، طبعة 2020.

[9] نشوء الأمم، ص 51-52.

[10] المرجع ذاته، ص 191.

[11] سعد صائب، دور سورية في بناء الحضارة الإنسانية عبر التاريخ القديم، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى 1994، ص 18.

[12] نواف حردان، صانعي تُراثنا الثّقافي الحضاري، دار الحداثة، بيروت، الطبعة الأولى، 1996.

[13] المرجع ذاته، ص 181.

[14] عادل بشارة، سورية والسوريون.

[15] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، المحاضرة الرابعة.

[16] نطون سعادة، الأعمال الكاملة، المجلد السادس 1942 – 1943، "سورية الكبرى"، الزوبعة، بيونس آيرس، العدد 62، 1/7/1943.

[17] أنطون سعادة، المحاضرات العشر، بيروت، طبعة 1976، ص 74-80.

[18] إنجيل متّى 4:24.

[19] إنجيل مرقس 7:26.

[20] ياقوت الحموي. (بلا تاريخ). معجم البلدان 3. بيروت: دار صادر.

[21] محمد كرد علي. (1983 طبعة 3). خطط الشام 1. بيروت: مكتبة النوري دمشق.

[22] راجع مقال للدكتور ميلاد السبعلي بعنوان: "حين أخافتهم "سورية الصغيرة" (Little Syria): ذاكرة لبنانية ترتجف أمام تاريخها"، منشور على موقع مؤسسة سعادة للثقافة: www.saadeh.co

[23] المرجع ذاته، ص 67.

[24] أنطون سعاده، مقال «سورية الكبرى»، الزوبعة، العدد 62، 1/7/1943.

[25] أنطون سعادة، وحاربنا.. لننقذ اللبنانيين!،  كل شيء، بيروت، العدد 99، 18/2/1949.

[26] المرجع ذاته.

[27] سعاده، "الاتحاد العملي في حياة الأمم"، الآثار الكاملة- الجزء الثاني- 1932-1936، بيروت، 1976، ص 108.

[28] أنطون سعادة، الأعمال الكاملة، المجلد السادس 1942 – 1943، "سورية الكبرى"، الزوبعة، بيونس آيرس، العدد 62، 1/7/1943.

[30] سعاده، "الاتحاد العملي في حياة الأمم"،

[31] هي مشاريع اقتلاع وإعادة تشكيل جيوسياسية واجتماعية: تمدّد تركي يعيد إنتاج أطماع تاريخية بثوب جديد، ومشروع صهيوني لا يكتفي باحتلال الأرض بل يعمل على تفتيت البيئة التاريخية المحيطة به، سعيًا إلى فرض واقع جيوسياسي جديد يخدم فكرة “إسرائيل الكبرى”.

[32] راجع "مشروع سعادة النهضوي" للكانب. منشور على حلقات في مجلة صباح الخير – البناء، بيروت.

 
التاريخ: 2026-06-03
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
المصدر: شمس المشرق
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2026 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro