مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
ناحية من الحرب السياسية بعد الحرب
 
 
 
الزوبعة، بوينس آيرس، العدد 77، 15/4/1944
 

نعتقد أنّ أبلغ وصف لأسباب هذه الـحرب العالـمية الثانية ومراميها هو الوصف الذي أبداه زعيم الـحزب السوري القومي في نبوءاته السابقة عن هذه الـحرب وبعد حدوثها. قال الزعيم إنّ هذه الـحرب هي حرب مصالح لا حرب مبادىء كما يحاول الـمتحاربون إيهام الشعوب. إنها نزاع على الـموارد الاقتصادية والـمواد الأولية في العالم بين دول تـحاول نيل غنيمة جديدة من هذه الـموارد والـمواد تخوّلها رفع مستوى حياتها وزيادة قوّتها، ودول تريد الاحتفاظ بكل ما في أيديها من هذه الأسباب والاستزادة منها.


ضمن دائرة هذه الـحقيقة تتصارع النظريات والـمبادىء والعقائد ليس فقط فيما بين الامـم الـمتحاربة، بل بين الأمـم الـمتحالفة أيضاً التي لا تـجد في تـحالفها ضد عدو مشترك ما يوجب عليها التنازل عن مطامح ومرامي سياسية واقتصادية تتعلق بالتصفية السياسية - الاقتصادية لهذه الـحرب الطاحنة.


ضمن هذه الدائرة جرت محادثات برلين ورومة قبيل هذه الـحرب وفي أوائلها، حين كان النصر يلوح ويبسم في أوروبة لهاتين الدولتين. وضمنها جرت محادثات موسكو وطهران بين روسية وأميركانية وبريطانية ومحادثات لندن الأخيرة بين الوزير الثاني لوزارة خارجية أميركانية ورجال حكومة بريطانية، أولاً، وبين رؤساء وزارات بريطانية والأمـم التابعة للتاج البريطاني.


إنّ محادثات موسكو وطهران التي قالت فيها الـحركة السورية القومية الاجتماعية رأيها الأولي كانت هامة جداً لأنها تناولت، بلا ريب، الـخطوط الكبرى لسياسات الدول الكبرى الثلاث التي اشتركت فيها والتي ستكون أقطاب السياسة الإنترناسيونية بعد هذه الـحرب إذا كان النصر الأخير فيها لها.

مع أنّ بريطانية وأميركانية تفاهمتا على الـموقف السياسي قبل مؤتـمر موسكو فإن تفاهمهما لم يشمل سوى الـمسائل السياسية والاقتصادية الـمتعلقة بشرق أوروبة وشمالها وجنوبها وبعض غرب آسية، إلى الـمناطق التي تريد السياسة الروسية أن يكون لها دخل مباشر فيها.


لم يعنِ تفاهم بريطانية وأميركانية في صدد الـموقف السياسي تـجاه مطاليب روسية أنهما متفاهمتان على جميع الـمسائل والقضايا السياسية والاقتصادية الإنترناسيونية التي لكل منهما مصالح هامة فيها. وقد ظهر الاحتكاك والتضارب بين مصالح هاتين الدولتين في قضايا استغلال آبار النفط في سورية وخليج العجم والعُربة وإيران. وظهر ذلك أيضاً في مسائل متعلقة بشؤون بعض أمـم الثروة أو «الفيء الـمشترك» (هو تعبير إنكليزي يطلق على مجموعة الأمـم البريطانية التابعة للتاج) فإن عجز بريطانية الأم عن حماية أسترالية وزيلندة الـجديدة في الـمحيط الهادىء، وقيام أميركانية بإمدادها بالعتاد الـحربية والرجال للوقوف في وجه الهجوم الياباني، ووجود كندا في الفضاء الأميركي الذي تهيمن فيه السياسة الأميركانية وجدت مسائل اضطرت السياسيين البريطانيين إلى عرضها في خطب عمومية، أهمها، في هذا الصدد، خطب وزير خارجية بريطانية، أنطوني إيدن في أميركانية وكندا بـمناسبة زيارته الأخيرة لهما.


ثم ظهر تصادم آخر بين مصالح بريطانية وأميركانية في قضايا الـمسالك الـجوية ومحطات الطيران الـمدني أو التجاري.
يهمنا من هذه الشؤون، في الدرجة الأولى، ما له علاقة بـمصير أمتنا ووطننا. وبعد محادثات موسكو وطهران تأتي في الدرجة الأولى من الأهمية محادثات لندن التي أجرتها في الشهر الـماضي بعثة الوزير الثاني لوزارة خارجية أميركانية السيد إستتينيوس. وتهمنا هذه الـمحادثات بصورة خاصة لـمجرّد أنّ مدير مكتب شؤون الشرق الأدنى وأفريقية في وزارة خارجية الولايات الـمتحدة، السيد ولسن موراي، كان من جملة أفراد تلك البعثة.فما لا شك فيه أنّ عزم أميركانية على مد أنابيب نفط من خليج العجم إلى سورية، عبر العُربة، يجعل لـمصالح الولايات الـمتحدة تدخلاً فعلياً، مباشراً في شؤون الشرق الأدنى السياسية. وفي ذلك من الاحتكاك أو التصادم بين سياسة بريطانية وسياسة أميركانية ما لا يـمكن إخفاؤه.


ولا مشاحة في أنّ سورية نظراً لغناها في الـمواد الكيماوية الصناعية والنفط وبعض الـمعادن، ونظراً لأهمية موقعها في خطوط الـمواصلات البحرية والـجوية والبرية ستكون، بعد هذه الـحرب الطاحنة، من أهم ميادين العراك السياسي - الاقتصادي في العالم. لا يـمكن دولة طامحة إلى لعب دور سياسي - اقتصادي أولي في شؤون العالم إغفال سورية في تخطيطها السياسي أو إهمالها.
كانت سورية بعد الـحرب الـماضية، الـمركز الذي اشتد فيه التصادم والتنازع السياسي والاقتصادي بين بريطانية وفرنسة. وستكون سورية بعد هذه الـحرب العالـمية الثانية، الـموقع الذي سيشتد فيه التزاحم والتنازع بين بريطانية وأميركانية وروسية - هذا في حالة حصول النصر النهائي في هذه الـحرب لهذه الدول الكبيرة. وكلما تقدمت هذه الدول نحو النصر الأخير ازدادت وضوحاً وقوة الـمشاكل السياسية التي ستنشأ لها - لكل منها - في سورية وفي مراكز أخرى في العالم. وبقدر خسارة بريطانية وأميركانية من السلطة والـمصالح الاقتصادية في الصين وجزر الهادىء الكبرى، سيشتد اهتمامها بالتعويض عن هذه الـخسارة في أنحاء أخرى، أهمها سورية الـمجزأة والشرق الأدنى.


لم تكن نصائح وندل ولكي وتعيين أميركانية معتمداً سياسياً لدى حكومتي الشام ولبنان سوى الـخطوات الأولى لترقية أهمية سورية والشرق الأدنى في نظر السياسة الأميركانية.
ويـمكن أن نلخّص تنبؤنا بالقضايا السياسة الـمقبلة في سورية على هذه الصورة:
تستند السياسة الأميركانية في سورية على تأييدها مشروع الدولة اليهودية في فلسطين، وعلى حماية الـمخاوف الـمسيحية في لبنان.


وتستند السياسة البريطانية على تفاهمها الـجديد مع حزب الوفد الـمصري والـحكومة العراقية لإيجاد أي شكل من أشكال التحالف، أو الاتفاق العربي الظاهري لـجذب أكثرية سورية الـمحمدية إلى هذا التيار السياسي البريطاني بينما تـحافظ، ما أمكن، على التعاون اليهودي.


وتستند روسية إلى مشاكل الـجماعات العرقية في سورية، فضلاً عن الدعاوة الشيوعية، ليكون لها دخل مباشر أو شبه مباشر في حالة سورية السياسية. ويجب أن لا نغفل أهمية الـحدث الروسي الـجديد الذي أعلنته الأنباء البرقية منذ أسابيع، ألا وهو عزم روسية على توثيق علاقاتها السياسية بـمناطق الشرق الأدنى بإنشائها تـمثيلاً سياسياً للجمهورية السوفييتية الأرمنية تـجاه حكومتي لبنان والشام.

 

هذه باختصار، هي وجوه القضايا السياسية التي ستواجهها سورية القومية الاجتماعية بعد انتهاء هذه الـحرب.
ولسنا ندري كم عدّلت منها محادثات إستتينيوس في لندن ولا كم ستعدّل منها الـمحادثات التي ستأتي بـمناسبة مؤتـمر الصلح الـمقبل وقبله وبعده.
وإذا حدثت مفاجآت حربية ليست في الـحسبان، وتـمكنت من تغيير مجرى الـحرب الـمتجه الآن لـمصلحة بريطانية وأميركانية وروسية فيكون لذلك حديث آخر.

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro