مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
الترسيم وسلاح النفط
 
نصري العقل، جهاد
 

 

 

 

 

للعبرة: لماذا أصرّ حبيب أبو شهلا، الوزير في حكومة أول عهد ساقط من صنع الاستعمار، على تصديق اغتيال سعاده ليل الثامن من تموز عام 1949؟ الجواب: بكلّ بساطة لأنّه كان "محاميا"، متعيشا في شركة التابلاين الأميركية، ولأنّ سعاده فضح في مقالة له في 19 آيار 1949 خطورة ما تضمنته "اتفاقية التابلاين" على مصلحة الأمة السورية! ودعا القوميين الاجتماعيين إلى مواجهة المعتدين على حقوقنا القومية.

 

اليوم، نحن أمام مصطلح سياسي عدائي خطير: " ترسيم الحدود"، الذي هو الوجه البحري الآخر لـترسيم الحدود البرية، في معاهدة سايكس- بيكو السيئة الذكر، ولواحقها، التي جرّت كلّ هذا الويل على شعبنا السوري في مختلف كياناته المصطنعةـ المشوّهة في دهاليز ما يسمى بالأمم المتحدة ومنظماتها المعادية لحقنا القومي في وطننا وثرواتنا الطبيعية.

 

الترسيم، لغويا، هو تعيين الحدود بين جارين، في حيّ صغير، في مدينة كبرى، أو بين دولتين ذات سيادة حقيقية، أو بين دولتين، إحداهما مغلوبة على أمرها، وهي الأقرب إلى واقعنا المرير.

 

إنّ أمر الحدود بين الدول، وفق النظريات في القانون الدستوري العام، تختصر في ثلاثة: الحدود الطبيعية، والاستراتيجية، القومية. في بيئة الهلال السوري الخصيب تتكامل هذه الحدود، فهي طبيعية واستراتيجية وقومية.

 

وما نريد أن نقوله في شأن مصطلح ترسيم الحدود، في الاتفاقية الأخيرة، وما يخطط له في اتفاقيتين لاحقتين بين كلّ من الكيانين السوريين: قبرص والشام، لا يمت بصلّة علمية، أو قانونية، أو حقوقية أو واقعية بين أي مفهوم للحدود، وهذا يدركه أبسط بائعي الصحف والعامة عندنا. لماذا؟ لأنّ الفواصل، وليس الحدود بين مختلف كيانات الأمة السورية المصطنعة، هي عبارة عن خطوط وهمية، واهية سياسية مفروضة، وبذلك تقرّ معظم الاتفاقية الدولية الخاصة بهذا الواقع السياسي المفتعل. من جهة أخرى ترسيم الحدود كما مرّ معنا، يكون بين جارين صديقين أصحاب حقّ فيما يملكون، وأصحاب أدب وسلام واحترام لحقوق الجار. وهذا المعنى لا يتوفّر أبدا في ترسيم الحدود بين "دولة لبنان" صاحبة الحقّ ... و "ودولة العدوّ" اليهودي المغتصبة، أرضا لا حقّ لها فيها، ولا سيادة لها عليها لا في البر ولا في البحر. فهي دولة باطلة وما بني على الباطل هو باطل ومخالف للقوانين والأنظمة وللمبادئ الأخلاقية الإنسانية.  وإذا كان ترسيم الحدود البرية بين دولتين إحداهما عدوة باطلا من الناحية الحقوقية، وإذا كانت هذه الحدود وهمية، وغير موجودة أصلا بالمنطق الدستوري العام فالنتيجة الحتمية هي بطلان هذا الترسيم الذي لا يصلح في مثل هذه الحالة على أرض يابسة صلبة، فكيف يصلح على أرض سائلة متحركة متمازجة مياهها وثرواتها، وما يقال عن الترسيم في البرّ والبحر ينطبق على الترسيم في الأجواء الفضائية. إنّ الحدود الوهمية، المفتعلة بين كيانات الأمة الواحدة هي باطلة، فكيف إذا كان ترسيمها مشتركا مع كيان عدائي مغتصب، يفتقد إلى مقومات الكيان الحقوقي.

 

إنّ الظروف العامة التي يتمّ فيها اليوم التوقيع على معاهدة الترسيم هي مشابهة للظروف التي وقعت فيها معاهدة التابلاين منذ أكثر من سبعين عاما، فهي:

 

 

أولاً: على الصعيد الدولي:

 

تأتي هذه المعاهدة في وقت تشتعل فيه الحرب بين أوكرانيا وروسيا وانقسام الدول العظمى بين معسكرين متنازعين؛ الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا في مواجهة روسيا. وفي مقدمة مصالح هذه الدول الصراع على النفط ومنابعه وطرق إمداداته.

 

وكان من أبرز تداعيات الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا والصراع عليها، انقسام الحلفاء بين معسكرين متنازعين: الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من جهة في مواجهة ألمانيا وحصارها وتقسيمها. والقاسم المشترك بين الحالتين كان النزاع على المصالح الحيوية، وفي مقدمتها مصادر الطاقة. وفي هذا الوقت بالذات وقعت اتفاقية التابلاين، خدمة لمصالح الدول التي كانت بالأمس متحالفة ضد ألمانيا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

 

 

ثانياً: على الصعيد الاقتصادي:

 

عندما وقعت الحكومتان الشامية واللبنانية على اتفاقية التابلاين كانتا تعانيان من الضيق الاقتصادي وتفشي البطالة وتدهور قيمة النقد الوطني. فوجدتا فيها منفذا لهذه الأزمة الاقتصادية المالية المعيشية. وما أشبه اليوم بالأمس، فهل التوقيع على اتفاقية الترسيم تنقذ لبنان والشام من ورطتهما الاقتصادية؟ إنّ النظر إلى توقيع اتفاقية الترسيم من ناحية الإفادة المادية فقط، هذا إذا تمّت، دون التطلع إلى النواحي الأخرى خصوصا الأمنية والسياسية والمستقبلية هو قصر نظر لا يفيد المصلحة القومية بشيء.

 

 

ثالثا: على الصعيد السياسي:

 

تمّ تصديق اتفاقية التابلاين الأميركانية في الوقت الذي كان يتابع فيه مؤتمر لوزان أعماله بصدد "اللاجئين" وتدويل القدس وحدود "إسرائيل"، فلو أدرك الموقعون "العرب" على هذه الاتفاقية أهمية النفط كسلاح استراتيجي، لما حصدت "إسرائيل" النتائج السياسية لهذه الاتفاقية، فلا عاد اللاجئون، ولم تدوّل القدس، بل أصبحت "عاصمة يهودية"، وبقيت معالم حدودها بلا "حدود" ثابتة. وأصبحت المسألة الفلسطينية، من أساسها في خبر كان.

 

   واليوم، مع ترسيم الحدود البحرية ستزداد إسرائيل شراسة وإرهابا، لاستكمال مشروعها التهويدي العنصري الاستيطاني والتوسعي. فهذه الاتفاقية تهمها كثيرا لاقتصادها ولعملياتها العسكرية القادمة، ولاستكمال مشروع حلمها: "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"!

 

 

رابعاً: على الصعيد العسكري:

 

 إسرائيل هي التي أقدمت على تدمير شبكة التابلاين في عدوان 1967، لإضعاف الاقتصاد "السوري"، الذي كان يتقاضى 50% من صافي المبالغ الناتجة عن مرور شبكة التابلاين في "الأراضي السورية"، وتعطيل ميناء الزهراني النفطي في جنوب لبنان، لمصلحة الموانئ النفطية اليهودية.

 

لقد فاحت "روائح الرشوة والعمالة" من جراء توقيع اتفاقية التابلاين، على حدّ تعبير أحد نواب "البرلمان السوري" الذي رفض التوقيع على هذه المعاهدة المذلة الذي كان حسني الزنيم عرّابها. وحتى لا تفوح، من جديد، نفس هذه الرياح على توقيع معاهدة الترسيم الحالية، على حكام الكيانات السورية في لبنان والشام وقبرص وفلسطين.. المعنيين مباشرة بهذه الاتفاقية أن يتداعوا إلى لقاء قمّة تاريخي يتمّ فيه الإعلان عن موقف موحّد وقرار مصيري، مفاده أنّ "إسرائيل" دولة باطلة، لا حقوق لها في أرضنا وثرواتها، وعليها أن تفكّك كيانها وترحّل قطعانها إلى الدول الوافدة منها، وإعادة الأرض المغتصبة إلى سكانها الحقوقيين الأصليين..

 

إنّ "إسرائيل" التي ضربت عرض الحائط بالقرارات والمعاهدات الدولية والمحلية كلّها لن تحترم هذه المعاهدة، وستنتهز الفرص لنقضها والمطالبة بالمزيد من المطامع والمكاسب التي لا تنتهي إلا بتحقيق حلمها اليهودي العنصري.

 

 هذا السلاح الإستراتيجي الثمين، أي النفط، يجب أن نحسن استعماله في معركتنا المصيرية الوجودية مع هذا العدوّ، قبل فوات الأوان. إنّ سلاح النفط هو مكمّل لا بل هو أساسي للسلاح الميداني في أي معركة قادمة مع الغزاة الصهاينة. إنّ "إسرائيل" التي أدمنت على خرق المعاهدات على أنواعها، وشنّت الحروب العدائية التوسعية، لن تحترم أيّة اتفاقية جديدة لا مع لبنان، ولا مع غيره من دول كيانات الأمة السورية، المدعوة اليوم وأكثر من أي يوم آخر إلى توحيد خطتها وقرارها وقواها والانتظام في جبهة سياسية – اقتصادية - حربية لمواجهة هذا العدو الذي يهدد حياة الأمة في وجودها ومستقبلها.

______

* كاتب ومحلل

 

نشر هذا المقال في العدد الثاني من نشرة الندوة

 

 

 

 
التاريخ: 2022-11-16
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
المصدر: الندوة - نشرة الكترونية للندوة الثقافية المركزية، العدد الثاني - 16 تشرين الثاني 2022
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro