مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
أنطون سعاده دعا الى تحويل معنى لبنان من كيان طائفي الى نطاق ضمان للفكر الحرّ
 
أبو زيد، سركيس
 

 

 

 

بعد أن استعرضت في حلقتين سبق أن نُشرتا في جريدة الديار عن نظرة سعادة للمسألة اللبنانية، سوف أتوقف في هذه الحلقة على مشروع سعاده الذي يستهدف تحويل لبنان من كيانٍ طائفيّ يقوم على فكرة الملجأ، إلى نطاق ضمانٍ للفكر الحر تتحصّن فيه النهضة لتنطلق منه إلى البيئة الطبيعية كلّها ناشرةً رسالة توجيه المجتمع على الأساس القوميّ المدنيّ النهضوي بدل الأساس الدينيّ الطائفيّ الرجعي القائم.

 

يعلن سعاده التعارض بين مفهومين: القوميّ الديمقراطي والتقليديّ الحاكم، فيرفض «الترتيبات الطائفية والإقطاعية التي حلّت محلّ الاحتلال والانتداب». ويتابع موضحاً أنّ هذه الترتيبات «ليست من صنع القوميين الاجتماعيين، ولا من نتائج عملهم، ولا ممّا يقبلون باستمراره. ولست أقصد هنا بذلك الكيانات السياسية في ذاتها، ككيان لبنان وكيان الشام وكيان شرق الأردن، لأنني رأيت منذ البدء، أن العلّة ليست في هذه الكيانات، إن هذه الكيانات نتيجة لا سبب، بل أقصد نوع الحكم والإدارة والحياة السياسية اللاقوميّة، الفوضويّة فيها، وكان الاستقلال للفئات الانتهازية غنيمةً لمن سبق إليها ...».

 

هنا يقف سعاده من نوع الحكم والإدارة والحياة السياسية اللاقومية موقف الرفض الثوريّ مع توكيده أن هذا ما يقصده بالرفض لا الكيانات السياسية في ذاتها، «لأن العلّة ليست في هذه الكيانات» باعتبارها نتيجةً لا سبباً.

 

وفي تموز 1949 يعلن سعاده في بيان «الثورة القومية الاجتماعية» أنّ في طليعة أهدافها التغيير الاجتماعيّ ـ السياسيّ بفصل الدين عن الدولة، وتحقيق المبادئ الإصلاحية الباقية كإلغاء الإقطاع، وتنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج، وعدم التعرّض للوضع السياسيّ السابق.

 

ومن جهة أخرى يؤكد سعاده على «توطيد الاستقلال اللبنانيّ على أساس إرادة الشعب الحرة».

 

الواضح من كلّ هذا أنّ الحركة القومية الاجتماعية تهدف إلى تغيير معنى الكيان اللبنانيّ من كيانٍ طائفيٍّ منفعلٍ بعقدة الأقليات، تتعايش فيه التناقضات، إلى كيانٍ منطلقٍ للتحرّر الاجتماعيّ السياسيّ الفكريّ في البيئة القومية، وبالتالي إلى طليعةٍ ثوريةٍ ديناميةٍ فاعلة في المحيط الطبيعيّ كلّه.

 

وهنا يدخل الكيان اللبنانيّ في الاستراتيجية الثورية للحركة القومية الاجتماعية، أولاً لجهة تغيير معناه من الكيان الملجأ إلى الكيان المنارة، من الكيان ـ التسوية إلى الكيان ـ الثورة، وثانياً لجهة أنه متى أصبح حاصلاً لهذه المعاني، منطلق التغيير والتحرّر في البيئة، يصبح ضرورةً لا يبرّر قيامه جزئياً بظروف العقلية الطائفية، بل يستمدّ استمراره من استراتيجية الثورة الفكرية الاجتماعية التي يشّع بها على البيئة السورية كلّها، فيصبح كيانَ الفكر الحر، يستمدّ وجوده وبقاءه من هذه القيم النهضوية. «فما أنا إلا لبنانيٌّ من صميمك يريد تحويل كيانك إلى معقلٍ للنبوغ ولتطوير المحيط حولك في اتجاه موافقٍ لتطوّرك، متجانس مع أهدافك» (من البيان الأول لسعاده إلى الشعب اللبناني).

 

من ضمن هذه الاعتبارات نستطيع أن نفهم موقف سعاده الإيجابي العميق من الكيان اللبناني والرسالة التاريخية التي يحمّله إياها، منطلقاً في موقفه من الاعتراف بهذا الكيان اللبنانيّ واحترامه وليس من نقضه أو رفضه.

 

ولقد أكد سعاده في هذا الاتجاه على المعاني الأساسية التالية:

 

أولاً: استعداده لصيانة لبنان وبذل النفس في سبيله، فسعاده يعلن «أنّ الحركة القومية الاجتماعية في لبنان هي حركة صيانة وخيرٌ للبنان واللبنانيين» ... «أن القوميين الاجتماعيين اللبنانيين هم أشدّ الناس حرصاً على لبنان وغيرةً، وهم أبعد الناس عن المجازفات الاعتباطية» (مشكلة الحرية لا تحلُّ إلا بالحرية). «أنه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد في لبنان من هو أحرص على تأمين استقلال لبنان، وعزّ لبنان من زعيم الحزب القوميّ ورجاله، بل لا يوجد من يضاهيهم في بذل النفس في سبيل خير الشعب اللبنانيّ ومجده وحسن حاله» (البيان الثالث إلى الشعب اللبناني).

 

كما يؤكد سعاده أن القوميين الاجتماعيين في كلّ سوريا الطبيعية يناضلون في سبيل هذا الهدف عاملين على توليد «إرادةٍ عامّة بواسطة النهضة السورية القومية الاجتماعية، في لبنان وخارجه تجعل للتأمين المتقدّم قيمته الفعلية» (من منهاج الحزب النيابي 1947).

 

ثانياً: «لا يُصان لبنان بعقلية «القومية الدينية» والقضايا الرجعية، بل بالنهضة القومية الاجتماعية». إن لبنان الطائفيّ تؤدي تناقضاته إلى أسوأ مصير، إذ لا مناعة ذاتية لديه. فإذا كان يعتمد الطائفية فإنها ليست السلاح الذي يصونه، بل الذي ينحره، لأنها تخرّبه وتشلّ الحياة العامّة فيه وتبطل وجود إرادةٍ موحّدة يستند إليها استمراره.

 

إن فقدان الإرادة الشعبية الموحّدة في لبنان هو من أهم أسباب ضعفه. والكيان الذي وجد ملجأً للأقليات، يفقد حتى هذا المبرّر الطائفيّ إذ تتحوّل فيه مع الوقت الأكثريةُ إلى أقليةٍ، والأقليةُ إلى أكثريةٍ، ويصبح حفاظه على الوضع القديم إنما يرتكز على الضغط والتزييف فتنشأ ردود الفعل السابقة بنشوء عقد الأكثرية عند أقلية الأمس، وعند أكثرية الأمس عقد الأقلية. إن الكيان الطائفيّ هو كيان عقدٍ متناقضة، أحسن حالاته هي حالات التسوية التي لا تُنشِئ دولةً بل استمرار تناقضاتٍ متعايشة، وأسوأ حالاته ـ وهي نتيجة منطقية لتناقضاته ـ عندما تنقض التسوية، ويطالب كلّ شريكٍ بحصّته الطائفية، فتصبح الدولة مجموعةَ حصصٍ طائفية دون أي كيانٍ موحّدٍ لها. إن الكيان الطائفيّ معرّضٌ دوماً للانهيار الذاتيّ من الداخل. من هنا، الخلاص الذي تدعو اليه النهضة هو التحوّل والتغيير من وضعٍ طائفيٍّ إلى وضعٍ قوميٍّ ديمقراطيّ مدنيّ متقدّم.

 

ثالثاً: إن الكيان اللبناني قائم، وقد أعلن الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ احترامه هذا الكيان «باعتباره تعبيراً صادقاً عن إرادة الشعب»، ولم يصدر عن هذا الحزب أيّ عمل أو تدبير يرمي إلى إزالته، بل على العكس اعتبره «نطاق ضمان». أما الحوار والطرح الفكري مهما تباين فهو من الأمور المتعلقة بالصراع العقائديّ الطبيعي الحر.

 

من جهة أخرى يسأل سعاده: «ماذا يريد اللبنانيون من كيانهم؟ أن يكون فيه النور، وأن يكون ما حوله محاطاً بالظلمة. إذا كان في لبنان نورٌ فحقٌّ لهذا النور أن يمتدّ في سورية الطبيعية كلّها».

 

ثم يضيف: «أنرضى نحن في لبنان أن يكون عندنا نور، وأن لا يشترك في هذا النور جميع أبناء أمّتنا؟ كلا! هذا هو الكيان اللبنانيّ، وهذا هو التعبير الصادق عما في النفس اللبنانية من سموٍّ ومن مرامٍ خطيرة تدلّ على نفسٍ خطيرةٍ جبارة، كلّ ما سوى ذلك باطل لا يمثّل لبنان، ولا يمثل إرادة الشعب اللبنانيّ على الإطلاق». (خطاب العودة 2 آذار 1947).

 

رابعاً: إن صراع العقائد في لبنان مرتبطٌ بمشكلة الحرية، وسعاده يدافع عن حقّ الشعب في حرية الصراع، وحرية التقرير، وحرية الاختيار. «إن مشكلة العقائد في لبنان هي مشكلة الحرية ومشكلة الحرية لا تُحلّ إلا بالحرية». (مشكلة الحرية تحلّ بالحرية).

 

يشدّد سعاده على ارتباط وجود لبنان من الأساس بتوفّر الحريّات الفكرية السياسية فيه. «ضمان الحريّات الأساسية التي توجِد الضمان الحقيقيّ للاستقلال اللبنانيّ». (من منهاج الحزب النيابي 1947).

 

ويخاطب الشعب اللبنانيّ في بيانه الثاني الموجّه إليه شارحاً له معنى قوله: «إن الكيان اللبنانيّ هو وقفٌ على إرادة الشعب اللبناني»... فيقول: «هو وضعُ حقِّ تقرير مصيرك في يدك لأنك أنت وحدك لبنان وأنت وحدك الكيان اللبنانيّ ولا يجوز لقوةٍ داخل هذا الكيان أو خارجه أن تلغي إرادتك وسيادتك».

 

كلّ مشكلة الصراع السياسيّ في لبنان أن الحكم يتستّر منذ 1943 بأشكال الديمقراطية وينحر جوهرها: حرية الصراع العقائديّ، حرية صراع الأفكار، حرية الشعب في الانتماء للعقيدة الأفضل وللنظام الاجتماعيّ الأمثل. الحكم يمارس بالقمع وصايته على الشعب. من هنا يندّد سعاده بالحكم الذي يخرج على حقّ الشعب في ممارسة حرّيته، ويعلن استعداد القوميّين الاجتماعيّين لصيانة هذه الحرية ويحذّر الشعب من خطورة التساهل في مبادئ الحرية. «إن شعباً يتساهل في مبادئ الحرية وأسس الاستقلال والسيادة لا يمكنه أن ينتظر يوم الانتخابات النيابية غير بليّة الحرية والاستقلال» (البيان الرابع). ...» إن لبنان يحيا بالحرية ويندثر بالعبودية» .... الحقيقة والمعرفة الصحيحة تظهران بالبحث الحرّ لا باضطهاد حرية الفكر». (مشكلة الحرية تحل بالحرية).

 

ويأخذ سعاده على الحكم «تسلّطه على الشعب اللبنانيّ بطرق الإرهاب والتزوير في الانتخابات والتنكيل بالقوى السياسية الفتية الناهضة بمبادئ الحياة الاجتماعية الجديدة»، وأنّ رجال السلطة «قد داسوا إرادة الشعب الحرة، ووقفوا حجر عثرة في سبيل حرّيته ومحاربين للمبادئ السياسية العامّة التي تؤمّن خيره وارتقاءه، وعبثوا بسلامة الأفراد والعائلات وعرّضوا حياة الأفراد الآمنين للخطر وعائلاتهم للترويع، وقصدوا إذلال الناس بواسطة الإرهاب والتنكيل، فشكّلوا نوعاً خطِراً من قطع الطريق السياسيّ والحكوميّ فضلاً عمّا وزّعوه من مفاسد ملؤوا بها الدواوين».

 

واعتبر سعادة أن الحكومة قد نحرت حرية الشعب وخرجت عليها وعبثت «بحقوق أبنائه»، وأنها قد «فرضت بعبثها ورعونتها الثورة للدفاع عن الحرية المقدّسة وعن حياة أبناء الشعب وإرادته».

 

خامساً: ينطلق موقف سعاده من إدراك حقيقتين متلازمتين: حقيقة سياسية هي احترام الكيان السياسيّ اللبنانيّ، وحقيقةٌ اجتماعيةٌ تطبيقية مصيرية هي أن الكيان اللبنانيّ قائمٌ ضمن بيئةٍ طبيعيةٍ مرتبط بها ارتباطاً مصيرياً قومياً.

 

يقول سعاده بصدد الحقيقة الأولى «فكلّ فكرٍ أبديته بصدد اتصال هذا الكيان بخارجه، هو فكرٌ مبنيٌّ على الاعتراف بوجود هذا الكيان بحدوده الحاضرة، والعمل على أساس هذا الكيان». (بيان الزعيم الأول إلى الشعب اللبناني 1947).

 

والسيادة اللبنانية التي يحترمها الحزب، ويعلن أنه تعاون مع الحكومات في الدفاع عنها حتى عندما لم يكن راضياً عن تلك الحكومات (راجع خطاب سعاده في آذار 1947)، هي سيادة دولة تقوم ضمن بيئة طبيعيةٍ واحدة يشترك شعبها في المصير القوميّ الواحد.. استراتيجياً، وجغرافياً، ومصيرياً، يقع لبنان ضمن سوريا الطبيعية.

 

وعلى هذا الأساس أكد سعادة على التكامل بين السيادة اللبنانية والواقع الاجتماعي فكان التوكيد في منهاج الحزب 1947 على «تأمين الكيان اللبنانيّ.. وضمان الحريات الأساسية التي توجد الضمان الحقيقيّ للاستقلال اللبناني».

 

وذلك يتم جنباً إلى جنب مع «توثيق الروابط السياسية والوحدة الثقافية والاقتصادية بين لبنان والكيانات السورية الأخرى» ...و «الاشتراك مع بقية الكيانات السورية في دفع الأخطار والاعتداءات عن أي جزء منها، وفي التعاون مع الأمم العربية بواسطة الجامعة العربية»....

 

«إن الحركة القومية الاجتماعية هي الحركة اللبنانية الصحيحة في لبنان لإنهاض الشعب، وإن خير لبنان هو التعاون مع بقية الدول السورية، والتفاهم على توحيد الجهود لدفع الأخطار الخارجية». (من مقالة الدول السورية تستفيق).

 

فلبنان، وفق نظرة سعاده، يصان ويحافظ عليه على أساس تعاونه مع بيئته، أما لبنان الجزيرة أو البرج العاجيّ المنعزل عن بيئته ومحيطه فمرفوض في النهضة القومية الاجتماعية. ولبنان المستقلّ مرتبطٌ ببيئته، مشاركٌ لها في المصير العام، في مواجهة ودفع «الأخطار والاعتداءات عن أي جزء منها».

 

إن مفهوم السيادة لا يعني الانعزال بل يعني شيئاً واحداً، هو ممارسة الشعب لحقّه في تقرير المصير. ومتى كان المصير القوميّ واحداً فكلّ تناقض يفتعل بين السيادة السياسية والمصير القوميّ ستكون له أوخم العواقب ويؤدّي إلى الكوارث.

 

سادساً: من كيانٍ ملجأ إلى كيان الرسالة.

 

هذه هي مرتكزات موقف سعاده المبدئيّ في المسألة اللبنانية، وهو موقفٌ يريد تحويل معنى لبنان من الهامشية والطائفية والتسويات إلى الإشعاع الحقيقيّ في البيئة القومية والعالم العربيّ.. إشعاع الثورة والتغيير.. إشعاع الإنسان الجديد.

 

ان الانقسام الطائفيّ يحجب قيام إرادةٍ عامّة في أي موقف، وها هي الدولة الآن، رغم الأزمات الوجودية التي تواجهها، تُحجم عن كثير من الخطوات لافتقارها إلى سياسةٍ عامّةٍ واضحة إزاء نفسها وإزاء البيئة المحيطة، وها هي تتصرّف من خلال العُقد الطائفية لا على أساس المصلحة الوطنية العامّة، وها هي بعض الفئات تتجنب مواجهة الخطر الصهيونيّ معتقدة أنه بالمحاذرة يستطيع لبنان أن يعزل نفسه ومصيره عن المصير القوميّ العامّ في سوريا الطبيعية. وها هو الاقتصاد لا يبنى على الإنتاج حتى لا يتفاعل مع أسواق البيئة فيغلق أبواب المنطقة في وجه الإنتاج اللبنانيّ، كما أن لبنان أصبح معزولاً عن البيئة باعتماده الخدمات والدوران في فلك الرأسمال الأجنبيّ.

 

بعد هذا الوقت الطويل نرى أنْ لا مناعة ذاتية للبنان إلا بصيرورته قلعةَ النهضة الفكرية في البيئة، بتحوّله من الانفعال بُعقد الماضي إلى الفعل لبناء المستقبل.

 

وفي عالمٍ تتكتّل قارّاته وأقاليمه في وحداتٍ كبرى، علينا أن نحوّل لبنان بنقلةٍ نوعيةٍ من كيانٍ ـ ملجأ إلى كيان نطاق ضمان للفكر الحر، فاعلٍ في محيطه، يستهدف جمع هذه البيئة الحضارية الواحدة من جديد في دورةٍ تاريخيةٍ تضاهي أمجاد كنعان وآرام والعرب.. دورةٍ بمستوى القرن الحادي والعشرين، فوحدها الرسالة التمدّنية الكبيرة هي التي توحّد على مشروعٍ حضاريٍّ كبيرٍ وجديرٍ بالعطاء.

 

إننا أمام التحدّي الكبير الذي يتمثل بأنّ الأدمغة االصهيونية الاستعمارية تتجمّع في كيان «إسرائيل» مستهدفةً السيطرة على المنطقة تكنولوجياً واقتصادياً وعلمياً ومصرفياً، وإخضاعنا لنوعٍ من التبعية سيهمّش فيها لبنان .

 

وفي المقابل، فإن لبنان ينزف منذ عقود أدمغته وطاقاته في الهجرة إلى أقاصي الدنيا. إنّ لبنان الرسالة إلى محيطه مدعوٌّ أن يستجمع طاقاته، ويعيد بناء نفسه في مستوى التحدّي، فيكون المنارة القادرة بنور العلم والجهوزية أن تردّ هذه الغزوة الخطيرة التي بدأت سلبنا مياهنا لتصل إلى سلبنا ذاتَنا ووجودَنا.

 

إن كياناً موزّع الولاء بين الطوائف هلعاً على مصيره سيندثّر في هذا التحدّي، وإن كياناً موحّد الولاء والطاقات في رسالةٍ حضارية لمحيطه يستردّ مغتربه بدل أن يفقد مقيميه، ويحشد إنسانه ليفعل ويبرع لأنه القادر على الصمود والإبداع والبقاء.

 

وعلى هذا الأساس مطلوب التمسّك بقواعد الحرية والديمقراطية والحوار أسساً ثابتةً لحياةٍ فكريةٍ وسياسيةٍ سليمة تتيح التطوّر النوعيّ الذي يولّد مناخاً معافى وصحيحاً من اجل تفعيل رؤية حضارية تنقذ لبنان وتجدد دوره ورسالته ليكون نطاقا لضمان الفكر الحر... لأن «الحرية صراع"، كما يقول سعاده.

 

(اعتــمدت هذه الدراسة بشكل أساسي على الأعمال الكاملة لـ أنطون سعاده وكتابات جبران جريج وإنعام رعد.)

 

 

 
التاريخ: 2022-09-20
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
المصدر: جريدة الديار، 20 أيلول 2022
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2022 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro