يقول الأديب السوري جبران خليل جبران: "الربيع جميل في كلّ مكان، ولكنّه أكثر من جميل في سورية."[1]
وكيف لا يكون الربيع أكثر جمالًا في هذه الأرض الخصبة، وفي مطلع أيّامه وُلد فتى الربيع؟
كيف لا يفيض نيسان دفئًا وخيرًا وجمالًا، ولا تتفتّح الأزهار معنى، وقد أطلّ مع أوّل آذار مولد إنسان حمل في قلبه سرّ الحياة التي رآها عزًّا وشرفًا، وأطلق في أمّته وعد النهوض؟
في الأوّل من آذار عام 1904، لم تبدأ حياة فردٍ فحسب، بل انبثق فجرٌ جديد في وجدان أمّة. وُلد أنطون سعاده كما يولد الربيع: هادئًا في بدايته، عميقًا في أثره، شاملًا في امتداده. لم يأتِ ليضيف اسمًا إلى سجلّ الأسماء، بل ليعيد تعريف الإنسان في أمّته، وليوقظ فيها الوجدان والإيمان بذاتها بعد طول سبات.
الأوّل من آذار ليس ذكرى شخصيّة، بل عيدٌ للفرح القومي. هو لحظة تتجدّد فيها الثقة بأنّ هذه الأمّة قادرة على الحياة، وأنّ في أعماقها من النبوغ والخصب ما يكفي لتعود وتزهر مهما اشتدّت عليها الأعاصير. في هذا اليوم، لا نحتفل بشخصٍ مضى، بل بروحٍ حيّة ما زالت تعمل فينا، تدفعنا إلى العمل بعزمٍ وتفانٍ وإخلاص، وإلى السير معًا بخطى ثابتة وإيمانٍ لا يتزعزع بعقيدةٍ جليّة تساوي وجودنا، ومن أجلها نقف وننتصر جميعًا.
لقد أحبّ سعاده أمّته حبًّا كبيرًا، حبًّا لم يكن عاطفةً عابرة، بل مسؤوليّةً يوميّة ونذرًا كاملًا للحياة. لم يتوانَ يومًا عن تحمّل الآلام والتضحيات في سبيلها. آمن بأنّ النهضة ليست حلمًا مستحيلًا، بل فعلًا ممكنًا حين يتحوّل الإيمان إلى عمل، وحين يلتقي الوعي بالإرادة. لذلك دعا إلى إنسانٍ جديد، إلى نفسٍ تتحرّر من الخوف والتردّد، وتنهض بالأخلاق والمناقبيّة، وتؤمن بأنّ الحياة تُصان بالصراع من أجل الحقّ والخير والجمال.
ومن هنا، صار الأوّل من آذار عيدًا للوحدة الروحية بين أبناء النهضة، وعيدًا للأمل الذي لا يموت. هو يومٌ تتلاقى فيه القلوب على معنى واحد: أنّ هذه الأمّة ليست محكومةً بالانكسار، بل مدعوّة إلى الانتصار، وأنّ ما زرعه فتى الربيع من تعاليم حيّة سامية ما زال ينبت في النفوس عزيمةً وإيمانًا.
في كلّ ربيع، تتجدّد الطبيعة وتلبس الأرض حلّتها الخضراء. أمّا في الأوّل من آذار، فتتجدّد فينا إرادة الحياة نفسها. نتذكّر أنّنا أبناء أمّةٍ عريقة، وأنّ فينا قدرة على البناء والنهوض، وأنّ الطريق التي شقّها سعاده لم تُخلق لتُروى في الكتب، بل لتتجسّد في العمل والنضال.
إنّه عيد الفرح القومي، لأنّه عيد الإيمان بالحياة؛ عيد الإنسان الذي آمن بأمّته، وآمنت به أمّته؛ عيد الربيع الذي لا يذبل، ربيع الأمل والحبّ والجمال، لأنّه مزروع في أعماق النفوس.
وهكذا، كلّما أقبل الأوّل من آذار، لا نكتفي بأن نقول: هنا وُلد فتى الربيع، بل نقول: هنا بدأت أمّة تتعلّم من جديد كيف تنهض، وكيف تحيا بحرية، وكيف تنتصر… وتسير إلى المجد.
[1] جبران خليل جبران، الأجنحة المتكشرة، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2012، ص 12.