مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
رحل مُتَجذّراً في أرضه
 
غصوب، مكرم
 

 

نأتي،

 

منّا من يصنع حضوره في الحضور،

 

منّا من يصنع حضوره في الغياب،

 

ومنّا من يصنع الحضور والغياب، الحضارة الإنسانيّة، المعنى...

 

«لم يؤذني أحد


هكذا أجاب والدي رفقاءه القوميين الاجتماعيين، بعد عودتهم إلى المتن الشماليّ في بداية التسعينيات، وهكذا بدأت أفهم المعنى الذي صنعه أنطون سعادة في وجدان من آمنوا بفكره وحركته، أنا الشاهد الصغير حينها على الأذيّة المعنويّة والماديّة التي تعرّضنا لها من أبناء شعبنا.


«نريد أن ننتصر بأبناء شعبنا وليس عليهم»، سمعته يرددها على مسامع زوّار «بيت أسد الأشقر»، بعد حرب وهدم وغياب، المفتوح لكلّ أبناء المتن على اختلاف توجّهاتهم السياسيّة. هكذا كان لقائي الأول بالأمين غسّان الأشقر، ليتوضّح لي المعنى أكثر فأكثر. أذكر يومها، حين عرف أنّني أعشق القراءة والكتابة، توجيهه الذي فعل كثيراً في حياتي، «اقرأ أساطيرنا».


الأسطورة، التي لم أكن أعرف منها إلّا بعض حكايات والدي عن الزعيم ورفقائه، اكتشفت فيها جذور المعنى، معنى الخلود مع «غلغامش» الذي بعدما واجه قساوة الفقد وفكرة الاختفاء، وبعدما سُرقت منه نبتة الحياة، أدركَ أنّ البقاء لأمّة الحضارة والخلود لفكر ترتقي به الإنسانيّة، ومعنى الفداء والتجدد مع «تمّوز» وحبّه السوريّ.
«
بين هذه الأشجار، علاقة حبّ عميقة، فإن مرضت إحداها تمدّ الأخريات جذورها لتغذّيها وتنقذها من اليباس».


في خضمّ انشغالنا بالانتخابات النيابيّة اللبنانيّة لعام 2018، التي خاضها بروح فدائية، كان يستغلّ ما يسمّى بوقت فراغ، ليجعله فراغاً أشبه بفراغ وعاء «لاو تسو»، الفراغ الذي يملأ الوعاء بالمعنى. كان يقرأ كتاباً عن حياة الأشجار، ويخبرني عن العلاقة التفاعليّة بينها وبين الأرض، ويكمل «حبّذا لو يتعلّم أبناء شعبنا الحبّ والانتماء من هذه الأشجار!»، فأجيبه بعبارة من كتابي الأخير «النبتة المزروعة في الماء، يقتلها العطش إلى الانتماء... حتّى لو كانت نبتة الحياة الخالدة!».


لم ألتق الأمين غسان الأشقر مرّة وكنّا وحدنا، دائماً كان الكتاب ثالثنا، نناقش الأفكار، نتّفق كثيراً، نختلف أحياناً، ولا سيما حول وجوديّة أنطون سعادة، فبعد إصراري على اعتبار فلسفة سعادة وجوديّة مثاليّة مطبّقة، ذات نزعة متوسطيّة، مستشهداً بقوله «لا يمكننا أن نربح الأرض ونحن نقتتل على السماء. (...) فلكي نربح الأرض يجب أن نقاتل صفوفاً موحدة في سبيل الأرض وبربحنا الأرض نربح الجنّة! لا خير ولا ارتقاء بلا أرض. والأذلّاء يضمحلّون أمام الأعزّاء والذين يكسبون الأرض يهلكون الذين لم يعرفوا أن يحافظوا عليها. الوصول إلى السماء يقتضي ارتقاء لا انحطاطاً. السماء بالعزّ لا بالذلّ، فصونوا بلادكم عزيزة واحفظوا أرضكم ففيها السماء والخلود!».


كان يقول لي «يجب دائماً أن تعيد قراءة سعادة، فكتبه متجددة الحياة، كلّما قرأناها شذّبتنا، وأزهرت فينا بمعان أعمق وأنضج». «كلما الليل حلك، في خيْل عبّى الليل ولبسه عبا». كم فرحت حين زرته لأشكر له حضوره حفل توقيع كتابي الأول «كِذبِة صَدَف» وسمعته قبل أن يراني، يردد هذه العبارة من الكتاب مشذّباً الورود في حديقته، يهيّئها لتجدد أجود في الربيع الآتي. في زيارتي الأخيرة له، قبل رحيله، سألته، كعادتي، عن الكتاب الذي يقرأه، أجابني: «أعيد قراءة سعادة».


نرحل،

منّا من يتركُ فراغاً ومنّا من يتركُ فراغاً ممتلئاً. فأيّ فراغ ممتلئ يتركه من جمع في شخصه، رقي الفكر، وروح الشباب، ونظافة الكفّ، وإنسانية القيم، وعشق الأرض والطبيعة. قرّر الأمين غسان أن يرحل من دون أن يحنيَ رأسه، حتّى لدخول الباب المربَّع. رحل مُتَجذّراً في أرضه، واقفاً كالسنديان في بِلادنا، مُتحدّياً كلّ العواصفَ، بالعزّةِ مُنتصراً على الموت. كما زرع الأمين غسّان الورود في حديقته الصغيرة، زرع الحبّ والخير في الحديقة الأكبر، ليرحل ويبقى حاضراً في غيابِه، خالداً في أجمل المعاني التي زرعها.

 

 
التاريخ: 2022-09-06
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
المصدر: جريدة الأخبار - بيروت، 6/09/2022
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2022 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro