مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
هل الخطأ المنهجي في قراءة نيويورك، أم في إسقاطنا نحن لمفاهيمنا؟ كتاب مفتوح للأستاذ الدكتور عصام كمال خليفة
 
حماده، نجا
 

بداية، لا بدّ من التأكيد أنّ هذه المقالة لن نكتبها من موقع الخصومة الفكرية، ولا من باب السجال الشخصي لا سمح الله، فانت كبيرنا وأستاذنا الجدير بالاحترام، بل من منطلق أكاديمي صرف، يفرض علينا احترام علم التاريخ بوصفه علماً قائماً على الوثيقة والسياق والمنهج العلمي.

الدكتور عصام كمال خليفة

فجنابكم، بما تمثلون من موقع أكاديمي في الجامعة اللبنانية سابقاً، وبما قدمتموه على امتداد عقود من الزمن من مؤلفات في علم التاريخ، والعديد من الأبحاث والدراسات، تدركون أكثر من غيركم أنّ المؤرخ لا يُحاكم الماضي بأدوات الحاضر، ولا يُخضع الأزمنة السابقة للهويات السياسية التي تشكلت فيما بعد، هكذا علمتمونا أستاذي.

انطلاقاً من هنا، فإنَّ النقاش الذي أُثير عقب تصريحكم تاريخ 12/05/2026 تحت عنوان: “مواجهة تشويه الانتماء لبعض كبار المثقفين اللبنانيين” على خلفية إعادة إحياء اسم “Little Syria” “سورية الصغيرة” في مدينة نيويورك الأمريكية، يفتح باباً بالغ الحساسية في علم التاريخ والمتمثل بكيفية قراءة تاريخ المهاجرين من منطقة المشرق أواخر القرن الـ 19 وبدايات القرن الـ 20؟ وهل يجوز لنا، منهجياً، أن ننزع عن تلك المرحلة تسمياتها التاريخية الأصلية؟

استاذي العزيز، إنّ خطورة هذه المسألة لا تكمن في الدفاع عن توصيف جغرافي أو ثقافي بحد ذاته، بل في طبيعة المقاربة التاريخية نفسها. فعندما نعود إلى سجلات الهجرة الأمريكية، وإلى كتابات الأدباء أو الصحفيين المهاجريين، خاصة ما عرف بـ ” الرابطة القلمية” حتى أذا عدنا إلى مراسلات جبران، والريحاني، ونعيمة نفسها، نجد أنفسنا أمام حقيقة موثقة لا يمكن تجاوزها وهذ الحقيقة هي: أنّ مصطلح سورية كان آنذاك التوصيف السياسي والجغرافي والثقافي الأكثر تداولاً لوصف بلاد الشام وأبنائها.

وبناء عليه، تأتي مقالتنا هذه لا لنقض مكانة لبنان الثقافي، ولا لمهاجمة أي مؤرخ، بل لطرح الإشكالية العلمية التالية: هل يجوز إسقاط الهويات الوطنية الحديثة على شخصيات عاشت وماتت قبل تشكيل الدولة بصيغتها الحالية؟

دكتورنا العزيز، إنّ هذه الإشكالية لم نطرحها دفاعاً عن أيدولوجيا معينة، بل دفاعاً عن علم التاريخ.

هل أخطأت نيويورك؟

افتتحت مدينة نيويورك الأمريكية حديقة ضمن حديقة Elisabeth H. Berger Plaza أطلقت عليها أسم سورية الصغيرة أو Little Syria وذلك بتاريخ 30/04/2026 أي منذ عشرين يوماً من اليوم. ومنطق الأمور أن القيمّين على المدينة لم يكن في نيتهم استحداث اسماً سياسياً جديداً، ولا حتى إظهار أيدولوجية عابرة للقارات، بل كانت تستعيد مصطلحاً تاريخياً موثقاً يعود إلى أواخر القرن ال 19 وبداية القرن ال 20 حين كان المهاجرين القادمين من بلاد الشام تُعرف بالسجلات الأمريكية والصحافة الغربية وحتى في أدبيات المهاجرين أنفسهم  تحت أسم ” السوريين” “ Syrians” ومن هنا فإنّ السجال الذي أُثير حول هذه التسمية لا يجب أنّ يُقرأ بوصفه نزاعاً سياسياً أو ثقافياً، بل بوصفه إشكالية منهجية بكتابة التاريخ، انطلاقاً من الإشكالية التي طرحناها.

سورية هي سورية في الوثائق الأمريكية قبل ولادة لبنان الكبير:

قبل الإعلان عن دولة لبنان الكبير في أيلول من العام 1920 لم يكن هناك كيان مكتمل العناصر السياسية يدعى لبنان بصيغته اليوم، بل كانت مناطق “جبل لبنان، بيروت، طرابلس، وصيدا والبقاع جزء من بلاد الشام أو سورية الكبرى، لذلك فإنّ المهاجرين الذين غادروا المنطقة نحو الأميركتين بين 1880-1920 كانوا يسجلون رسمياً في وثائق الهجرة الأمريكية بوصفهم “سوريين” أو Syrians.

وفي هذا السياق تؤكد الباحثة الأمريكية “ليندا جاكوبس” والمتخصصة في أحوال الجالية الشامية في نيويورك إنّ حي Little Syria  لم يكن لقباً صحافياً عابراً، بل اسماً متداولاً فعلياً في الحياة اليومية الأمريكية، وفي الوثائق الرسمية وفي الصحافة الناطقة بالعربية والإنكليزية على السواء. كما وتشير أيضاً إلى أنّ أبناء الجالية أنفسهم كانوا يستخدمون تعبير Syrian Colony في توصيف مجتمعهم المهجري.[1]

أما المؤرخ فيليب حتّي 1886-1978 فقد شدد على أنّ مصطلح “سورية” كان يشير تاريخياً إلى المجال الجغرافي الممتد من جبال طوروس شمالاً حتى شبه جزيرة سيناء جنوباً وذلك قبل تشكيل الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى.[2]

جبران هو سوري من لبنان:

عند قراءة نصوص “النبي” جبران تكتشف بسهولة أنه لم يكن يتعامل مع “سورية” بوصفها كيان غريباً عنه، بل باعتبارها إطاراً حضارياً ثقافياً ينتمي إليه، وقد ورد في العديد من الرسائل والمقالات له، تشير مباشرة إلى “سورية” بوصفها الوطن الأم، والذي عبر عنها على اعتبارها وحدة تاريخية ثقافية. ومن أبرزها:

” ليست سورية للعرب، ولا للإنكليز، ولا للفرنسيين، ولا للأمريكيين، ولا لليهود، سورية لكم ولي”

ومهما اختلف القراّء في فهم هذا النص، لكنه يؤكد أمراً أساسياً هو أنّ جبران لم يكن يرى في سوريته تناقضاً لهويته، بل جزءاً من وعيه الثقافي-الوجداني.

كما أنّ أدباء المهجر جميعهم استخدموا مصطلح أصبح شائعاً خاصة في الدراسات التاريخية ما يعرف بـ ” الأدب السوري” أو المهاجر السوري” خاصة في الصحف والمراسلات الأدبية وهناك العديد من رسائل جبران لماري هاسكل[3]  ومي زيادة تؤكد هذا الأمر.[4]

سوريّة الرابطة القلمية:

حين تأسست الرابطة القلمية في نيويورك سنة 1920 لم تكن مشروعاً ثقافياً لبنانياً فقط، بل مجموعة أدباء ومفكرين ضمت الكثير من مختلف بلاد الشام، وكان أعضاؤها يُعرفون في الصحافة الأمريكية بوصفهم كتّاباً سوريين Syrian Writers  لأن هذا كان التوصيف الجغرافي السياسي المتداول آنذاك.

وفي هذا السياق يشير المؤرخ ألبرت حوراني إلى أنّ مهاجري بلاد الشام في الأمريكيتين حملوا معهم هوية مزدوجة: واحدة محلية ضيقة وهي عبارة عن القرية أو المحلة، وأخرى أوسع مرتبطة بسورية بوصفها فضاء ثقافياً مشتركاً، وهذه الازدواجية كانت طبيعية في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة.[5]

أما الباحث أكرم فؤاد خاطر، فيؤكد أنّ أبناء جبل لبنان الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة لم يكونوا قد طوروا بعد هوية لبنانية مستقلة بالشكل الذي ظهر لاحقاً بعد الانتداب الفرنسي[6]

إشكالية إسقاط الهوية الحديثة على الماضي:

أستاذي العزيز لقد علمتمونا في الجامعة، أنّ أحد أبرز الأخطاء المنهجية في كتابة التاريخ يتمثل في إسقاط الهويات السياسية المعاصرة على فترات تاريخية سابقة، وفي هذا السياق أشار العديد من المؤرخين والباحثين على أنّ الأمم الحديثة هي جماعات متخيلّة[7] تشكلت تدريجياً خلال القرنين 19 و 20 بحيث لم تكن موجودة بالصيغة الحالية في العصور التاريخية السابقة.

وعليه، فإنّ توصيف مهاجر من بشري أو المحيدثة أو حدنّون أو بعقلين سنة 1890 بأنه سوري هذا لا ينفي انتماءه اللبناني الحالي. بل يعكس ببساطة الواقع التاريخي والسياسي الذي عاش ضمنه قبل ظهور دولة لبنان الكبير.

ألم تعلموننا حضرتكم، إنّ المؤرخ الجاد لا يحاكم الماضي وفق أحداث الحاضر، بل عليه أنّ يفهم كل مرحلة ضمن شروطها الزمنية الخاصة.

أخيراً أستاذي العزيز… إنّ المسألة المطروحة اليوم ليست دفاعاً عن سورية ضد لبنان، ولا محاولة لإلغاء الخصوصيات الوطنية المعاصرة، بل دعوة لاحترام المنهج العلمي التاريخي وعدم تشويه الأرشيف لإرضاء الحساسيات السياسية الحالية.

إنّ مدينة نيويورك حين استعادت اسم “سورية الصغيرة” Little Syria” “ لم تفعل أكثر من إعادة الاعتبار إلى التسمية التي استخدمها المهاجرون أنفسهم، والتي وثقّتها الصحافة الأمريكية والسجلات الرسمية وأدبيات المهجر منذ أكثر من قرن.

والجدير ذكره، إنّ جبران وصحبه لم يكونوا أسرى المفاهيم السياسية الحالية، بل كانوا أبناء مرحلة تاريخية مختلفة، كانت تدّعى في الوعي العالمي والثقافي والسياسي: سورية.

انطلاقاً من هنا، فإنّ الدفاع الحقيقي عن التاريخ لا يكون بتجاهلك للوثيقة، بل بقراءتها ضمن سياقها الزمني والحضاري الصحيح.

 

تقّبلوا مني كل الاحترام والتقدير

 

بيروت في 18/05/2026

 

نجا حماده: الباحث في علم التاريخ

 

 

 مراجع وهوامش

[1] Jacobs, Linda K – Strangers in The West: The Syrian Colony Of New York City- 1880-1900 – Kalimah press- New York – 2015 – pp: 52

[2] Hitti, Philip – History of Syria including Lebanon and Palestine – Macmillan New York – 1951 – pp: 436

[3] ماري هاسكل: هي رئيسة مدرسة مس هاسكل للبنات في بوسطن، كانت مقربة جداً من جبران خليل جبران

[4] أبو ضرغم، نسيب – مقالة تحت عنوان: جبران خليل جبران سوري من لبنان – على موقع نسور السريان – سنة 2023

[5] Hourani, Albert- Shehai, Nadim – The Lebanese in the world: A Century of Emigration – London 1992- pp: 21

[6] Khater, Akram – Inventing Home – University of California press- PP 21

[7] يُقصد بالجماعات المتخلية وحسب المؤرخ بندكت أندرسون: هي المجتمعات القومية، التي يتصور افرادها انتماءهم المشترك رغم استحالة معرفتهم الشخصية ببعضهم وتتشكل عبر آليات ثقافية وسياسية حديثة.

 
التاريخ: 2026-05-20
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
المصدر: شمس المشرق
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2026 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro