حياته وأبرز أعماله:
يوسف العظمة (1884-1920) ضابط سوري وأول وزير حربية في الحكومة العربية في سوريا "بلاد الشام". تخرج من المدرسة الحربية في إسطنبول، وخدم في الجيش العثماني ثم انضم إلى الثورة العربية الكبرى. بعد تأسيس الحكومة العربية في سوريا، عُين وزيراً للحربية في حكومة الملك فيصل الأول، وقام بإعادة تنظيم الجيش السوري وتدريبه.
هل كان عضواً في جمعية العهد؟
نعم، كان يوسف العظمة عضواً في جمعية العهد، وهي جمعية سرية عسكرية عربية تأسست عام 1913، من قبل ضابط مصري مسرّح من الجيش العثماني اسمه عزيز علي بإعاذ من المخابرات البريطانية، أهدافها المعلنة تحرير بلاد الشام وجزيرة العرب من الحكم العثماني بقيادة الشريف حسين. اغرت هذه الأهداف ضباط بلاد الشام المسرحين من الجيش العثماني بالانضمام اليها وكذلك عدد من الضباط غير المسرحين وكان يوسف العظمة واحدا منهم. وكان صهراً لجمال باشا (أحد قادة الاتحاد والترقي) عن طريق الزواج من أخته، وهذا ما أعطاه موقعاً متميزاً ولكنه لم يمنعه من الانتماء للثورة العربية.
رفض يوسف العظمة قبول إنذار الجنرال غورو الذي طالب بحل الجيش السوري وتسليم الأسلحة. رغم أن الحكومة السورية قررت قبول الإنذار تجنباً للمواجهة، إلا أن العظمة عارض هذا القرار بشدة واستقال من منصبه احتجاجاً.
استطاع جمع مقاتلين لمعركة ميسلون .
رغم حلّ الجيش النظامي رسمياً، تمكن العظمة من:
- تجنيد متطوعين من الضباط والجنود السابقين
- تعبئة المتطوعين من المدنيين المؤمنين بالقضية الوطنية
- الاستعانة ببعض وحدات الجيش التي بقيت مخلصة له رغم الأمر الرسمي بحلها
- كان عدد مقاتليه حوالي 3000-4000 مقاتل فقط ضد جيش فرنسي مجهز بالكامل
ترجمات وإسهامات يوسف العظمة في العلوم العسكرية:
تخرج يوسف العظمة من المدرسة الحربية العثمانية (مكتب حربيه) في إسطنبول عام 1906، ثم من كلية الأركان (أكاديمية أركان حرب) العثمانية عام 1909. هذه الكليات كانت مستوحاة من النظام الألماني ويدرس بها مستشارون عسكريون ألمان، وكانت اللغة التركية العثمانية هي لغة التدريس.
قام يوسف العظمة بترجمة عدة كتب عسكرية من التركية العثمانية إلى العربية التي كانت نفسها مترجمة او معادة الصياغة عن الأصل الالماني أثناء عمله كضابط أركان في الجيش العثماني، وبشكل خاص خلال خدمته في دار الفنون الحربية من عام 1909 - 1918 (المدرسة العسكرية) في دمشق حيث كان يُدرِّس. كان هدفه الأساسي هو توطين العلوم العسكرية الحديثة وتدريسها للضباط العرب بلغتهم.
ج- النشر والتطبيق: ما حصل في الفترة (1918-1920) هو مراجعة ونشر وتطبيق هذه الكتب المترجمة سابقاً كمناهج عند قيامه بإعادة تنظيم الجيش السوري الفيصلي وتدريبه. هو استفاد من مخزونه العلمي السابق لبناء الجيش الجديد.
د- من أبرز الكتب التي ترجمها أو وضعها:
- "علم تدبير المعاش": وهو ترجمة لكتاب عسكري متقدم يتناول الإدارة العسكرية واللوجستيات.
- "دليل الرسم للمشاة": يتعلق بالرسوم التكتيكية والخرائط العسكرية.
- "خدمة الميدان في الحرب": وهو دليل عملي لخدمة الميدان والاستطلاع.
- "دليل التعبية للوحدات": كتاب يتناول كيفية تعبئة وتشكيل الوحدات العسكرية في المعركة.
- "تعليم الرمي للمشاة".
- "الواجبات العسكرية في الميدان".
السياق والأهمية:
التحديث والتوطين: جاءت هذه الترجمات في فترة حرجة بعد انهيار الدولة العثمانية، حيث سعت الحكومات العربية الناشئة (وخاصة في سوريا) إلى بناء جيوش نظامية حديثة. كانت هذه الكتب بمثابة مناهج تعليمية أساسية للضباط والجنود العرب، لتعويض النقص في المراجع العربية المتخصصة.
الجسر المعرفي: مثل العظمة جسراً لنقل المعرفة العسكرية المنظمة من التركة العثمانية (التي كانت قد استوعبت بدورها الخبرات الأوروبية، وخاصة الألمانية) إلى الجيش العربي السوري الناشئ.
الشاهد على العقلية التنظيمية: تظهر هذه الإسهامات أن يوسف العظمة لم يكن قائداً ميدانياً شجاعاً فحسب، بل كان منظِّراً عسكرياً ومُثقفاً تنظيمياً يسعى لبناء مؤسسة عسكرية سورية قائمة على العلم والانضباط. هذا الجانب يكمل صورته كبطل معركة ميسلون، ويفسر ثقته بقدرته على إعادة تنظيم الجيش وتحصينه رغم الإمكانيات المحدودة.
لماذا قد تُغفل هذه النقطة؟
في الرواية التاريخية الشعبية، غالباً ما يتم التركيز على بطولة اللحظة الأخيرة والتضحية (ميسلون) على حساب الإسهامات الفكرية والتنظيمية الطويلة المدى. أصبح يوسف العظمة في الذاكرة الجماعية رمزاً للاستشهاد، بينما طُمس جزئياً دوره كرجل دولة ومنظّر عسكري سعى لبناء مؤسسات حديثة.
هذا الاستعراض الدقيق، يُسلّط الضوء على بعدٍ مهمٍّ ومُهمَلٍ غالباً في سيرة هذا القائد الوطني، ويظهر أن مقاومته للاحتلال كانت مبنية على علم ومعرفة، وليس فقط على حماس وطني.
الخلاصة: كان يوسف العظمة ضابطاً مثقفاً ومعلماً عسكرياً (وهو جانب يُغفل غالباً) قبل أن يكون وزيراً وقائد معركة. جهوده في الترجمة كانت جزءاً من حركة "تعريب المعرفة العسكرية" بين الضباط العرب في أواخر العهد العثماني، والتي توجت باستخدام هذه المعرفة لخدمة الدولة السورية العربية الناشئة.
معركة ميسلون (24 يوليو 1920): التفاوت العسكري والإنجاز التكتيكي
التفاوت الهائل في القوة والمعدات:
الجيش الفرنسي (بقيادة الجنرال مارينو غوابيت):
العدد: حوالي 9,000-12,000 جندي نظامي محترف
التسليح:
قوات يوسف العظمة:
العدد: حوالي 3,000-4,000 مقاتل (معظمهم متطوعون غير نظاميين)
التسليح المحدود للغاية:
الخسائر التي أنزلها بالفرنسيين:
الأرقام التاريخية (حسب المصادر المختلفة):
الخسائر البشرية الفرنسية:
خسائر العتاد والآليات:
الإنجاز التكتيكي الملحوظ رغم الهزيمة الاستراتيجية:
1- تأخير التقدم الفرنسي: أجبرت المقاومة الفرنسيين على القتال لمدة 5-6 ساعات (من الفجر حتى بعد الظهر) لاجتياز مسافة لا تتجاوز 20 كم
2- صدمة معنوية للفرنسيين: كانت الخسائر غير متوقعة في مواجهة جيش يعتبرونه "غير نظامي"
3- استخدام الجغرافيا بمهارة: رغم ضعف الإمكانيات، اختار العظمة مواقع دفاعية في الممرات الجبلية الضيقة (ممر ميسلون) التي قللت من ميزة التفوق الفرنسي في العدد والعتاد
التحليل العسكري للخسائر الفرنسية رغم التفاوت:
كيف ألحق العظمة هذه الخسائر؟
- عنصر المفاجأة: لم يتوقع الفرنسيون مقاومة بهذه الشراسة بعد قرار الحكومة السورية بالقبول بإنذار غورو
- القتال من مواقع مرتفعة: استغل التضاريس الجبلية للتعويض عن نقص العتاد
- القتال عن قرب: مما قلل من فعالية المدفعية الفرنسية
- استهداف نقطي للدبابات: في الممرات الضيقة حيث لا يمكن للدبابات المناورة
خسائر الجانب السوري:
- استشهاد يوسف العظمة نفسه في ساحة المعركة
- حوالي 400-600 شهيد من المدافعين (نسبة عالية جداً مقارنة بعددهم)
- إصابة أو أسر معظم البقية
التقييم التاريخي والعسكري:
معركة ميسلون، رغم نتيجتها المحتومة، حققت ما يلي:
- إثبات الإرادة السورية كما وصفها سعاده، حيث فضل العظمة الموت بشرف على الاستسلام المهين
- إلحاق خسائر مادية ومعنوية بالجيش الفرنسي فاقت كل توقعاته
- تأريخ يوم وطني للمقاومة أصبح رمزاً لتحدي المحتل رغم عدم التكافؤ
- كشف حقيقة النوايا الفرنسية الاستعمارية، مما ألهب المشاعر الوطنية في سوريا والعالم العربي
الخلاصة: كانت المعركة مثالاً على كيف يمكن للإرادة والتضحية أن تلحق خسائر ملموسة بأقوى الجيوش، وأن الهزيمة العسكرية لا تعني بالضرورة هزيمة معنوية أو سياسية. تضحية العظمة ورجاله زرعت بذرة المقاومة التي استمرت عبر سنوات الاحتلال الفرنسي.
لماذا اعتبره سعاده من القادة المحاربين العظام؟
اعتبر أنطون سعاده، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، يوسف العظمة من القادة العظام لأنه:
- وقف بوجه أعتى قوة استعمارية في ذلك الوقت رغم عدم التكافؤ
- ضحى بحياته دفاعاً عن سيادة سوريا واستقلالها
- مثَّل الإرادة السورية في مواجهة الإرادة الفرنسية الاستعمارية
- كان رمزاً للتضحية والفداء الوطني بغض النظر عن النتيجة العسكرية
الإلهام الذي يعطيه للسوريين حسب رأي سعاده:
رأى سعاده أن يوسف العظمة يقدم للإنسان السوري إلهاماً:
- روح التحدي: التصدي للقوى الكبرى دفاعاً عن الكرامة الوطنية
- الثبات على المبدأ: رفض المساومة على السيادة الوطنية حتى لو كانت المواجهة غير متكافئة
- التضحية من أجل القضية: الاستعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل الوطن
- رمز الوحدة الوطنية: حيث جمع حوله السوريين بمختلف انتماءاتهم ضد المحتل
خلاصة:
يوسف العظمة أصبح أيقونة للنضال الوطني السوري، ورمزاً للتضحية في سبيل الاستقلال. معركة ميسلون (24 يوليو 1920) التي استشهد فيها كانت بداية الاحتلال الفرنسي لسوريا، لكنها أيضاً أصبحت رمزاً للمقاومة والكرامة الوطنية في الوعي الجمعي السوري.