مقالات
سعاده في مواجهة الخيانة الحلقة الثانية عشرة (12) - خيانة الثورة في لحظة الحسم: الطعنة من الداخل
يتجلى مفهوم خيانة الثورة في فكر سعاده من خلال تحليله العميق للانشقاقات والتآمر الداخلي الذي مست كيان الحزب. فمن خلال تتبعه لقضايا خيانة فايز صايع ونعمة ثابت ومأمون أياس وغيرهم، يتبين أن سعاده كان يرى أن أخطر أنواع الخيانة هو ذلك الذي يأتي في "لحظة الحسم" التاريخية، حين تكون حياة الأمة ومصير النهضة على المحك.
وقد وصف هذا النوع من الخيانة في سياقات مختلفة بأنه "الطعنة من الخلف" التي تهدد كيان الحركة بأكمله، لأن الخائن "يضرب الحركة من داخلها في مقتل". مؤكداً أن "خيانة هؤلاء هي من الخطورة بمكان لأنها جاءت في لحظة تاريخية حاسمة... لقد حاولوا ضرب الحزب من داخله في مقتل".
ويستشهد سعاده في تحليله للخيانة بما جرى مع ما سمي بالمركزيين، قائلاً: "وبعد حصول الضجة بعد وصولي وأنا في إبّان المعركة، ماذا كان موقف هؤلاء 'المركزيين'؟، بلا داعٍ للدهشة، لم يكن موقفهم الالتفاف حول الزعيم ولا الاشتراك في الحملة القومية الاجتماعية على الأعداء، فلم يكتب واحد منهم مقالة واحدة ولا خطب خطاباً واحداً في هذا الموضوع، بل كان موقفهم تبنّي نظرة الأعداء والحملة على الزعيم في الداخل والخارج، حملة مستورة، والسعي سرًّا في شبه مؤامرة صريحة، لإقناع أعضاء المجلس الأعلى... بوجوب تعديل الدستور وتقييد الزعيم".[1]
وكان حله لهذا الداء يتمثل في "تنقية الصفوف" و"قطع دابر الخيانة". فالثورة الحقيقية، في نظره، تنظف صفوفها كما ينقي الحصاد القمح من الزؤان، ولا مجال للمساومة مع الخونة، لأن التسامح مع الخيانة هو بداية انهيار الثورة.
وقد طبّق سعاده هذا المبدأ عملياً منذ المراحل التأسيسية للحزب. ففي مقال له عام 1942 بعنوان "آخرة المنافقين"، يذكر أن "المدعو شارل سعد كان أول شخص صدر قرار من الزعيم بطرده من صفوف الحزب" مع أخيه وبعض أعضاء زمرته. وقد كانت التهم الموجهة إليهم "سوء الائتمان والتآمر على دستور الحزب وخدمة أغراض شخصية"
.[2]
ويكشف سعاده عن صورة من صور خيانة شارل سعد العميقة، حين "ألقى خطاباً متزلفاً أمام الجنرال الفرنسي" الذي زار منطقة الشوف، معلناً أن هذا الموقف الذليل "عملٌ لا يأتيه من في قلبه ذرّة من الإباء القومي وشرف الأخلاق... إنّ هذه المواقف الذليلة هي للخائنين فقط.!"[3]
ولم تكن هذه الإجراءات مجرد ردود فعل، بل كانت ركيزة من ركائز بناء الحزب. ففي مقال "نظرة الحزب السوري القومي الإدارية في أوروبا"، يؤكد سعاده أن الحزب "يقوى ويتراص بنيانه بإزالة العناصر المفسدة"[4]، معتبراً أن طرد شارل سعد وزمرته كان "من جملة العوامل الهامّة في متانة وحدة الصفوف القومية الاجتماعية" ورفعها من الحضيض الذي أوقعها فيه العهد الانحطاطي.
وفي رسالة وجهها إلى إبراهيم طنوس بتاريخ 02/08/1940، يتحدث سعاده عن الخيانة الصريحة والجرائم ضد الحركة القومية التي ارتكبها خالد أديب ومعه حسني عبد المالك وجبران سابا والتي وصفها بجراثيم النفسية العتيقة ومثالبها ويقول: "تنقية الحركة من هذه الجراثيم والمثالب، منذ البدء، يجب أن يكون مدعاة لتقوية العزائم لا لتثبيط الهمم، لأن أساس كل قوة مجموعية هو وحدة الروحية ووحدة الصفوف، وبدون حصول هذه الوحدة تعظم الخشية من الفشل. ومداواة الفساد بستره عن العيون، بدلاً من استئصاله وتطهير الأوساط منه، طب قديم قد أهمله الإنسان لعدم فائدته."[6]
يتبع
[1] رسالة سعاده إلى رفيق الحلبي، 22/06/1947.
[2] آخرة المنافقين، الزوبعة، بيونس آيرس، العدد 44، 15/5/1942.
[3] المرجع ذاته.
[4] نظرة الحزب السوري القومي الإدارية في أوروبا، الزوبعة، بيونس آيرس، العدد 46، 15/6/1942.
[5] المرجع ذاته.
[6] رسالة الى إبراهيم طنوس، 02/08/1940.