لم يكن سعاده يعتقد أن المجتمع يتوحد بمجرد الدعوة إلى الوحدة، أو بإصدار القوانين والأنظمة، لأن الوحدة الحقيقية لا تُفرض من الخارج، بل تنشأ من رابطة داخلية تجعل أبناء المجتمع يشعرون بأنهم يشتركون في حياة واحدة ومصلحة واحدة ومصير واحد. ولهذا رأى أن النهضة تحتاج إلى قوة نفسية واجتماعية جديدة تحل محل العصبيات التي مزقت الأمة، وأطلق على هذه القوة اسم العصبية القومية.
ولم يقصد سعاده بالعصبية القومية تعصباً أعمى أو شعوراً عدائياً تجاه الآخرين، بل رابطةً اجتماعيةً واعية تنبع من إدراك وحدة الأمة، وتجعل مصلحة المجتمع فوق المصالح الطائفية والمذهبية والعشائرية والفردية. فهي العصبية التي توحد ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، لأنها تستمد قوتها من وحدة الحياة والمصلحة، لا من الانغلاق أو الكراهية.
ومن هنا اعتبر أن النهضة القومية الاجتماعية جاءت لتحل العصبية القومية محل العصبيات القديمة التي استنفدت دورها التاريخي وأصبحت سبباً في انقسام المجتمع وتعطيل تقدمه. فالأمة لا تستطيع أن تواجه الأخطار الخارجية، ولا أن تبني دولة قوية أو اقتصاداً منتجاً، إذا بقي أبناؤها موزعين بين ولاءات متنافسة تتقدم على الولاء القومي.
ولهذا لم تكن العصبية القومية مجرد شعور وجداني، بل قوة محركة للمجتمع كله، لأنها توحد الإرادة، وتجمع الطاقات، وتوجهها نحو غاية واحدة. ومن هنا أصبحت، في المشروع النهضوي، الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الجديد، والضمانة التي تحفظ وحدته واستمراره.