مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
أسئلة برسم تلامذة سعاده.
 
مهنا، ابراهيم
 

 

 

حضرة رئيسة مؤسّسة سعاده الأمينة د. حسان الجزيلة الاحترام،    

حضرة نائب الرئيس الأمين د ادمون ملحم الجزيل الاحترام،

  السادة الأمناء والرّفقاء والمواطنين المحترمين،

 

   شكرا لك أمين إدمون على دعوتك وثقتك التي تزيدني مسؤولية في ما سأتلوه، فيكون ذا قيمة على منبر مؤسسة قيمة رصينة كمؤسسة سعاده وموضوعه سعاده، علّه يزيد شيئا جديدً على ما كتب رغم غزارته، فلا يكون فقها يزاد على كثير من الفقه الذي أصبح يراوح مكانه.

 

  الواقع أنني اخترت عنوان الديمقراطية التعبيريّة" بين إبداع سعاده وقصور التّلامذة"، وقد سقطت ربما من العنوان كلمة الديمقراطية التعبيرية بين الأمين إدمون والرّفيقة عبلا خوري، ومع ذلك فقد عدّلت في عنوان المحاضرة ومضمونها حتى نبقى في سياق الإتجاه النقديّ نفسه.

 

وربما إنّ كلمة قصورفي العنوان قد أثارت بعض الاستفزاز، لذلك المقصود هي ما قصّرنا كتلامذة عن إدراكه أو متابعته أو أن نكون على مستواه، دون أيّ إساءة أو تقليل من جهود. وإذا نشر النص أتمنى أن يكون بعنوان: "أسئلة برسم تلامذة سعاده".

 
   بدايةً كل الفكر القومي الاجتماعي إنطلق من سؤال أساسي: ما الذي جلب على أمّتي هذا الويل؟ من مقدّمة واحدة، إلى آخر صفحة، الى الكتاب المحجوز قسراً، كلّه مترابط مشدود منسجم، هو خلاصات فكريّة عمليّة متوازية لا تنفصل، لأن ّ القوميّة الاجتماعيّة وضعت قاعدة اساسية عبر صياغة الاسئلة النقدية و توليد الاجابات الفكريّة العملية. وسؤالي اليوم: ماذا قدّم سعاده؟ وماذا قدّم التلامذة؟ ما هي الأفق أو الأبواب التي فتحها سعاده وماذا كان دور التّلامذة في هذا العمل؟ هل أكمل التلامذة ما بدأه سعاده؟

 

    حتى لا يقود السؤال إلى تقليل من قيمة أي نتاج نتيجة وجود كم هائل من النّتاج الفكريّ للتّلامذة في غضون أكثر من تسعين عاماً، سأحصر مداخلتي في ما فتحه سعاده وكان يستوجب إستكمالا ولم يحصل. ويجدر التّمييز بين الأفراد والمؤسّسات لأنّ القسم الأكبر من المسؤولّية تتحمّله المؤسّسات لا الأفراد.

 

     كثيرة هي المسائل التي فتحها سعاده سأحصرها هنا في المجالات التّالية: الفلسفة، السّياسي-الاجتماعي، التّاريخ، الاتّجاه العمليّ.

 

-أوّلاً – الفلسفة: سأعرض ثلاث قضايا: المدرحية، الفرد والجماعة، الأخلاق

 

 .1 المدرحية:

  1. هل الوجود غير الحي هو مادة أو روح؟ ما هي مكوّناته؟ ما هي نوع العلاقة التي تربط هذه المكوّنات؟ هل إنّه متّصل ماديّ - روحيّ غير قابل للإنفصال؟ هل كان سعاده يؤسّس لهذه النظرية كما قال د يوسف مروة في أجمل أبحاثه عن فلسفة سعاده؟ لماذا بقيت أبحاثه يتيمة ولم تستكمل؟
      يقول الدكتور يوسف مروة: "دور سعاده في الفلسفة الحديثة يشبه تماما دور أينشطين في الفيزياء الحديثة. فأينشطين في الفيزياء الحديثة قد توصّل الى توحيد مفاهيم المكان والزمان، والطاقة والكتلة، وقوتيّ الاستمرار والجاذبية، في نظرية منطقيّة متكاملة. فسعاده في فلسفته إستطاع أن يلغي مفهوم المادة المطلقة والروح المطلقة، والنفس والذات، والوعي والحياة. في الوقت الذي لا تزال الفلسفات الجزئية تنظر الى هذه الظواهر كأنها مستقلة ومطلقة ".  هذا الكلام خطير وغير عادي. أين جهود التّلامذة في توضيحه وإطلاقه وتطويره واستكماله؟

 

  1. هل الحياة هي مادة أم روح؟ مدرحية الحياة البشرية؟ هل هذا ما يقصده سعاده؟

 

 

  1. هل التطوّر البشريّ كتطوّر فيزيولوجي - ثقافي واحد، هل الفيزيولوجيّ والثقافيّ وحدة كاملة لا تنفصل كما عرضه سعاده؟ بمعنى هل تنفصل الثّقافة عن أساسها الماديّ؟ هذه مدرحية الفيزيولوجي الثقافي.

 

  1. هل التطوّر التاريخيّ البشريّ كان تطوّراً ماديّاً بحتاً بتأثير الديالكتيك وبعامل الاقتصاد كما قال الإتجاه الماديّ، أم تطوّراً روحيّاً بالمعنى الفكري كما قال نيتشه بعامل الديالكتيك، أم كان تتطوّرا ماديّا - روحيّاً بعامل التّفاعل الافقيّ العاموديّ البشريّ (العامودي المحيطيّ الأفقي البشريّ البشري) كما قال سعاده؟ هل أسّس سعاده إتّجاهاً ثالثاً في قراءة التاريخ والتطوّر؟

 

 

  1.  في باب المنهج، في مقابل المنهج الماديّ الذي أخذت به الماركسيّة وتحوّل إلى منهج في مقاربة كل قضايا الحياة والاجتماع والسّياسة والفنون والقيم، والمنهج الروحيّ المقابل ومنه المدارس الدينيّة، هل كان سعاده يؤسّس منهجاً علميّاً جديداً كما أشار الامين وليد زيتوني في طرح جديد يتيم لم يستكمل؟ كان الأمين وليد زيتوني قد أشار الى أنّ سعاده أسّس منهجاً فريداً هو المنهج المدرحي وهو ابتكار فريد مخالف لكلّ المناهج في العالم. هذه فكرة لا يجب أن تموت في كتاب، يجب أن تحملها المؤسّسات على محمل الجد وتمضي في نقاشها وتطويرها وإيجاد التّطبيقات العمليّة لها وتكليف إختصاصيّين بصياغتها.

 

إذاً بين مدرحية الوجود ومدرحية الحياة ومدرحية التطوّر ومدرحية المنهج، أين إسهامات التّلامذة ورعاية المؤسّسات؟

 

 

ثانياً - في العلاقة بين الفرد والجماعة:

كل النّقاش الفكريّ إذا كان وجود الفرد ام وجود الجماعة هو الأساس. وأيّهما أوليّ من حيث الأوليّة التاريخيّة، أو الأولية التراتبية.

 

حسم سعاده هذا الّنقاش بأن الجماعة أقدم بكثير من الفرد. في أدنى درجات التطوّر، عبثاً نجد الفرد وحتى في ظهور شخصية الفرد، لقد كانت حدثا لاحقا. لذلك فالحقيقة الكاملة هي حقيقة وجود الجماعة، والمجتمع هو وحدة ثقافيّة مكتملة لا يمكن فصل الفرد عنها، أقلّه ثقافة واقتصاد..

 

ما أراد قوله سعاده أنّ المجتمع ليس مجموع أفراد. ألمجتمع نسق معقّد من الافراد يرتبطون بعلاقات ووظائف معقّدة جدّاً هذا في مواجهة الفلسفة الفردانيّة التي ترى أن الفرد حقيقة، منبثقة مباشرة من الله كما قال برداييف، وعليه فالحق هو حق الفرد والحريّة حريّة الفرد والأفراد متساوون في الحقوق وعلى النّظام السياسي والاجتماعي تشريع هذه الحقوق وتنظيمها. لذلك هو حقيقة وهو غاية الحياة.

 

وعليه، فالنّظم السّياسيّة الاجتماعيّة الاقتصاديّة قد تمّت صياغتها على هذا الأساس. الديمقراطية الليبرالية، الاقتصاد الليبرالي، المفاهيم المؤسسة: المساواة الحق الحرية، على قاعدة مصلحة الفرد كلّها، وليدة النّظرة الفرديّة الى العالم والاجتماع.

 

يبقى أنّه على المدرسة القوميّة الاجتماعيّة أن تقيم صياغة نظامها السياسيّ والاقتصاديّ على أساس نظرتها، وهذا من أهم تحدياتها. بعد سقوط الفكر الماركسي ينحصر النّقاش بين الليبراليّة والقوميّة الاجتماعيّة ونحن حملة هذا الفكر وهذا دورنا.

 

 

ثالثا - الأخلاق:

هل يمكن قيام حياة دون أخلاق؟ وما دور الأخلاق في الحياة وبأي معنى؟ هذا سؤال تاريخيّ مفصليّ. كلّ المدارس الأخلاقيّة ركّزت على الأخلاق بمعنى الفضائل كالصدق والأمانة والإخلاص والتّفاني. سعاده أضاف عنصراً هامّاً جدًّا يوازيها جميعاً هو الواجب وهو من الابتكار السوري إبتكره زينون. وللأمين أدمون ملحم مساهمة قيّمة في هذا المضمار. ألواجب تقابله التّضحية. وهذا فتح لم يسلّط عليه الضوء.


قال سعاده إنّ الأخلاق في صميم كل نظام يكتب له الحياة. ألسّياسة هي فن خدمة. ألزعامة هي موقف أخلاقيّ (أقف نفسي). ألسّلطة مسؤوليّة أخلاقيّة. ألحزب في فلسفة وجوده، هو مسؤوليّة أخلاقيّة تجاه الأمّة. ألنّهضة مسؤولية أخلاقيّة. ألواجب مسؤوليّة أخلاقيّة، التعاقد هو تعاقد أخلاقيّ. وهذا من خطّ الفكر السوري. في فكر سعاده هذه مسألة جوهريّة: لا يمكن إقامة حياة بلا قيم. والسّؤال هو: ما هو دورنا كتلامذة في الخوض في هذه المعركة؟

 

من ناحية أخرى، نسجّل قيام المفكّرين الأوروبيين بالفصل بين المعرفة والأخلاق. والأخلاق بمكوّنها الاساسي القيم. لا أدري من الذي نجح في معركة فصل المعرفة عن الأخلاق. وحاول مكيافلي فصل السّياسة عن الأخلاق، والمناهج الغربيّة في فصل العلوم نفسها فأصبح الحديث عن الحقيقة الموضوعيّة والعلوم محايدة. إنّ الفصل هذا هو عملية تحرّر من القيود الأخلاقيّة. واليوم نحن نعيش مفاعيل هذا الفصل، دخلنا عصراً مخيفاً هو عصر الرأسمالية المتوحشة والمعرفة التي سطت بعيدا عن القيم. تَمَّ فصل السّياسة عن الأخلاق والعلوم عن الأخلاق. ماذا تعني سطوة المعرفة بلا قيم ولا ضوابط أخلاقيّة؟

 

الثّابت في القوميّة الاجتماعيّة أنه لا يمكن إقامة عالم بلا فضائل، بلا قيم. هو سيكون عالما متوحّشا كما أصبح اليوم. ونحن في صلب هذه المعركة.

 

والسّؤال: هل القوميّة هي مدرسة الدفاع عن القيم والفضائل والأخلاق؟ أين دور التّلامذة في قراءة الواقع والعالم والعلاقات الإنسانية على أساس المدرسة القوميّة الأخلاقيّة؟ أيضا إعادة صياغة أخلاق الجماعة لا أخلاق الفرد هو تحدي للاختصاصيّين.

 

ثانيا- الشأن السياسي الاجتماعي:

 

  • مفهوم الدولة.

خالف سعاده كل من سبقوه في هذا الشأن. النّقطة المهمّة التي سأعرضها: الدّولة والعقد الاجتماعيّ. روسو قال ان الدولة هي عقد اجتماعي. عقد بين السلطة والافراد. الثابت كما يتبين من كتابات سعاده أنّ الفرد لا يمنح سلطة. هو ليس طرفا في التعاقد. هو مجبر. يصبح عقداً عندما تتوفّر الارادة، عندئذ يصبح تعاقداً إراديّاً كن هنا دقة استخدام سعاده ل مفردة تعاقد. هذا فتح فكريّ كيف نحوّل الإجماع من إجماع مطاوع الى إجماع فاعل؟ إجماع بدون إرادة الأفراد الى إجماع بإرادة الافراد؟ يصبح فاعلاً عندما تتوفّر فيه إرادات الافراد بالوعي. كيف نصوغ هذا المفهوم في نظام سياسيّ حقوقيّ؟ سعاده كان يبني الحزب على هذه القواعد الفكريّة، ولمّا رحل قبل أن يستكملها، رحنا نفتّش في نصوصه وتخبّطنا. عجزنا عن استكمالها، وضِعْنا وسادنا التخبّط.

 

في السياق نفسه أتابع: هل كان سعاده يؤسّس لنظام سياسيّ-اقتصاديّ، عنوانه الشراكة؟ هل الدولة القوميّة الاجتماعيّة التي يتكلّم عنها سعاده هي نظام الشراكة وهي مخالِفة لكل أنظمة الدول في العالم؟ يخاطب الأمين شوقي خيرالله القوميّ الاجتماعيّ فيقول:" أنت شريك لا مملوك" . هل يمكن أن تكون المضامين الفكريّة والأخلاقيّة في هذا المفهوم؟ هل إنّ سعاده رفع قيمة الفرد فجعله شريكا؟ السّؤال الأساسيّ: كيف يصوغ التّلامذه هذا الفتح في السياسة والاجتماع وخاصة في نظام حقوقي؟


 

  • الديمقراطية التعبيرية:
    • من أكثر الموضوعات نقاشاً وتخبّطاً هو موضوع الديمقراطية التعبيرية. وكما يقول الرفيق شحادي الغاوي: إنّ سعاده لم يستخدم مصطلح الديمقراطية التعبيرية بل نحن استخدمناه. والاهم ان الامين نزار سلوم ود صفية سعاده قالا إنّ سعاده اقفل هذا الباب بعد عودته من المغترب. إنّ قول الدكتورة صفية التي نحترمها، بأن فكرة الديمقراطية التعبيرية قد تفتقت له، هل يمكن ان نتكلم عند سعاده عن أفكار تفتقيّة؟ هذا مخالف لكل سياق فكر سعاده. الديمقراطية التعبيريّة هي إعادة صياغة الديمقراطية التي هي حكم الشعب على اساس نظرة سعاده الجديدة. وكيفية اصلاح آلياتها. إذا سلمت مع الامين نزار أو د صفية أنّ سعاده صرف النظر في بيروت، سؤالي اليهما: كيف نقيم أو نصوغ نظاماً سياسياً أو اقتصاديا عادلاً تتبدى فيه المضامين الفلسفية والأخلاقية العادلة؟ هذا استكمال منطقي لازم منهجي. أنا سمّيتها الديمقراطية العادلة.

 

  • مسألة الارادة العامة بين التمثيل والتعبير: في الديمقراطية التمثيلية يقترع الافراد، والقرار أغلبي او أكثري.  والعنوان الارادة العامة ما نستنتجه من سعاده أنّ الاكثرية لا تمثل الارادة العامة. أساسا لا قاعدة منطقيّة للاحتكام الى رأي الأكثرية أو لاعتبار القرار بحكم الاكثرية. يقول سعاده إن الحق لا يكون عدديا. إنّ ما نشاهده هو جمع إرادات فرديّة. إذاً هو مجموع إرادات أغلبيّة الافراد المقترعين. هذا تعامل بمنطق جمع أفراد. السّؤال الجوهري: الأمّة هي جماعة، هي كيان واحد لها شخصيتها. الارادة العامة هي إرادتها. تجميع إرادات الأفراد لا يشكّل إرادتها. إذاً إرادتها كيف نمثّلها؟ كيف نظهرها؟ بأيّة وسائل وأيّة آليات تتبدّى أو تتكشّف أو يعبّرعنها؟ هذا هو الخلل الذي وقعت فيه الديمقراطية التمثيليّة وقال سعاده يجب إصلاح هذا الخلل. وعلى الفكر السوريّ الخلاّق إصلاح هذا الخلل. هذا هو الابتكار الابداعيّ الذي بشّر به سعاده لم يسعفه الوقت ولا الظروف ونحن خيّبناه في ذلك. كيف عرض تلامذة سعاده لهذه المعضلة؟ كيف ساهموا في حلّها؟

 

 

  • كثيرة هي المسائل التي تناولها سعاده في دراسة الدولة لكن أعمقها ان دراسة ثقافة اي جماعة عبر تاريخها او حاضرها، يمكن اجراؤها عبر دراسة نظام دولتها وحصرا عبر نظام الحقوق. وغاص كثيرا سعاده في هذا الشأن وخرج بخلاصات. كل الدراسات الإنتروبولوجية التي تدرس ثقافة الشعوب عبر لغتها وازيائها وعاداتها ولا تقاليدها وفنونها، لم يحصل ان تعمقت الى ما غاص فيه سعاده الثقافة والنظرة الى الحياة تجدها في نظام الحقوق في الدولة.

 

  • بشأن الأمة:

في ثلاثينات القرن الماضي كانت النازية والفاشية في قمّتها. الفلسفة النازية ومؤرخيها وجامعاتها ومراكز أبحاثها وإعلامها. كلّها في خلاصة واحدة العرق الآري النقي المتفوق. القوميّة هي قومية السلالات. كان سعاده وحيدا يردّ عليهم: السلالات النقيّة خطأ علميّ. القوميّة ليست سلالة هي إجتماع بشريّ. أمّا ما هي الأمّة؟ هي سمات لجماعة نشأت واكتسبت من الاجتماع البشري وتتطوّرت بالاختلاط الثقافيّ الفيزيولوجي بين البشر. أعاد صياغة مفهوم الأمّة والقوميّة على قواعد علميّة. سقطت الايديولوجيا وبقيت الصياغة العلمية. واليوم في نقاش الهويّة، يجتاح العالم نقاش العولمة والهويّات القوميّة، العولمة والدولة القوميّة. ما مدى مساهمة التّلامذة أمام هذه التحديات الفكريّة؟ في عدد كامل من عالم المعرفة عن القوميّة منذ تاريخها حتّى اليوم في كل نظرياتها. نصاب بالخيبة أن الصياغة الوحيدة الصّحيحة العلميّة هي صياغتها على قاعدة الاجتماع البشري الطبيعي التي صاغها سعاده. من هنا تلازم الاجتماعي مع القومي في كل تراث سعاده فنخلص أنّه في كثير من الأماكن إذا غاب سعاده فهذا من قصور دورنا.

 

3-التاريخ   

  • التاريخ السوري دوره في الحضارة اليونانية والرومانية والعربية. في كتابه مآثر سوريا في العصر الروماني قال رامز اليازجي: أكتب هذا الكتاب بناء على وعد قطعته على نفسي للزّعيم بأن أقوم يوماً بهذا العمل. وفعلا كان عملاً رائعاً من بين اسهامات التلامذة في هذا الشأن.

 

  • التّاريخ السوريّ. هل من المعقول بعد تسعين عاماً أن لا يوجد من التّلامذة من يكتب تاريخ سورية؟ برأيي أنّ د خزعل الماجد وفراس السواح إستطاعوا أن يواكبوا سعاده أكثر من كل تلامذته. وهذه ظاهرة تحتاج تفسيراَ. أليس في الحزب مؤرّخين أو علماء آثار؟ هل يمكن لأحدكم أن يحصي عدد المؤرّخين اليهود في العالم وعدد علماء الآثار؟ في سوريا مؤرّخين وعلماء آثار قيّمين وطنيّين يستطيع الحزب أن يستفيد منهم في إعادة كتابة تاريخ سوريا الحضاريّ والاجتماعيّ السياسيّ. لماذا هذا التقوقع الفكريّ؟

 

 

  • أضف الى ذلك لحظ سعاده أن التاريخ السوريّ الذي كُتِبَ كان مزوّراً ومشوّهاً وناقصا.ً حاول سعاده الإشارة الى الزّيف والتّشويه وقد طرح أسئلة نقديّة حول كثير منه. ألسّؤال الى التّلامذة: أين النّتاج الفكريّ في هذا الشأن؟ وأشير الى جهود الأمين أسد الاشقر والأمين مفيد عرنوق ود بشار خليف. سؤالي أين حركة الترجمة في الحزب عن دراسات تاريخنا وإنصافنا؟

 

  • نشوء الامّة السوريّة. في سجنه ستة أشهر كتب سعاده نشوء الامم ونشوء الأمّة السوريّة. إختفى كتاب نشوء الامّة السوريّة. كل الفكر القوميّ الاجتماعيّ بعد ثمانين عاماً من غياب سعاده غير قادر على إعادة كتاب نشوء الامّة السوريّة على القواعد الّتي وضعها سعاده؟ لماذا؟

 

  • بشأن التاريخ اليهودي لعل سعاده مؤسس المدرسة مراجعة التاريخ يهودي فأشار الى السرقات رفض فكرة الذهاب الى مصر وقال لهلها misro. وهم لم يكونوا أكثر من قبيلة. اليوم هناك مدرسة اسمها مدرسة الآثار التوراتية وصلت الى النتائج نفسها. كذب علينا آباء التوراة. كل القصة خرافات. هل نحن معنيين بمتابعة هذا الشأن بعد الاجتياح الاعلامي والثقافي لليهود؟

 

 

  • في شأن النهضة. أشار سعاده الى دور سورية في حصول ما سًمّي بالنّهضة العربيّة. وهنا نسجّل جهود الأمين أحمد أصفهاني والرّفيق جان داية ود سليم مجاعص ود علي حمية والرّفيق بدر الحاج، في إعطاء هذا الموضع حقّه عن إعلام النّهضة.

 

في علم الاجتماع:

  •  إعتبر سعاده أن النّظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة تتطور بعوامل محدّدة. وأنّ هناك محطّات منها النّار، الّلغة، الأبجديّة، الآلة أو المحرّك البخاريّ محطات تحولت فيها كل البنى. واليوم الكمبيوتر، أو المعلوماتيّة والاتصالات. في التّاريخ القديم شهدنا ثورتان، الزّراعيّة والصّناعيّة، واليوم نحن في عصر ثورة المعلومات.
      اليوم بعد ثمانين عاماَ، ما هي قراءة الفكر القوميّ الاجتماعيّ للعالم في عصر الثّورة المعرفيّة؟ كيف تتغيّرت البنى الاقتصادية والاجتماعية في العالم وفي سوريا؟ ما هو موقعنا نحن في هذا العصر؟ هل إن القومي اليوم معنيّ باستكمال قراءة تطور العالم على القاعدة السابقة وخاصة عصر المعلومات أو الثورة التكنولوجيّة؟ أثمن هنا جهود منفردة للدكتور ميلاد السبعلي: كيفية دخول الحزب الى عصر المعرفة؟

 

حتى لا نتحوّل إلى نموذج للفكر الدينيّ المغلق كلّما واجهته معضلة راح يفتّش في كتابه عن نصّ.سأعرض هنا لمسات مفصليّة هي ماهية فكرنا وأولوياته وخطورة تحولّه الى إيديولوجيا.


الفكر القومي هو كما خلص الأمين جبران عريجي بشكل رائع هو "منهج علميّ في مقاربة واقع متغيّر"، وأنا أضيف على قواعد فلسفيّة أخلاقيّة (اكرر). هذه القاعدة هي التي أخرجت الفكر من مأزق الايديولوجيا وأعطته قابليّة للتجدد والتطور. هل وعى القوميّون هذه القاعدة وتعاملوا معها؟ هل نحن جاهزون لقراءة الظّواهر على قاعدة المناهج العلمية الحديثة وتفسيرها؟ أعتقد هذا هو تطوير الفكر القوميّ الاجتماعيّ لمن يطالبون بتطوير الفكر.

 

لم يدع سعاده مفهوماً لم يتعامل معه. الدّولة، السّياسة، الارادة العامة، الدّيمقراطية، الأمّة، الهوية القومية، السّلطة، الشّرق، الدّيكتاتورية، الأمم المتحدة، وغيرها.
بعد سعاده جاءتنا مفاهيم وافدة منها الاشتراكيّة، اليسار، الثورة، العنف الثوريّ، الكفاح المسلّح، كيف تعامل المفكّرون القوميّون الاجتماعيون مع هذه المفاهيم؟ تخبّط وتشويش وتبنّي. هل من المعقول أن نقارب هذه المفاهيم بمقاربات متعدّدة إذا كانت المنطلقات واحدة؟

 

في ظل المدّ الشيوعيّ وعز الماركسيّة لم يبقَ مثقّف لم ينبر لمواجهة الماركسيّة من هنري حماتي وعبدالله سعاده وشوقي خيرالله وأحمد صالح ووسيم زين الدين وحيدر حاج اسماعيل وغيرهم. واليوم في العشرين سنة الأخيرة في سطوة سيادة الفكر الدينيّ لماذا صمتنا؟ لماذا أحجمنا؟ عندهم إنتحاريّين؟ لماذا غاب تلامذة سعاده عن النّقاش حول الدولة والدّين؟


سؤالٌ آخر قد يكون جريئا ما أطرحه: هل في الحزب أو النّهضة مفكّرين؟ حتّى لا أنتقص من قيمة أحد، كم مفكّر؟ إثنين ثلاثة، أو أربعة؟ لا أبغي الإساءة طبعاً ولكن حزب بهذا الإبداع لا ينتج مفكّرين؟ ظاهرة تستحق التفسير. في الماركسيّة عشرات المفكّرين من المستوى العالميّ. لماذا قلّ المفكرون في الحزب؟ هل استفزتكم كلمة قصور؟ السّؤال موجّه إلى من انتفض وجدانه.


واليوم، أمام مفاهيم الاستعمار والحداثة وما بعد الحداثة والعولمة والجندر وحقوق الانسان والغرب والديمقراطية، هل نجد مقالةً واحدة أو دراسة تعيد صياغة هذه المفاهيم على قاعدة المنطلقات القوميّة الاجتماعيّة؟ حقوق الإنسان مثلا بالمنظار القوميّ الاجتماعي؟ ما هي القراءة القوميّة الاجتماعيّة لكل هذه المفاهيم؟ سؤالي اليوم ما هي القضايا الأساسيّة التي تشغل فكرنا اليوم؟ هل نساهم بشكلٍ ما في نقل فكرنا في مناقشة قضايا فكريّة تناقش عالميّاً أو محليّا؟

 


الآن ننتقل الى الاتجاه العمليّ.

بأهمية كل الفتح الفكري، هو الاتجاه العمليّ الذي يضمن عدم جنوح الفكر نحو الإتجاه النظري البحت. فالمعرفة شأن عمليّ للتطبيق. قيمتها نتائج تحقيقها. وهذه القاعدة من أهم قواعد خط الفكر السوري العقلي العمليّ الأخلاقيّ. تبدى مع زينون في اختلافه عن الاتجاه اليونانيّ بقوله قيمة الحقيقة تحقيقها. ومع المسيح في قاعدة مرتا مرتا تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب منك واحد. ومع سعاده في وضع قاعدته المشهورة المعرفة التي لا تفيد كالجهالة التي لا تضر.

 

وعليه التلازم الاول هو هذا التلازم البنيوي بين الفكرة والحركة. هذا ليس تفصيلا. هذا إتّجاه أساسي. والتّلازم الثّاني بين نظام الفكر والنهج والشكل؟ هذا بأهمية المتصل المدرحي.

 

من أروع من أسهموا في تطوير هذه الافكار الأمين هنري حماتي حين قال ما النهج؟

 

 النهج هو الفكر نفسه في حيز التجربة الانسانية. عندما يدخل الفكر في حيّز الاجتماع يتحول الى نهج، ويكتمل بصياغة هذا الفكر في نظام اشكال منسجم متناغم في الفكر فيحقق أغراضه. وكما قال الامين هنري: "الاشكال موجودة لتحقيق أغراض فكريّة. هذا ما قلته يجب على الاشكال ان تظهر المضامين الفكرية الأخلاقية التي أنتجها الفكر. أوضح الاشكال في الأخير هي المؤسّسات. إن نظام الفكر والنهج والشكل من أهم الفتوحات التي صاغها سعاده، هل أعطاه التّلامذة حقّه؟ هل إن جذور الفلسفة البراغماتية هي من سوريا؟ هل يمكن أن يكون سعاده رائد الاتجاه البراغماتي؟ من الاسئلة الجميلة التي طرحها د علي حمية: "ماذا لو أن سعاده لم يؤسّس الحزب وبقي منصرفاً للفكر والتأليف؟

 

من أهم تطبيقات الاتجاه العملي: ما هو المطلوب من الفكر القوميّ؟

 

  • نحن نتكلم عن تجزئة سياسية وتجزئة إجتماعية واحتلال. ما هي الآليات الكفيلة بإزالة الاحتلال وتحقيق الوحدة السياسيّة والوحدة الاجتماعيّة؟ هل من المعقول أن نضع هدفاً دون إيجاد آليات لتحقيقه؟ أين تؤطر الجهود إذاً؟  إذا كانت المؤسسات لا تواكب هذه التحديات فهل يعفى الافراد من الخوض في هذا الدور؟ دعوتي الى المؤسسة، مؤسسة سعاده والى عمدة الاذاعة والاعلام بعقد أبحاث مفتوحة ومؤتمرات نوعيّة بعنوان واحد الاليات المطلوبة لتحقيق الوحدة والتحرير والوحدة الاجتماعية.

 

  • هل من المعقول أنّ حزباً بمستوى حزبنا وقامته أن لا يملك مركزاً للأبحاث أن يقارب القضايا الاشكالية بمقالات صحفية؟ هل في العالم اليوم معرفة ذات أهداف بعيدة تنتج بهذه البنية؟ لذلك ربّما هي أكثر من قصور رغم إيماني الكامل بصدق الافراد ونواياهم الصادقة والجهود المبذولة واستعداداتهم للتّضحية، لكنّ البوصلة ضائعة. مركز أبحاث؟ مؤتمرات نوعيّة؟ لا نملك مراكز دراسات. لماذا أغفلنا دور المؤتمرات المتخصّصة، أن تكون دوريّة يدعى أصحاب الاختصاص الى الادلاء بدراساتهم المتعمّقة وتقديم الجديد؟ هل اكتفينا بكتابات المؤسّس؟ هل هذا دورنا؟ هل في العالم اليوم علم واحد أو اختصاص واحد لا يعقد مؤتمرات دورية؟ خذوا المؤتمرات الطبية مثلا. هل من المعقول ان تتحول المؤتمرات من إنتاج معرفة فكريّة عملانيّة لقضايا أمتنا الى إجتماع لانتخاب سلطة؟ كم رسالة دكتوراه أو ماجستير في موضوعات عقائديّة بعد تسعين عاما؟ ثلاثين أربعين؟ كيف ننقل فكرنا الى المجال الأكاديمي؟

 

 

  • قال سعاده إنّ دور الحزب إطلاق القوى الكامنة في الأمة. هل أخطأ التّلامذة فحصروا القوى بأنفسهم؟ هل كان هذا اتجاهاَ في سياسة المؤسّسات المتعاقبة؟ فبدل أن يطلق الحزب القوى الفكريّة والنضاليّة واستقطابها وتأطيرها في حركة واحدة منظّمة، إذا بنا استغنينا عنها فأصبحنا عدداً خاملاً بدل أن نكون عدداً فاعلا.
  •  
  • أخيرا، تطول كثيرا لائحة فتوحات سعاده الفكريّة لندخل الى الاقتصاد، الى الأدب، إلى الدّين، إلى مسارات الفكر كيف يشيخ وكيف يتجدّد، إلى الشأن اليهودي والرّبط البنيوي بين اليهوديّة والصهيونية، الى الثقافة اليهودية وهويتها، إلى الاعياد القومية، إلى الخطّة المعاكسة، وإلى وإلى.... والّتي سأسعى لاستكمالها في أبحاث لاحقة. طبعا بعض ما فتحه سعاده تلقّفه بعض التّلامذة وذهبوا به الى الأخير وبعضهم تاهَ فيه لأنّهم لم يكونوا يحيطون بشموليّة النظرة. وبعضهم دخل في موضوعات ليست من اختصاصه فزاد في حالة التخبّط. في كلّ يوم نكتشف كم من مواضيع فتحها سعاده ولم نتتطرق اليها. دعوتي دائما ان نكون على مستوى ابداع سعاده فيكتمل إبداع سعاده وإبداع التّلامذة.
  •  
  • قبل سعاده كان الفكر مشوّشا مبلبلا متخبّطا، فأخرجه سعاده من هذا التخبّط على قاعدة واحدة التعيين شرط الوضوح، وعلى هذه القاعدة هل كان نتاج القوميّين متخبطاً مشوّشاً؟ هل كان فقهياً ترداديّاً نصوصيّاً مقدّساً على نموذج الفكر الدينيّ؟ هل واكب الإبداع في مراجعة نقد، فتح، إعادة صياغة؟ هل أجاد طرح الاسئلة المنهجية الكفيلة بإنتاج حلول عملية؟ آليات عملية؟ هذه دعوتي له أن يعيد صياغة دور واضح ضمن خط محدد بما افتتحه له سعاده ورسم أفقه وثبت قواعده.
  •  
  • هذا غيض من فتوحات سعاده في خمسة وعشرين عاماً من عمره، والسّؤال أن الأفراد والمؤسّسات بعد تسعين عاماً أي ثلاثة أضعاف عمر سعاده الفكريّ، هل أوفت هذا الفكر حقّه؟ هل كانت بمستوى أفقه؟ هل إن كلمة قصور فيها ظلم للإنتاج؟ تطلعاتنا دائما أن يقابل إبداع سعاده بإبداع التّلامذة وهذا هو القصد من مشاركتي كلها.
  •  
  • وتبقى الإشارة أنّ أهم إبداعات التّلامذة كان في إطلاق المقاومة الوطنية وأفعال البطولة المؤمنة والتي هي من ابداعات التلامذة طبعا في الاتجاه العملي.
  •  
  • وآمل ان اكون قد اضفت شيئا جديدا في فهمنا لعظمة سعاده، والشّكر لكم جميعا لحضوركم واستماعكم، والعذر على الاطالة.

 

اضغط هنا للإستماع إلى المحاضرة

 

 

 
التاريخ: 2023-04-01
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro