الأوَّلُ من آذار هو عيدُ مولدِ فتى الربيع، أنطون سعاده، باعثِ نهضةِ الأُمّةِ وفيلسوفِها، ورائدِ الإصلاحِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ والمناقبيِّ، الذي صاغَ نظرةً جديدةً إلى الحياةِ والكونِ والفنّ، ودعا الأدباءَ والشعراءَ السوريينَ إلى الأخذِ بها لينتجوا، على ضوئها، أدبًا جميلًا رفيعًا، يشعُّ بالحبِّ والحكمةِ والأمل، ويُعبِّرُ عن مثلِنا العليا وأمانينا. وهذا العيدُ اكتسبَ أهميّتَه من حدثينِ بارزينِ في تاريخِنا الحديث:
الحدثُ الأوّل هو تأسيسُ القضيّةِ القوميّة عام 1932 في حركةٍ مجتمعيّةٍ ثقافيّةٍ صراعيّة، غايتُها توضيحُ حقيقةِ الأُمّةِ وتوحيدُ اتّجاهِها، وإنهاضُها من كبوتِها، واسترجاعُ حقوقِها السليبة، وإعادةُ مسيرتِها في الفعلِ الحضاريّ والإبداعِ الثقافيّ، وبناءُ دولتِها الحرّةِ المستقلّة لتصونَ مصلحةَ الأُمّةِ والوطن، ولتهتمَّ بمصالحِ الشعب، وتسيرَ به إلى مراقي العزِّ والخيرِ والتقدّمِ والفلاح.
والحدثُ الثاني هو استشهادُ المؤسِّس والقائدِ المثاليِّ الجريء في الثامن من تموز عام 1949، خاتمًا رسالتَه بدمِه بوقفةِ عزٍّ بطوليّة، محقِّقًا انتصارَه على الباطل، ومؤكِّدًا صحّةَ مبادئِه، لتستمرَّ ثورتُه القوميّةُ الاجتماعيّة متوهّجةً وفاعلةً في النفوس.
وبفضلِ هذينِ الحدثينِ العظيمين، وما أنتجه سعاده من أفكارٍ سامية، وما حقّقه من أعمالٍ خالدة، تحوَّلَ عيدُ ميلادِه من عيدٍ شخصيٍّ إلى عيدِ أُمّةٍ جمعاء، وولادةِ وعيِها الأصيلِ لحقيقتِها، وانبثاقِ فجرِها الجديد، معلنًا إشراقةَ شمسِ الحقّ والحرّيّة والنور، وإطلالةَ ربيعِها الحقيقيِّ الجميل، ربيعِ الخصبِ والدفءِ والجمال.
الأوَّلُ من آذار هو عيدُ الزعيم الذي أعطى الأُمّةَ ما يخصُّها؛ هو البدايةُ لقيامِ حياةٍ جديدةٍ مليئةٍ بمواسمِ الخير، وهو انطلاقُ شعلةِ النهضة التي جاءت لتحرقَ من أتى بها ومن يقف في سبيلِها، ولتضيءَ ظلماتِ الأُمّةِ ولياليَها السوداء، فتتحقّقَ قيامتُها من قبرِ التاريخ، وتشرقَ عليها شمسُ الحقّ والحرّيّة والنظام والقوّة.
والأوَّلُ من آذار يعني انبثاقَ النورِ هاديًا، والفجرَ الجديدَ آمالًا وطموحات، ويعني الولادةَ من رحمِ الأُمّةِ المعطاء:
- ولادةَ النبوغِ في عقلِ إنسانٍ استوعبَ التاريخَ والتراثَ والفلسفةَ والمعارفَ والعلوم، وعبَّرَ عن إرادةِ الأُمّةِ وأمانيها، وراح يخطّطُ لمستقبلِها ولسبلِ ارتقائِها وصعودِها إلى المجد.
- وولادةَ العبقريّةِ بشخصِ أنطون سعاده – الفتى؛ فتجلَّت هذه العبقريّةُ بعملٍ عظيمٍ قام به في عزِّ شبابِه، وتمثَّلَ بفكرةٍ وحركةٍ غايتُهما بعثُ نهضةٍ في الأُمّة ورفعُ مستوى حياتِها وإعادتُها إلى سابقِ قوّتِها وأمجادِها الحضاريّة. وقد عبَّرَ سعاده عن ذلك بقوله: «إنَّ إنشاءَ المؤسّساتِ ووضعَ التشريعِ هو أعظمُ أعمالي بعد تأسيسِ القضيّةِ القوميّة».
- وولادةَ النورِ الساطعِ الذي بدأ يُرسلُ بإشعاعاتِه على مساحةِ الوطن، مبدِّدًا ظلماتِ الشكِّ والجهلِ والتخلّفِ والانحطاطِ بالمعرفةِ والعقلِ واليقين، وباعثًا الدفءَ والخصبَ والحبَّ والجمال.
الاحتفاءُ بعيدِ الأوَّلِ من آذار لا يعني تكريمًا لسعاده الفرد، بل لسعاده الفكرِ ورجلِ القضيّة؛ سعاده مؤسِّسِ النهضةِ وقائدِها ومعلِّمِ الأُمّةِ السورية ومنقذِها. سعاده القدوة الذي شكَّل مدرسةً في الأخلاق تُربّي الأجيالَ على حبِّ الوطن، ونبذِ كلِّ المفاسدِ والعصبيّاتِ والانقساماتِ التي تُمعنُ تمزيقًا وتفتيتًا في المجتمع.
الاحتفاءُ بالأوَّلِ من آذار ليس مناسبةً نُكرِّسُ فيها مراسيمَ طقسيّة، بل هو مناسبةٌ للفرحِ القوميّ والوئامِ الاجتماعيّ، وفرصةٌ لدفعِ التفاعلِ الفكريّ بيننا، ولإحياءِ الفعلِ الثقافيّ في أوساطِنا، لتعمَّ المعرفةُ وتنتشرَ المبادئُ الجديدة التي تُشكِّلُ قواعدَ ارتكازٍ وانطلاقٍ لحياةِ العزِّ والتقدّمِ والفلاحِ التي نصبو إليها.