مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها (1)
 
 
 
الزوبعة، بوينس آيرس، العدد 83، 22/01/1945 والعدد 84، 26/03/1945
 

 

 

 

آخر الـملعونين الذين سقطوا من الـحزب السوري القومي لانفضاح سوء طويتهم ومثالبهم هو: الـمدعو جبران مسوح. وهذا الشخص الذي بقي إلى آخر ساعة - ساعة طرده الزعيم من حضرته في الـمحل التجاري أمام شهود من الناس سوريين وأجانب - يتظاهر بالغيرة على النظام القومي الاجتماعي والتفاني في سبيل الزعيم وسلامته، لم يختلف عن الذين سقطوا قبله في شيء. مثل كل واحد منهم صار ينادي بعد سقوطه أنّ الزعيم ناقص وضعيف الرأي وسخيف الفكر، الخ. ومثل كل واحد منهم لم يكن يرى للزعيم نقصاً أو ضعفاً إلا بعد أن أقصاه الزعيم لظهور خيانته أو غدره أو نفاقه أو خساسة غايته، أو جميع هذه الـمثالب متحدة!

 

يتذكر الذين تتبعوا حوادث الـحزب السوري القومي في الأرجنتين كيف كان خالد أديب، قبل طرده، يقول »إنّ الزعيم لا يغلط«. وهو كان يقول ذلك عن اقتناع تام لما رآه من أعمال الزعيم الباهرة. ولكنه كان يظن أنّ مرض الزعيم في الأرجنتين سيرفع قيود الواجب والنظام عنه، وأنّ »دهاءه«، الذي كان مغتراً به يخفي عن الزعيم أعماله الـمنكرة، حتى إذا كشف الزعيم عن حقيقته أمام جمهور القوميين وأثبت بالأدلة والوثائق التي بيده التي اعترف بصحتها خالد أديب أمام الـجمهور الـمذكور وأمضى مرسوماً بطرده من الـحزب، بعد أن أعياه إصلاحه، صار يقول إنّ الزعيم ضعيف السياسة أخرق الرأي وإنه (خالد أديب) »قد اختلف معه على مسألة تشكوسلوفاكية، إلخ.«! ولكن مرت الأيام وكرّت الأعوام ولم يجد خالد أديب رجلاً آخر في العالم يتفق أو يختلف معه على قضية تشكوسلوفاكية أو يوغوسلافية أو الصين أو الهند!

 

هكذا جبران مسوح، بعد أن أزاح الزعيم قناع الرياء عن سحنته، صار يرى الزعيم »مكيافلياً« على نسبة ما التقطه من مجلة الهلال أو غيرها عن مكيافلي وفلسفته السياسية، وضعيف الرأي وسخيفه في الـمسائل التجارية على الأقل، وكثير الغرور والأحلام إلى غير ذلك من النقائص الـممتلئة بها نفسيته هو كما سنبيّن ذلك بالوثائق التي يلعن هو، جبران مسوح، وجودها لأنها ستطبع شخصه بطابعها الذي لا يـمحى.

 

لم يأتِ جبران مسوح، بعد سقوطه، بشيء غير متوقع إلا عبارة واحدة هائلة جعلها في رأس الصحيفة التي أنشأها للدفاع عن خيانته وغدره وسمّاها الإخاء. هذه العبارة الهائلة التي أخافت الإنس والـجن هي: »تصدر حسب اللزوم«!

 

سبق قولنا في العدد الـماضي (ص 81 أعلاه) الذي أمطنا فيه اللثام عن وجه جبران مسوح الـحقيقي أنه لا يوجد مجرم يحكم عليه القاضي بجريـمته إلا ويرى حكم القاضي جائراً وجريـمته هو مبررة بحجج وتأويلات تقنعه هو وتقنع من لهم مصلحة في ذلك. وكل مجرم تدفعه إلى الإجرام دوافع خسيسة، يفكر كثيراً في كيفية ستر جريـمته، ويتخذ ما أمكن من الاحتياطات للتنصل من تبعتها فيلجأ، من بادىء الأمر، إلى الإنكار وتـحوير الوقائع لـما يوافق مصلحته ويبعد الدليل، ما أمكن، عن جريـمته. ومن هذه الناحية لم يشذ جبران مسوح عن غيره، بل إنّ إصداره صحيفة الإخاء لتشويه الـحقائق وإبعاد الأدلة عن ارتكابه القبيح هو دليل ساطع على أنه كان متهيئاً، هو دليل للإنكار والتحوير والتحريف.

 

يوجد خطة لا بد أن يكون عرفها ومارسها جبران مسوح الذي روى للزعيم في توكومان كيف خدع صاحب الدار التي استأجرها إبنه في شارع مايفو لتجارته، وكيف خدع فلاناً وفلاناً، وكيف أنه يجوز للتاجر ادّعاء كذا وقول كذا حسب ما يوافق الـمصلحة. هذه الـخطة يعرّفها الأميركان بقولهم: أطلق رصاصك أولاً ثم جادل، ويـمكن أن يكون جبران مسوح قد حوّلها بأسلوبه الشعبي العامي إلى القول: إختلس مال زعيمك أولاً ثم جادل، وارمه بكل تهمة دفاعاً عن جرمك([1])!

 

ولكي لا يكون هذا التحليل لنفسية جبران مسوح ومثالبه بلا شاهد يستند إليه سنورد حوادث قليلة نأتي بـمستند لها بخط جبران مسوح وإمضائه:

 

بعد أن تـمّت الشركة بين سعاده ومسوح دخل شخص الـمحل التجاري يريد شراء دواة حبر من نوع جيد. وكان مسوح قد وضع في الواجهة نـموذجاً من الدواة مع السعر الـمحدد للبيع. ولكن مسوح طلب ثمناً أعلى من السعر الـمحدد وباع بالثمن الذي طلبه، فانتقده الزعيم لهذه الـمعاملة وقال له: »إنّ هذا غلط فاحش«، وسأله: »ماذا كان يقول الزبون عن محلنا لو اتفق أن رأى النموذج الـمعروض في الواجهة؟« فقال مسوح: »نقول له إنّ ذاك سعر قديـم بقي في الواجهة سهواً أو نقول له إنّ السعر هو لصنف آخر وضع للحبر غلطاً أو نقول أشياء كثيرة يجوز للتاجر أن يقولها«!

 

وفي أصيل سنة 1943، وقد زاد عدد الداخلين في نطاق الـحركة السورية القومية كتب جبران مسوح إلى الزعيم كتاباً أرّخه في 20 أكتوبر/تشرين الأول يقول فيه

»اتفقنا هنا أن نذيع هذه الكلمة: إنّ الـجمعية السورية الثقافية تقبل كل طبقات الشعب إلا طبقة الأغنياء«، ثم قال قبل ختامه: «ننتظر جميعاً أمر معاليكم بهذا الصدد حتى إذا كانت الفكرة غير صائبة نسحبها حالاً وندّعي أن لا أصل لها وأنّ البعض أذاعوها لقلة خبرتهم أو لـحداثة عهدهم أو ما أشبه!» (هذا الكتاب موجود بين محفوظات مكتب الزعيم ويـمكن أخذ صورة زنكغراف عنه «عند اللزوم» وهو من «الوثائق الـملعونة التي ما كان يجب أن يحتفظ بها الزعيم لتقيم الدليل على نوع سلوك جبران مسوح ومثالب نفسيته!»).

 

إختـلس ثـم ادّعِ أنـه غرّ، جاهـل، مبـذّر، وقل فيه كـل ما «يجــوز» وما لا يجوز للتاجر قوله وكل كلمة شريرة دفاعاً عما ابتلعته وحولك وذهبت به أناملك وامتصه ذبابـك!

 

وبعد كل هذه الفظائع التي تقشعر لها الأبالسة قل إنّ كبرياءك فقط قد انـجرحت بالفضيحة التي نشرت خلاصتها الزوبعة وأظهرت مثالبك للناس! وحافظ على صفاقة وجهك وجاوز بالوقاحة والتهجم كل الـحدود الـمعروفة وغير الـمعروفة من قبل في عالم الرذائل والدنايا، لأن شدة الوقاحة قد توهم الناس أنّ هنالك دفاعاً عن حق!

 

سيأتي في سرد حوادث جبران مسوح مع الزعيم والـحزب وشرحها ما يزيد مخاتلة ذاك الشخص ورياءه وضوحاً.

 

إنّ خساسة تفكير جبران مسوح ونـجاسة شعوره اللتين انكشفتا انكشافاً لا ستر له لم تكونا لتظهرا بكل قبحهما لو لم يكن أظهر في دفاعه عن جرمه كل تعمده الدفاع بكل فرية وكل تأويل بعيد عن الـحقيقة.

 

إننا نعدّ الدفاع حقاً لكل إنسان، بريئاً كان أم مذنباً، ولذلك لا ننكر على جبران مسوح أن يحاول الدفاع عن نفسه بإظهار ما يوهم البراءة من الذنب، ولكن ليس في ذلك مانع من عدَّ دفاعه وطريقته في جملة الأدلة على ذنبه، لأن دفاعه، في نوعه وأسلوبه، هو دفاع الـمذنب الذي يحاول إخفاء الواقع وتضليل التحقيق بالكلام على مواضيع لا دخل لها في ما قد حكم عليه به، كقوله عن الزعيم إنه «سياسي وكثير الأحلام وواسع الـخيال» وغير ذلك. وهذا كلام القصد منه صرف الفكر عن الـموضوع الأساسي الذي هو خيانة جبران مسوح عائلته تـحت ستار الـحزب السوري القومي، ثم خيانة زعيمه تـحت ستار التجارة.

 

ولـما كان جبران مسوح قد أطلق الـموضوع من النقطة الـمحصور فيها ليشمل القضية السورية القومية وأنطون سعاده وعلاقته بهما، ويصل إلى درجة الوقاحة التي ليس بعدها وقاحة بـمحاولته وصف أنطون سعاده وترجمة نفسيته وأفكاره ونظرياته بـما تـمليه عليه ظلمات نفسه الشريرة، فلا بد من الإحاطة بجميع هذه الـمسالك حتى لا يتمكن ذو الذنب من مواراة إثمه في أي منعرج من منعرجاتها.

 

الهاربون من الـحق والعدل كلهم لهم خطة واحدة وسلوك واحد هو: الابتعاد عن نقطة الـجريـمة في كل طريق يلوح للهارب أنها تساعده على إخفاء الـموضوع والتواري عن نظر التحقيق وعين العدل.

 

والـحق والعدل لهما خطة واحدة في تعقّب الـمجرمين هي: الإتيان بالدليل تلو الدليل وإظهار الـحقيقة بنور الأدلة القاطعة التي لا تدفعها التأويلات الـملتوية.

 

قلنا إنّ دفاع جبران مسوح عن نفسه يحمل كل أدلَّة دفاع الـمذنب عن نفسه، هو دفاع الذي تضطره حاجة الدفاع لتركيب تلفيقات اعتباطية لا يشعر، تـحت إلـحاح الـحاجة، بالتباين الكبير في حقائقها. من ذلك قوله عن أنطون سعاده إنه «كثير الأحلام والـخيالات ويقيم في الهواء بنايات تنطح السحاب»، وإنه «سياسي قبل كل شيء» وإنه «من تلامذة مكيافلي» وإنّ الزعيم أخذ عن الرجال الذين قاموا بنهضات في بلادهم باستخدامهم القوة لتنفيذ خططهم، ناقلين مبادىء مكيافلي من حيّز الكلام إلى حيّز العمل، مثل هتلر وموسوليني وستالين ومصطفى كمال، إلى قوله: «ولكني أقول بوجه الإجمال إنّ العالم بأسره صار يئن من الويلات التي جلبتها تلك التعاليم» ثم قوله «فأنطون سعاده مسيطر «ديكتاتور» ولكن هذه السيطرة هو يسميها تنظيم لا بد منه». ومن ذلك قوله:

 

«أنطون سعاده هو ذلك الشاب الذي من يوم بدأ يفتكر، ما افتكر بغير بلاده وكيف تنهض وتتحرر من عبودياتها وتسترجع كرامتها كأمة حية وما هي أسباب تأخرها وكيف يـمكن معالـجتها. ودرس لذلك «أعظم لغات العالم» وطالع كل التاريخ البشري ليعرف سر تأخر الأمـم وسر يقظتها ونهوضها ليطبق كل ذلك على النهضة التي بدأ يفتكر بها. ثم أنشأ الـحزب وقاده وغذّاه في أصعب الظروف والأوقات حتى صارت الفكرة قضية لا يـمكن أن تـموت. ودخل السجون لأجل ذلك ونال اضطهادات كثيرة ولا يزال ينال إلى الآن. أنطون سعاده أوجد حركة لم يوجدها أحد قبله، وهي الـحركة الوحيدة التي يستطيع الشرق أن ينهض بها. ومهما عاند وكابر رجال السياسة وقادة الفكر فلن يجدوا غير مباديه لإيجاد الإصلاح الذي ينشدونه، وسوف يعودون إليها صاغرين.»

 

فأين مبادىء مكيافلي السياسية، كما يفهمها جبران مسوح وأمثاله من الـمفتقرين كثيراً إلى العلم الصحيح في هذه الفلسفات والقضايا الكبيرة على عقولهم، من مبادىء سعاده القومية الإصلاحية؟ وكيف يـمكن أن يرفع أنطون سعاده تفكير جبران مسوح، حسب اعترافه، بـمبادىء مكيافلي؟

 

إنّ تلاميذ مكيافلي يـمكنهم أن ينشئوا سياسات، ولكنهم لا يستطيعون أن ينشئوا نهضات قومية إصلاحية. وبين القولين اللذين قالهما جبران مسوح في شخصية أنطون سعاده تناقض لا يـمكن أن يكون صادراً عن تفكير نزيه في شخصية أنطون سعاده ومباديه وتعاليمه، وفي قدوته التي كانت أعظم عامل روحي في الـحركة السورية القومية.

 

إنّ محاولة جبران مسوح أن يقول في الزعيم، بعد أن طرده الزعيم، إنه من تلاميذ مكيافلي وعامل بتعاليمه «التي صار العالم بأسره يئن من الويلات التي جلبتها» تذكّرنا بحكاية شعبية إقليمية يرويها الناس في لبنان خلاصتها: أنه كان للمير بشير الشهابي طاهٍ يرغب في إرضاء ذوق الـمير. فسأله الـمير يوماً رأيه في الباذنـجان، فاستشعر الطاهي ميلاً من الـمير بشير إلى تناول شيء منه، فأخذ يطنب في محاسن الباذنـجان وفوائده ويزيد في الأوصاف الـمشوقة حتى زاد شهية الـمير، فقال له أطبخ لنا باذنـجان. فصدع الطاهي بالأمر وأكل الـمير وأصابه على أثر ذلك انزعاج أو تخمة، فأظهر استياءه من الباذنـجان، فرأى الطاهي أن يساير شعور الـمير فأخذ يذم الباذنـجان ويبالغ في مضاره. فأنكر عليه الـمير القول وذكّره مديحه السابق، فقال الطاهي: «أنا عبد الـمير مش عبد الباذنـجان»!

 

وجبران مسوح الذي غمره الزعيم بعلمه وفضله وتأييده ودروسه ظل، مع كل ما اكتسبه واستفاده من تعاليم الزعيم، عبد شهواته ومطامعه وميوله الدنيئة، فإذا رأى فائدة لشهواته في مدح الزعيم مدحه وإذا وجد فائدة لـمطامعه في ذمِّهِ ذمَّهُ.

 

وليس حادث طاهي الـمير بشير، حقيقياً كان أم خرافياً، السابقة الوحيدة لتصرّف جبران مسوح، فكل تلميذ قرأ شيئاً من الأدب العربي يعلم أنّ شعراء نظموا قصائد جميلة في وصف محاسن الدنانير، حتى جعلوا كل قارىء أو سامع يحبها ويرى فضلها وجمالها، ثم عادوا فنظموا قصائد معاكسة للأولى يظهرون فيها أنّ الدنانير قبيحة، غرّارة، مجلبة للكدر والشقاء.

 

وجبران مسوح، مع كل ما رأى من قدوة الزعيم التي كتب فيها مقالات كثيرة، وتعاليمه ودروسه التي رفعت أدبه وغذّت قلمه بكل ما له قيمة في التفكير القومي الـجديد، لم يرتقِ في نفسيته وشعوره ونظرته الـخصوصية إلى الـحياة عن نفسية طاهي الـمير بشير وعبده، ونظرة شعراء الـمدح والقدح في الدنانير عبيد الغايات القريبة التي يسخّرون لها منظوماتهم.

 

ليس هذا التناقض الوحيد في دفاع الـمذنب جبران مسوح، بل هنالك تناقض آخر. يقول جبران مسوح إنّ الزعيم أضاع مال إبن حميه جورج الـمير بتبذيره وسوء تصرفه. ثم يقول إنّ الزعيم «ما كان يجب أن ينغمس في تـجارة، وما وقوعه فيها إلا وقوع النسر في حومة من الوحل» وقال في مكان آخر إنّ مال الزعيم صار يحوم عليه النفعيون «كما يحوم الذباب على قطعة لـحم مهملة.»

 

قد يعجب القارىء كيف أنّ من غلط الأمين الدكتور فخري معلوف بتسميته «مفكراً كبيراً» يعمى عن هذه الـمتناقضات الكبيرة. ولكن الذين يحبون تكليف أنفسهم عناء بحث الأسباب يجدون أنّ نقائص جبران مسوح النفسية، من فكرية وشعورية، هي مشابهة لنقائصه الفيزيائية. فكما أنّ جبران مسوح حصر تأتاء وأعمى اللون، أي أنه لا يـميّز بين ألوان وألوان كذلك هو حصر الفكر وأعمى الـمنطق من الوجهة النفسية. وهو قد ظن، لعماوة منطقه، أنّ هذا الكلام يتفق مع اللون والنتيجة مع ذاك الكلام.

 

ويـمكن أن يكون جبران مسوح ظن أنه أتى بآية من آيات الـخداع الذي تـمرن طويلاً عليه، فقال في آخر دفاعه عن أنطون سعاده ما هو ضمن الـحقيقة الـمشهورة عنه ليوهم الناس أنّ الذي يعترف هذا الاعتراف بحقيقة أنطون سعاده التي أنشأت أمة جديدة وعصراً جديداً، لا يـمكن أن يكون ذاك الثعبان الـخبيث الذي حاول نهشه، والـمنافق الكبير الذي بدّل الواقع وشوهه في ما جرى لنسر الزعامة في توكومان - في وحولها وذبابها!

 

وفي بلادنا يقولون: أقتل القتيل وامش في جنازته!

 

وجبران مسوح ولد وترعرع في أحضان تلك العقلية الـمنحطة ورأى في حماه، بلده، أشخاصاً عرفهم بعينهم يقتلون القتيل ويقبضون ثمنه ويقتسمون الغنيمة مع الوالي ويسيرون في الـجنازة ويحييّهم الناس بخشية وتهيّب. أما تعاليم سعاده الـمنشئة حياة جديدة فقد أدركت جبران مسوح كبيراً، ودروس أنطون سعاده قد أعطت قلم جبران مسوح كل الـمواد التي بنى بها مقالاته القومية وغيَّرت كل أدبه الكتابي، ولكن داخلية قلب ذاك الشخص لم تتغير وبقيت في نفسه زوايا مظلمة ومقفلة لا يدخلها نور الـحياة الـجديدة.

 

كتاباته كانت صناعة حياكة اتخذ أفكار الزعيم وأقواله وأحاديثه خيوطاً لها، أما نفسه فكانت الـحياة القديـمة - حياة الـمثالب والانحطاط والـمفاسد - قد مدَّت جذوراً عميقة فيها لم يعد من الـممكن استئصالها.

 

إنّ نفسية أقتل القتيل وامش في جنازته لم تـمت في جبران مسوح، ولكنها كانت كامنة حتى ثارت ثورة شهوانية وبدت نواجذ شرهه ونهمه، فعادت تلك النفسية تسري في عروقه. وقد حذّر الزعيم من ثمة شخص قال فيه جبران مسوح إنه مجنون وآخرون قالوا فيه إنه ثرثار وإسم هذا الشخص بشارة عواد وهو يصدر مجلة اسمها الوداد.

 

من مدة نحو سنتين أصدر صاحب الوداد عدداً أثبت فيه مقالة بعنوان «الزوبعة وبقية الصحافيين» وإننا نرى أن نثبتها هنا لأنها أعلنت حقيقة جبران مسوح وكان كأنها نبوءة لـما سيأتيه جبران مسوح ضد الزعيم. والـمثل يقول «مجنون يتكلم وعاقل يفهم».

 

إننا ننشر الـمقالة الـمذكورة آنفاً فيما يلي بحروفها وأغلاطها الصرفية والنحوية لتبقى بالصفة التي صدرت فيها وإليكها:

 

«الزوبعة وبقية الصحافيون»

 

«يسألوني الناس عن حضرة الأستاذ أنطون سعاده رئيس الـحزب السوري.

 

«وهل نقدر ننكر مقدرة الزعيم وذكائه بفن الأدب.

 

«فنحن السوريين بحاجة ماسة إلى رجل قدير من أمثال الزعيم أنطونيو سعاده كي يعلمنا على الأدب ويرفع تلك الغباشة عن عيوننا لأن هؤلاء الصحافيون كتاباتهم لا تفيدنا شياً لكون أنهم عميان وهل أعمى يقدر أن يقود أعمى ويهديه على الطريق.

 

«نعم حضرة الزعيم أنطونيو سعاده رجل فطين عنده الفهم الكافي لم يوجد من أمثاله بين الأدباء لأنه عالِم قدير على حسب الـمواضيع التي سمعناها منه والأبواب التي طرقها والبراهين التي جابها والتعبير الـجميل عندما بدأ يشرح لنا عن الديانات في إمضاء هاني بعل.

 

«لا أظن عالم أو فيلسوف يقدر أن يضرب على ذلك الوتر الصافي ويخوض في بحور ديانه الإسلامية والـمسيحية ويشرح لنا عن آيات الـمصحف حرفياً فهذه الأبواب لا يقدر عليها حتى ولا أبلغ الكتّاب.

 

«إنـما يجب على كل عاقل أن يحترم أفكار أنطونيو سعاده نظراً بـما في دماغه من النور الساطع الذي يشع إلى كل الـجهات.

 

«بل، إنـما رأيت العجب كيف حضرة الزعيم يصحب رجل خائن بلا ضمير مثل جبران مسوح.

 

«ومن البلية دايـماً يذكر إسمه على صفحات الزوبعة ويفتخر به.

 

«إعلم أنه لا يوافق ولا بوجه من الوجوه أن تـجعل أول مسطرة من بضاعتك رجل خائن بلا ضمير مثل جبران مسوح حفظاً إلى وظيفتك التي أنت فيها لكون تضر نفسك ولا أحد يصدق بـما تقول طالـما تتكل على جبران مسوح وتصدق كلامه.»

 

«إياك تعتقد في مديحه لك لأن مديحه سم قاتل.»

«وإذا لم ترفضه من الـحزب تضر نفسك.»

«لأن هذا الرجل مثل الـحية تـماماً تغشك في نعومتها ولكن متى صار لها وقت لا تقصر عن لسعك.»

 

لسنا ندري هل صاحب الـمقالة الـمتقدمة مجنون كما يقول جبران مسوح، ولكننا نعلم الآن أنه قال حقيقة تشبه الـحقيقة التي قالها مجنون آخر عرف في الروايات التي كتبت في مقتل القائد الرومي يوليوس قيصر، إذ اعترض قيصر وهو في طريقه إلى الكابتول وأخذ يحذره من منتصف مارس/آذار فلم يعبأ قيصر بتحذيره ولكن الـحقيقة كانت في ما قاله ذاك الأبله. ففي منتصف مارس/آذار غدر بروتوس وكاسيوس وكسكا وأعوانهم بقيصر وطعن بروتوس يوليوس قيصر، الذي أحبه وأعزه وأكرمه، الطعنة القاضية.

 

وإذا كان يجوز أن نأتي بذكر الـمجنون الرومي الذي حذّر قيصر من يوم شؤم للمقارنة مع من يسميه جبران مسوح مجنوناً، فلا يجوز ذكر بروتوس للمقارنة مع جبران مسوح لأن ذاك كان ذا عقيدة، وعمل بدافع عقيدته في ما هو أفضل لرومة، أما جبران مسوح فقد عمل بدافع الطمع ومن أجل كمية مالية حقيرة، على ما لها من الأهمية في الـمحل التجاري الـمنشأ حديثاً.

 

ويجب الالتفات إلى نعت الـخيانة الذي يصف به بشارة عواد جبران مسوح. فالظاهر أنّ بشارة عواد كان يعلم أشياء عن مسوح ويعرف من زمان أنه كان في عداد الـمأجورين لتحبيذ احتلال فرنسة سورية كما سنبيّن ذلك. وقوله فيه إنه «بلا ضمير» يجد في فضيحة جبران مسوح أكبر مصداق له. وقوله أيضاً بعدم تصديق مديح مسوح وإنّ مديحه «سم قاتل»، وإنّ هذا الشخص هو «مثل الـحية تـماماً تغشك في نعومتها ولكن متى صار لها وقت لا تقصر عن لسعك»، كل ذلك أقوال أصابت كبد الـحقيقة.

 

ولا ننسى أنّ بشارة عواد هو حموي، أي إبن بلد جبران مسوح، ولا بد أن يكون يعرف أموراً كثيرة لا يعرفها الذين عرفوا جبران مسوح في الأرجنتين.

 

أتى جبران مسوح في دفاعه التحاملي ببعض حقائق ثم دس بينها كل الافتراءات والأكاذيب التي خطر له أنها تفيده وتـحوّل نظر التحقيق عنه. وبين الـحقائق القليلة التي ذكرها جبران مسوح من غير أن يشعر بـمقدار ما تشهد على كذبه وتأويلاته الـملتوية اعترافه بأن «ذباب» توكومان أخذ يحوم حول مال الزعيم، وأنّ نزول الزعيم إلى ميدان التجارة لم يكن إلا وقوع النسر في حومة من الوحل. فما هي هذه التجارة التي لم تكن إلا حومة من الوحل أُعدّت ليسقط فيها نسر الزعامة وما هو ذاك الذباب الذي أخذ يحوم حول مال الزعيم ليمتصه؟

 

إننا سنبيّن كل ذلك بتفصيل لا يدع مجالاً لشبهة أو لالتباس. ولكننا سنبدأ من أول علاقة لـجبران مسوح بالـحركة السورية القومية الاجتماعية لأنه هو قد شاء ذلك:

 

جاء حبيب اسطفان الأرجنتين فالتحق به جبران مسوح محاولاً أن يرقى على شهرته وأنشأ الاثنان مجلة التمدن التي وقعت في يدنا بضعة أعداد منها، إذا صح أن تكون نـموذجاً لها صح أن يقال فيها إنها كانت تـملأ بأتفه الـمواضيع. ثم ماتت تلك الـمجلة وافترق الاثنان «على حب».

 

وجاء الأرجنتين ميشال صباغ صاحب القاموس العربي الإسباني، فصحبه جبران مسوح ليقال عنه إنه يناصر الأدب والعلم، كما يقال عن جرجي باز في سورية إنه «نصير الـمرأة»، لأنه يزج نفسه في جميع الـمناسبات منتصراً للمرأة بشكل من الأشكال، وابتغاء أمور أخرى. وهذه الأمور الأخرى متعددة، متنوعة وأهمها استغلال معرفة صباغ باللغة الإسبانية ليترجم بعض كتابات جبران مسوح «أديباً إنترناسيونياً» وبالفعل ترجم صباغ كتاب مسوح مقيد ولكنه يـمشي ثم عرض الـمؤلف والـمترجم ذاك الكتاب على شركة طباعة أرجنتينية لعلها تشتري حقوق طبع السفر «النفيس». ولكن الشركة قالت إنّ موضوعه قديـم جداً لا يصح تقديـمه للفكر العصري، فغضب جبران مسوح على الشركة ونكاية بها طبع الترجمة على نفقته وتعزى صباغ بـما كتبه عن مسوح!

 

وأخيراً جاء الزعيم الأرجنتين وهو لم يكن يسمع قط باسم جبران مسوح. والزعيم، من حيث هو زعيم، هو قائد حركة قد طبّق الـخافقين ذكر أفعاله ومآثره وهو، من حيث هو شخص، قد أتى بـمبادىء جديدة وبعث أمة دفينة فيمكن التقرب إليه بإحساس قوي بالغنم!

 

ولكن الزعيم كان مريضاً فاكتفى جبران مسوح بالاقتراب من أحد مرافقيه أولاً ثم دخل صفوف الـحزب السوري القومي وحظي فيما بعد بـمقابلة الزعيم وكتب مقالته «كيف عرفت الزعيم».

 

والـحقيقة أنّ قبول أمثال جبران مسوح في الـحزب السوري القومي جرى بتساهل كثير، بل بتجاوز وإهمال للأصول، في حالة ضعف شديد كان ملماً بالزعيم جعل خالد أديب شبه مطلق التصرف في مسائل الإدخال، ومعفياً من مراجعة الزعيم في كل مسألة منها، وكانت الـحالة تقتضي السرعة، لأن خطة الزعيم كانت أن لا يبقى في الأرجنتين أكثر من ستة أشهر، وكان خالد أديب قد انصرف إلى أنواع من اللهو والبطر أفسدت روحيته القومية، وجعلته يهمل واجباته ويغفل الأصول والتقاليد الـحزبية، إلى أن انتهى أمره بالسقوط بالكلية والطرد من الـحزب كما طرد قبله غيره. ولكن الزعيم عندما علم ما أتـمه خالد أديب، انتقد خطته انتقاداً شديداً ولامه لاتـجاهه إلى الشيوخ الذين كان قانون الـحزب يحظّر إدخالهم بتاتاً، ثم تعدّل القانون وسمح بإدخال بعضهم بشروط لم تراعَ في إدخال من طردوا. وكان الواجب يقضي بالاتـجاه إلى الشباب أولاً، لأنهم الـمادة الأكثر نقاوة من أبناء الـجيل والأقرب إلى اكتساب الروحية القومية الصحيحة. أما الشيوخ، وخصوصاً الذين مارسوا الصحافة والأدب واشتغلوا في الـمسائل العمومية، أي الذين خبروا جميع أنواع الـمنافقة والـمراءاة وعالـجوا كل ضروب الغش والاحتيال في بيئة وزمن كان الغش والاحتيال يعدّان فيهما من فضائل الرجولة ومكارم البطولة، فكانت خطة الـحزب تـجنبهم ما أمكن، اتقاء لشرورهم وصيانة للشبان والأحداث من أن تتسرب إليهم مفاسدهم. ولكن خالد أديب لم يكن له وقت للبحث عن الشبان السوريين في بوينُس آيرس، فإن شرب الويسكي والبحث عن الـملاح وارتياد دور الـملاهي لم تترك له وقتاً لضرب الـمواعيد مع الشبان للبحث في القضية السورية القومية. فألقى حبل الأمور على غاربها. وهكذا صار جبران مسوح وأمثاله «رفقاء» في الـحزب.

 

ما كاد يُذاع خبر دخول جبران مسوح نطاق الـحزب السوري القومي حتى «أخذت تنهال عليه الانتقادات» وبلغ الأمر حد قول أحدهم إنّ جبران مسوح قد «خسر شخصيته». وكان ذلك مدعاة لتشنج عنيف هز جميع دور الأدب والعلم وأوساطها. فكتب إليه «الـمجمع العلمي العربي»، ونقابة الـمحامين، وأساتذة الـجامعة السورية، وأساتذة قسم التجهيز في دمشق، و «الـمجمع العلمي اللبناني»، ونقابة الـمحامين، وأساتذة الـجامعة الأميركانية في بيروت، واشترك جميع حملة الأقلام في سورية ومصر بالكتابة إليه يرجونه أن لا يضيّع شخصيته الرفيعة بالانقياد لزعامة «دكتاتور» إسمه أنطون سعاده ويقال إنّ الـجمعية الدروينية في لندن، و «الأكادمي» الفرنسية في باريس، وجمعية الدروس الآسيوية في برلين، اشتركت بالكتابة والتضرع إليه أن لا ينزل هذه الكارثة بأندية الفكر الإنساني، وأن يحفظ شخصيته الـحبيبة للإنسانية. وكان «انهيال» الرسائل والانتقادات والتوسلات يتزايد يوماً بعد يوم وسرت إشاعات أنّ طائفة كبيرة من تلك الانتقادات قد انهالت «من علماء الـمريخ وأدباء الـمجرة». ويقول جبران مسوح نفسه في حادث هذه الانتقادات الهائلة إنه «اشترك بها (لا فيها) كل أصدقائه وكل أقربائه وكل أفراد عائلته»! كل أولئك، يا للهول! فقد زلزلت الأرض زلزالها وحدث في العالم كله، كله، كله، خوف شديد. ولكن الله لطف بعباده ولم يسمح بحدوث طوفان تهلك فيه الـخلائق بسبب قول واحد من الناس إنّ جبران مسوح قد «خسر شخصيته» بانضمامه إلى الـحزب السوري القومي!

 

أما الزعيم فلم يضطرب لاضطراب الكون، لأنه اعتاد رؤية هذه الأحداث والزلازل، وهو موقن أنه لن يجري طوفان ما دام في الوجود قوس قزح. ولكنه تـحقق أنّ أوساطاً كثيرة واسعة، وقد تكون أكثرية النزالة السورية في الأرجنتين، ناقمة على جبران مسوح الذي حاول انتحال أدب النهضة القومية الاجتماعية قبل أن يعي فلسفتها ويدرك شيئاً جوهرياً من نظرتها إلى الـحياة والفن، فكتب كتابه الـمسيحي والـمسلم وأورد فيه، عدا ما اقتبسه، أفكاراً خصوصية له أقل ما يقال فيها إنها من سقط الـمتاع، ولا تتعدى كلام كثير من الـجهال في بلادنا الذين يتكلمون بلا شعور بالـمسؤولية وبلا إدراك صحيح للأسباب والنتائج فقال، بكلام سوقي أو زقاقي، أن لا طريقة لإزالة الـخلاف والشر وإيجاد تفاهم بين الـمسيحيين والـمحمديين في بلادنا «أنا مسلم ولا أتغير ولن أتغير.»

 

هذه الـمسألة لم تكن مسألة «فقد شخصية» بالـخضوع لنظام وطاعة «دكتاتور» ولا مسألة دعاوة ألـمانية أو إيطالية، بل مسألة إهانة أكثرية الشعب السوري في معتقده الديني. كل محمدي قرأ كتاب جبران مسوح أو بلغه خبره صار يكره جبران مسوح وإسم جبران مسوح. وجماعة كبيرة، مدركة من الـمسيحيين شاركت الـمحمديين، بدافع الوطنية، في النقمة على جبران مسوح.

 

صار الزعيم أينما توجه وحيثما حل ودار الـحديث على القضية القومية وانتشار الـحزب في الأرجنتين يجد انتقادات كثيرة وحادة في صدد قبول الـحزب مثل جبران مسوح في عداده. وصار الزعيم يضطر لـجعل أحاديثه محاضرات ليمحو الأثر السيّىء الذي نقشته كتابة جبران مسوح في نفوس الناس، ولا بد من الإشارة في هذا الصدد، إلى أنّ جميع الذين كانوا يتشاءمون من دخول جبران مسوح الـحزب السوري القومي، لم يكونوا من أقرباء الزعيم ولا من عائلته ولا من أصدقائه. كلهم كانوا سوريين لهم مثل ما لـجبران مسوح، على الأقل، من الـحق في إبداء آرائهم.

 

ولـما أهدى ذاك الأمفكر العبقري، ذو الشخصية العظيمة التي اهتم الكون بأسره وأدركه الغم، لاحتمال خسارتها تـحت قيادة «الدكتاتور» أنطون سعاده، كتابه العظيم إلى الزعيم نظر فيه الزعيم بهدوء ووجد أنّ قسماً من تعابيره مجار للتفكير القومي الـجديد إلى حد أنه يترجح أنه مقتبس من بعض منشوراته (هذا الترجيح صار فيما بعد أشبه باليقين لـما بدر من جبران مسوح في بعض أحاديثه، أنه كان تسلم من رفيق قومي من عائلة الباوي في حماه منشورات قومية فيها مبادىء وشروح من النهضة) ورأى أنّ كاتب الـمسيحي والـمسلم قد أدخل في ذلك تفكيراً، أو بالـحري نزعة شعور هدام، مخرب، مجرّد من الإحساس بالـمسؤولية بقدر ما هو متسربل بالـجهل، فكتب إلى الـمبتدىء القومي جبران مسوح يبدي له، بكثير من اللطف، نظرته الـجليلة في كتابه الـمسيحي والـمسلم ثم انتهز فرصة زيارة قام بها مسوح فشرح له أخطاءه بإسهاب، وعرّفه ضعف تفكيره وألقى عليه دروساً في الاجتماع والتربية وعلم النفس، فهم منها مسوح الـمقدار الكافي ليجعله يعترف بغلطه في ما قاله بجهلٍ في صدد الـمحمديين وكتاب دينهم. وهكذا أنقذ الزعيم «شخصية» جبران مسوح، وأخذ يوجد له مركزاً يعترف ذاك الشخص بكتابات عديدة، إنّ الفضل في بلوغه يعود إلى الزعيم وعطفه عليه وعنايته بتثقيفه وتوجيه أدبه.

 

قلّما انضم أحد، يافعاً كان أو شاباً أو رجلاً أو فتاة أو امرأة، إلى الـحزب السوري القومي وخلا من انتقاد من معارفه أو أصدقائه أو أهله أو أقربائه الـجاهلين حقيقة الـحزب وسمو غايته وعمق فلسفته. وكثير من الرفقاء، من أحداث وكبار، تعرضوا لاضطهادات كثيرة وتعذيب وتشريد من قِبَل أهلهم من أجل أنهم آمنوا بأنطون سعاده هادياً لشعبهم وبتعاليمه التي اتخذوها منهاجاً لـحياتهم. ولكن لا يوجد رفيق قومي حقيقي منهم يطاوعه عقله أو قلبه أن يذكر، مـمنناً، ما قاسى وتـحمَّلَ من الصعاب، التي لا يبلغ ما «عاناه» جبران مسوح منها عشر معشارها، وأن يُبرز ذلك في معرض كلام كالـمعرض الذي أنشأه جبران مسوح في «إخائه». كل قومي حقيقي يعدّ ما تعرّض له في هذا السبيل مفخرة تسطع بها جبهته ووساماً يحافظ عليه بكل قوته ويذود عنه بيده ودمه. أصغر واحد منهم - أصغر أحداثهم - يستطيع أن يكون أستاذاً لأمثال جبران مسوح في معرفة الـحقائق وفهم قيم الأمور. إنّ القومي الـحقيقي ليذوب حياءً قبل أن يضطر إلى تزكية نفسه تـجاه الـحركة القومية هذه التزكية الباطلة. كل قومي صحيح ليس مثل جبران مسوح في نفسيته، ولا مثل الأعراب الذين نزلت فيهم الآية القرآنية: «قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولـمّا يدخل الإيـمان في قلوبكم» [سورة الحجرات رقم 49، الآية 14] يعلم أنّ شخصيته التي لا يريد شخصية غيرها هي التي اكتسبها في الـحزب السوري القومي ومبادئه ونظامه، ولا يجد شيئاً آخر في العالم يوازي هذا الربح العظيم فيخجل كثيراً أن يفكر في «الانتقادات التي انهالت عليه» وفي «الصعوبات» التي واجهها. إنّ الـمؤمن بقضية يجعلها هي مقياساً ومحكاً له ولا يجعل نفسه مقياساً ومحكاً له. ولكن ذاك كان شأن جميع الذين سقطوا من الـحياة القومية وخرقوا مناقبها وتقاليدها. جميعهم صاروا فلاسفة يعيّنون الـحدود الفكرية التي لم يقبلوا التعاليم القومية الإصلاحية إلا ضمن نطاقها، وبعد أن وزنوا هذه التعاليم بـميزان تفكيرهم الـخاص، ورأوا أنها تستحق أن يوافقوا عليها ويـمنحوها نعمة رضاهم، ويتنازلوا عن «شخصياتهم» ليشملوها بتأييدهم مضحّين في هذا السبيل بانتقادات «كل أصدقائهم وكل أقربائهم وكل أفراد عائلاتهم.»

 

يا أيها الـمنافقون، الـمراؤون، الـمزكّون أنفسكم بأقوالكم، أنتم الفقراء إلى القضية التي جاءت تنظر في نفوسكم وأموركم وتبيّن لكم صحيح الـحياة من فاسدها. إنّ تعاليمها ذات جوهر خاص يشع ويسطع في كل جهة، وكما أنه ليس لأحد فضل على النور أن يقول إني رأيته، وكذلك ليس لأحد فضل على الهداية القومية الاجتماعية أن يقول إني اهتديت بها!

 

إنّ قول جبران مسوح في «إخائه»: «وكنت أقول دائماً: يجب أن نكون أمة ويجب أن يكون لنا وطن، إلخ.» هو قول خبيث مشوّهٌ للحقيقة، فجبران مسوح «صار» بنعمة الهداية القومية الإصلاحية يقول، وليس صحيحاً، إنه «كان دائماً» يقول إنه يجب أن نكون أمة ويجب أن يكون لنا وطن. وجبران مسوح قبل أن أسلم للنهضة السورية القومية لم يقل شيئاً في قوميتنا ووطنيتنا إلا ما كانت تدفع له الدعاوة الفرنسية من الـمال ليقوله في الإخاء التي عاد يستند إليها بعد سقوطه من الـحياة القومية الصحيحة، وهو إننا شعب يأكل بعضنا البعض ولذلك يجب أن تأتي فرنسة وتـحتل بلادنا لكي تـمنعنا من ذلك. وكان يقول أشياء مثل التي قالها في كتابه الـمسيحي والـمسلم وإليك نـموذجاً منها «وسوف تـمرّ ألف سنة أخرى ولا يتغير الـمسلم ولا جزء من مليون من ناحية عقيدته الدينية.»... «أنا مسلم لا أتغير ولن أتغير. أنا الآن كما كنت في الـماضي، وسوف أبقى كذلك إلى الأبد فاعمل أنت ما تشاء.»... «يقولون إنّ فرنسة اغتصبت البلاد من أهاليها. وهذا كذب. والـحقيقة أنها أخذتها بالسيف من يد الأتراك، أي على ذات الطريقة التي دخل فيها خالد بن الوليد وأبو عبيدة الـجراح وغيرهما. فلماذا نقول عن هؤلاء شجعاناً بواسل يجاهدون في سبيل الله، ونقول عن الفرنساويين كل كلمة شريرة.»... «ونحن النصارى مديونون لهم بأكثر من ذلك بكثير - مديونون بحياتنا - ولولاهم لـما وجد منا أحد الآن.»... «وما أصغر الإنسان الذي يريد أن يطرح لبنان بهذا الأتون (أتون الانضمام إلى سورية) لبنان بجباله وجماله ومياهه وشعرائه وأدبائه وعلمائه وأذكيائه، يريد أن يطرحه بهذا (لا في هذا) الأتون ليربح كلمة وطني حر.»... «الشخصيات العظيمة في لبنان... هؤلاء يريدون أن يضموهم إلى سورية لتكون قيمتهم قيمة رجال البادية الذين يعيشون بين الـحيوانات والزوجات والعبيد والقمل» (صارت سورية العريقة الـحضارة صحراء في علم الأستاذ جبران مسوح) «إنه صار مستحيلاً علينا أن نتفاهم. لقد صار مستحيلاً أن يقف الـمسيحي مع الـمسلم في إنشاء وطن واحد وقومية واحدة.»... «إنّ التفاهم أصبح غير مـمكن فليسر كل واحد في سبيله كما هو يريد. ويجب أن ندرك هذه الـحقيقة لكي لا نضيّع الوقت بلا جدوى.»

 

هذه الأفكار الـمسّوحية العظيمة، التي مزجها صاحبها باستعجال كبير مع ما وصل إليه من طلائع التفكير القومي الذي ابتدأ ينتشر في سورية بواسطة الـحزب السوري القومي وأثبتها في كتابه الـمسيحي والـمسلم كان يراها أسمى ما يـمكن أن يصل إليه الفكر فأعلن إعجابه بها بصورة دنكيخوطية مضحكة. فعرّف كتابه بأنه «كتاب لم ينسج على منواله في اللغة العربية في جميع الأجيال.» ورشّح نفسه في ختام كتابه لزعامة «مفكري العرب» في كل مكان! وإليك قوله بالـحرف:

 

«هذا أول كتاب أقدمه إليك يا بلادي. ولا أريد فيه (لا به) تـحريرك من السلطات الأجنبية. كلا. فهذا موضوع لا يستحق اهتمامي ويستطيع أن يقوم به غيري (كذا)، وإذا لم يتم في هذا الـجيل فسيتم في الـجيل الذي بعده. ولكني أريد تـحرير الفكر العربي. ذلك الفكر الذي أعطى أنواراً صحيحة في أوقات مختلفة من التاريخ ثم طاردته الـمظالم واضطهدته وقيدته حتى لم يعد الناس يسمعون له صوتاً. أيها الـمفكر العربي إياك أخاطب. ها قد نبشتك من قبرك فانهض وقِفْ على قدميك. إنّ القيود التي كنت مكبلاً بها وضعتها تـحت قدمي. وسوف تبقى هذه القيود الـملعونة تـحت قدمي إلى الأبد. سوف أحطمها تـحطيماً يصل دويه إلى كل مشارق الأرض ومغاربها... أيتها البشرية سوف تسمعين صوت الفكر العربي من جديد. ها هو يـمشي إليك بالعظمة التي تعهدين. وسيتلو عليك ما لم تسمعه أذنك في كل العصور. يا مفكري العرب في كل مكان: هو ذا الفكر العربي (فكر جبران مسوح) ينهض أمامكم من جديد مكسّراً كل قيوده. فغذّوه بأدمغتكم وعقولكم وسيروا به إلى الأمام غير خائفين. ها أنا أسير أمامكم إذا شئتم، أو سيروا أنتم أمامي، وأنا أحمي صفوفكم من وراء، ولنقل جميعاً صارخين: أيتها القيود الـملعونة، لن تصلي إلى الفكر العربي فيما بعد. أيها الفكر العربي: سر أينما شئت ولا تخف. إنّ طلائعك لا تعود إلا ظافرة. بعد الآن (أي بعد كتاب مسوح) ستجد وراءك جيوشاً جرارة يعمل كل فرد منها ما يستطيعه وعليّ الباقي (أي أنّ كل ما لا تقدر الـجيوش الـجرارة على فعله يفعله جبران مسوح) سوف أكتب لأجلك كل ما لا يستطيع أن يكتبه سواي.»

 

بتلك الأفكار السخيفة الـجاهلة بلغ جبران مسوح هذه الدرجة من الغرور والدعوى الباطلة، فنعت نفسه بـمحرر الفكر العربي، وزعيم مفكري العرب، وحامي صفوفهم، والكاتب للفكر العربي كل ما لا يستطيع أن يكتبه سواه!

 

هنـا يصـح أن يقـال أكثـر مـمـا يقـال في أي مكـان آخـر: على نسبـة الـجهـل تكـون الدعـوى.

 

وفي الـمسيحي والـمسلم غير هذه السخافات سخافات أخرى تُظهر كم كان يجهل جبران مسوح من أوليات الاجتماع والعمران كقوله: «والسياسة لوحدها شيء لازم للبشر، هي توجد الوطنية الـحقة، وتسنّ الشرائع بحسب مقتضى الـحال، الخ.» فتعريف السياسة بأنها «توجد الوطنية الصحيحة وتسنّ الشرائع» يـمكن أن يسخر منه تلامذة الـمدارس الابتدائية، فضلاً عن تلامذة الـمدارس الثانوية ومن فوقهم.

 

أما شرحه، في دفاعه عن فرنسة، كيف استولت تلك الدولة على سورية مغتصبة إياها بالسيف من يد الأتراك، فدرسٌ عال في التاريخ القومي يعجز عنه أكبر مؤرخي العالم. جميع التواريخ التي تقول إنّ الـجيش البريطاني هوالذي افتتح سورية بـمساعدة الـجيش العربي وشرذمات قليلة لا أهمية حربية لها من الـجيش الفرنسي هي تواريخ كاذبة. ومثلها التواريخ التي تقول إنه أعلن استقلال الشام وتوّج الأمير فيصل الـحسيني ملكاً عليها، واعترفت بعض الدول بهذا الاستقلال، وإنّ الـجيش الفرنسي زحف بقيادة الـجنرال غورو من لبنان لاحتلال الشام واغتصاب القسم الـحر من سورية من أهاليها، وإنّ معركة دامية نشبت في ميسلون بين الـجيش السوري الـمدافع عن سيادة أمته بقيادة الـخالد الذكر الشهيد يوسف العظمة والـجيش الفرنسي الـمعتدي. «هذا كله كذب» هكذا يقول الـمؤرخ العظيم جبران مسوح ويضيف: «والـحقيقة أنها أخذتها من يد الأتراك بالسيف»!

 

وبهذا العمى الفكري يريد جبران مسوح أن يقول إنه نظر في دعوة الـحزب السوري القومي وفي ما تـحتاج إليه الأمة والوطن ومنح تلك الدعوة موافقته العليا وقبل برحابة صدره وسعة دماغه، التي أرادت أن تضم جميع «مفكري العرب وجيوش الفكر العربي» تـحت حمايتها، أن يكون جندياً للقضية القومية «مع كل ما في الأمر من الصعوبة»!

 

مع ذلك فلجبران مسوح أسلوب شعبي، عامي، في الكتابة مستحب، وقد لاحظ الزعيم ذلك من أول كتابة قرأها له. ولم يكن بين الذين دخلوا الـحزب في الأرجنتين من هو أجرى قلماً وأحسن تعبيراً منه. الرفيق نعمان ضو كان مقلاًّ، والرفيق يعقوب ناصيف والرفيق جواد نادر انضما إلى الصفوف متأخرين. فجعل الزعيم مهمته تثقيف كتابة جبران مسوح، ورفع مستواها وتغذيتها بـما أمكن من العلوم والـمعارف والنظريات والتوجيهات. فصار يقرّب جبران مسوح إليه ويجيب على رسائله بإسهاب ويتحدث إليه ويدعوه إلى بوينُس آيرس. وبديهي أنّ ذلك لم يحدث فجأة إذ كان اتصال الزعيم بالأشخاص بواسطة الـمرافقين، فلما سافر أحدهما وسقط الثاني صار الزعيم في حاجة إلى الاتصال بالأشخاص بنفسه. وقد رغب في تقوية روحية جبران مسوح وفهمه القضية حتى إذا قضت الظروف بسفر الزعيم يكون في الأرجنتين كاتب يـمكن الاعتماد عليه في التبشير بالعقيدة والدفاع عن القضية.

 

وقد أصغى جبران مسوح إلى مئات أحاديث الزعيم، وعشرات خطبه ومحاضراته ومئات مقالاته ورسائله، وحضر اجتماعات قومية عديدة جرت بحضور الزعيم، ورأى إدارته وتوجيهاته، وحضر قضاءه وفصله في عدة دعاوى ومشاكل، وشهد بعدله وحكمه بالـحق وعدم تساهله في إقامة الـحق وسحق الباطل وأظهر إعجابه بـمقدرة الزعيم.

 

وكلّفه الزعيم نسخ محاضر ومراسيم وكتباً في مكتبه وأملى عليه عدة رسائل في قضايا ومسائل شخصية وإدارية.

 

وحيث كان يلقي الزعيم محاضرات ويتفق وجود جبران مسوح كان يكلفه تدوين الـمحاضرة أو تلخيصها كما سمعها من الزعيم، وكان جبران مسوح ضعيفاً جداً في إدراك أهمية نقاط كثيرة اجتماعية أو سياسية أو مبدئية ترد في كلام الزعيم، فكان يدله على ما غاب عنه وعيه ويشرح له ما أشكل عليه فهمه.

 

وسافر الزعيم برفقة مسوح إلى توكومان واكتسب للقضية عشرات الشبان، وتـحبيذ عشرات الأشخاص ذوي الـمنزلة الاجتماعية واحترامهم، ونظّم الذين انضموا إلى الـحزب تنظيماً حسناً وأوكل إلى جبران مسوح وظيفة الـمشارفة على أعمال مديريتي توكومان وسانتياغو دل أستيرو، فلم يقدر، لضعف شخصيته أو لانعدامها، من اكتساب احترام عام لآرائه وكلمته فكان من الوجهة الإدارية صفراً إلى اليسار، ومن الوجهة السياسية الشخصية عبئاً على الإدارة. فكثرت الشكاوى عليه وأكثر من شكوى الآخرين، وأثار بينه وبين أصدقائه القدماء نفوراً سببه عدم وزن كلامه في الـمواضيع التي لها مساس بالأشخاص وشعورهم، فكان الزعيم يحمل ذلك على محمل ضعف تفكيره وتقديره للنتائج والعواقب، ولم يكن للزعيم متسع من الوقت للتحقيق في نفسية جبران مسوح وعواملها، ولم يخطر له أنّ محبة التهديـم والتشفي والشماتة بالآخرين هي عامل هام من عوامل نفسية ذاك الشخص الـموجودة دائماً وأبداً في تلك الـحالة الشبه مرضية التي يعبّر عنها علماء النفس بـما يـمكن أو يحسن أن يترجم «بغرور العجز». وهي حالة نفسية معقدة يحاول أصحابها دائماً القيام بأعمال والتّفوّه بأقوال القصد منها إظهار عجزهم أو ضعفهم بـمظهر القوة. وهذا كان شأن جبران مسوح دائماً. كلّفه الزعيم مرة انتقاد بذل السوريين الـمغتربين للقضايا الغريبة عن قوميتهم بسخاء، وشحّهم في مسائل قوميتهم، فكتب مقالة بعنوان «خالهم الـحصان» لم يكن فيها معالـجة للموضوع لإفهام الأغنياء ما يحسن أن يفهموه وينتظر منهم، بل كان فيها وخز ولسع، أثار مشكلاً بينه وبين أحد الرفقاء في البرازيل من أهل اليسار، واقتضى الأمر أن يتدخل الزعيم ويكتب إلى الرفيق الغني في البرازيل عدة رسائل ويكتب إلى جبران مسوح مثلها لإزالة أسباب التناظر والتنافر. وفي توكومان اكتسب عداوة أصدقاء له ليس بسبب انضمامه إلى الـحزب ولا بسبب «الدكتاتور» بل بسبب كتاباته اللاذعة الهدامة الـحاملة كل تشفّي العجز وانتقام الضعف. وهذه الكتابات هي من طبيعة جبران مسوح لا من تعاليم الـحزب ولا من خطته.

 

الصغير الذي يرى صغره ويشعر به يصير له لذَّة خاصة في اللذع واللسع والانتقام والتشفي وفي طلب الـمظاهر الـمعوضة عن الضعف، واستعمال العبارات الضخمة كحماية الـجيوش وتـحطيم القيود، والإتيان بالـمعجزات مـما ليس في مقدور الأفراد ولا الـجماعات كقول مسوح في كتاب الـمسيحي والـمسلم «عليّ الباقي» الذي لم تقدر الـجيوش الـجرارة من رجال الفكر على فعله وقوله: «إنّ القيود التي كنت مكبلاً بها وضعتها تـحت قدمي وسوف تبقى هذه القيود الـملعونة تـحت قدمي إلى الأبد. سوف أحطمها تـحطيماً يصل دويه إلى كل مشارق الأرض ومغاربها.» وهذه كلها مبالغات القصد منها التعويض عن ضعف حقيقة الشخص. وهذه الـمواقف التحطيمية هي أشبه شيء بـمواقف فروسية دنكيخوطه الذي صار يتصور دواليب الـمطاحن الهوائية وأعمدتها كأنها جبابرة فيحمل عليها بسنانه، ويثخن فيها طعناً وهو يتوهم أنه يقاتل عمالقة ويصارع جبابرة.

 

ومع ذلك فإن الزعيم لم يفتأ يعلّمه ويدربه ويرشده ويدافع عنه بين الناس، ويجد له عذراً عند أصدقائه وعائلته. وتـمكّن الزعيم بصبره من تـحسين كتابات جبران مسوح وتهذيب أسلوبه. ونظراً لـما كان يظهر من مظاهر الإخلاص والطواعية صار يعززه ويرفع شأنه في نظر القوميين، ويوليه ثقة كبيرة ليؤيد ثقة ذاك الشخص بنفسه. وبالنظر إلى الـمقالات الشعبية الـحسنة الأسلوب التي نسجها جبران مسوح من مبادىء النهضة وتعاليمها وشروحها النظرية والعلمية [والعملية] نعته الزعيم «بالكاتب القومي الكبير» وامتدت بسبب ذلك شهرة جبران مسوح إلى جميع الأوساط والـمجاميع السورية التي انتشرت فيها الأفكار القومية، فكان بذلك تـحقيق الـمصلحة الأولى التي رمى إليها جبران مسوح وبلغ بواسطة أنطون سعاده وتعاليمه وعنايته ما لم يبلغ عشر معشاره باشتراكه مع حبيب إسطفان أو بصحبته لـميشال صباغ صاحب القاموس العربي الإسباني. فلا عجب إذا كانت غيرة جبران مسوح على الـحزب والزوبعة قد زادت مع الأيام على نسبة زيادة [ما] اكتسب من علم وتدريب وشهرة ومنزلة.

 

                                                                                     للبحث استئناف

 


[1] في رسالة إلى إبراهيم أفيوني بتاريخ 22/12/1944 يطلب سعاده أخذ جميع الاحتياطات لإخراج الـمقال مضبوطاً. ويلفت النظر إلى بعض العبارات:«فيجب الإنتباه إلى وجود جملة «وقد يكون» أو «يـمكن أن يكون» ثم بعد هذه الفقرة يوجد أخرى تبتدئ هكذا:«إختلس ثم ادّع أن الزعيم مبذّر، إلخ...» فهذه الـجملة يجب أن تكون هكذا:«إحتل واغدر وافسق ثم ادّع أنّ الزعيم، إلخ..».       

 

الـمسيحي والـمسلم ثم انتهز فرصة زيارة قام بها مسوح فشرح له أخطاءه بإسهاب، وعرّفه ضعف تفكيره وألقى عليه دروساً في الاجتماع والتربية وعلم النفس، فهم منها مسوح الـمقدار الكافي ليجعله يعترف بغلطه في ما قاله بجهلٍ في صدد الـمحمديين وكتاب دينهم. وهكذا أنقذ الزعيم «شخصية» جبران مسوح، وأخذ يوجد له مركزاً يعترف ذاك الشخص بكتابات عديدة، إنّ الفضل في بلوغه يعود إلى الزعيم وعطفه عليه وعنايته بتثقيفه وتوجيه أدبه.
قلّما انضم أحد، يافعاً كان أو شاباً أو رجلاً أو فتاة أو امرأة، إلى الـحزب السوري القومي وخلا من انتقاد من معارفه أو أصدقائه أو أهله أو أقربائه الـجاهلين حقيقة الـحزب وسمو غايته وعمق فلسفته. وكثير من الرفقاء، من أحداث وكبار، تعرضوا لاضطهادات كثيرة وتعذيب وتشريد من قِبَل أهلهم من أجل أنهم آمنوا بأنطون سعاده هادياً لشعبهم وبتعاليمه التي اتخذوها منهاجاً لـحياتهم. ولكن لا يوجد رفيق قومي حقيقي منهم يطاوعه عقله أو قلبه أن يذكر، مـمنناً، ما قاسى وتـحمَّلَ من الصعاب، التي لا يبلغ ما «عاناه» جبران مسوح منها عشر معشارها، وأن يُبرز ذلك في معرض كلام كالـمعرض الذي أنشأه جبران مسوح في «إخائه». كل قومي حقيقي يعدّ ما تعرّض له في هذا السبيل مفخرة تسطع بها جبهته ووساماً يحافظ عليه بكل قوته ويذود عنه بيده ودمه. أصغر واحد منهم - أصغر أحداثهم - يستطيع أن يكون أستاذاً لأمثال جبران مسوح في معرفة الـحقائق وفهم قيم الأمور. إنّ القومي الـحقيقي ليذوب حياءً قبل أن يضطر إلى تزكية نفسه تـجاه الـحركة القومية هذه التزكية الباطلة. كل قومي صحيح ليس مثل جبران مسوح في نفسيته، ولا مثل الأعراب الذين نزلت فيهم الآية القرآنية: «قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولـمّا يدخل الإيـمان في قلوبكم» [سورة الحجرات رقم 49، الآية 14] يعلم أنّ شخصيته التي لا يريد شخصية غيرها هي التي اكتسبها في الـحزب السوري القومي ومبادئه ونظامه، ولا يجد شيئاً آخر في العالم يوازي هذا الربح العظيم فيخجل كثيراً أن يفكر في «الانتقادات التي انهالت عليه» وفي «الصعوبات» التي واجهها. إنّ الـمؤمن بقضية يجعلها هي مقياساً ومحكاً له ولا يجعل نفسه مقياساً ومحكاً له. ولكن ذاك كان شأن جميع الذين سقطوا من الـحياة القومية وخرقوا مناقبها وتقاليدها. جميعهم صاروا فلاسفة يعيّنون الـحدود الفكرية التي لم يقبلوا التعاليم القومية الإصلاحية إلا ضمن نطاقها، وبعد أن وزنوا هذه التعاليم بـميزان تفكيرهم الـخاص، ورأوا أنها تستحق أن يوافقوا عليها ويـمنحوها نعمة رضاهم، ويتنازلوا عن «شخصياتهم» ليشملوها بتأييدهم مضحّين في هذا السبيل بانتقادات «كل أصدقائهم وكل أقربائهم وكل أفراد عائلاتهم.»
يا أيها الـمنافقون، الـمراؤون، الـمزكّون أنفسكم بأقوالكم، أنتم الفقراء إلى القضية التي جاءت تنظر في نفوسكم وأموركم وتبيّن لكم صحيح الـحياة من فاسدها. إنّ تعاليمها ذات جوهر خاص يشع ويسطع في كل جهة، وكما أنه ليس لأحد فضل على النور أن يقول إني رأيته، وكذلك ليس لأحد فضل على الهداية القومية الاجتماعية أن يقول إني اهتديت بها!
إنّ قول جبران مسوح في «إخائه»: «وكنت أقول دائماً: يجب أن نكون أمة ويجب أن يكون لنا وطن، إلخ.» هو قول خبيث مشوّهٌ للحقيقة، فجبران مسوح «صار» بنعمة الهداية القومية الإصلاحية يقول، وليس صحيحاً، إنه «كان دائماً» يقول إنه يجب أن نكون أمة ويجب أن يكون لنا وطن. وجبران مسوح قبل أن أسلم للنهضة السورية القومية لم يقل شيئاً في قوميتنا ووطنيتنا إلا ما كانت تدفع له الدعاوة الفرنسية من الـمال ليقوله في الإخاء التي عاد يستند إليها بعد سقوطه من الـحياة القومية الصحيحة، وهو إننا شعب يأكل بعضنا البعض ولذلك يجب أن تأتي فرنسة وتـحتل بلادنا لكي تـمنعنا من ذلك. وكان يقول أشياء مثل التي قالها في كتابه الـمسيحي والـمسلم وإليك نـموذجاً منها «وسوف تـمرّ ألف سنة أخرى ولا يتغير الـمسلم ولا جزء من مليون من ناحية عقيدته الدينية.»... «أنا مسلم لا أتغير ولن أتغير. أنا الآن كما كنت في الـماضي، وسوف أبقى كذلك إلى الأبد فاعمل أنت ما تشاء.»... «يقولون إنّ فرنسة اغتصبت البلاد من أهاليها. وهذا كذب. والـحقيقة أنها أخذتها بالسيف من يد الأتراك، أي على ذات الطريقة التي دخل فيها خالد بن الوليد وأبو عبيدة الـجراح وغيرهما. فلماذا نقول عن هؤلاء شجعاناً بواسل يجاهدون في سبيل الله، ونقول عن الفرنساويين كل كلمة شريرة.»... «ونحن النصارى مديونون لهم بأكثر من ذلك بكثير - مديونون بحياتنا - ولولاهم لـما وجد منا أحد الآن.»... «وما أصغر الإنسان الذي يريد أن يطرح لبنان بهذا الأتون (أتون الانضمام إلى سورية) لبنان بجباله وجماله ومياهه وشعرائه وأدبائه وعلمائه وأذكيائه، يريد أن يطرحه بهذا (لا في هذا) الأتون ليربح كلمة وطني حر.»... «الشخصيات العظيمة في لبنان... هؤلاء يريدون أن يضموهم إلى سورية لتكون قيمتهم قيمة رجال البادية الذين يعيشون بين الـحيوانات والزوجات والعبيد والقمل» (صارت سورية العريقة الـحضارة صحراء في علم الأستاذ جبران مسوح) «إنه صار مستحيلاً علينا أن نتفاهم. لقد صار مستحيلاً أن يقف الـمسيحي مع الـمسلم في إنشاء وطن واحد وقومية واحدة.»... «إنّ التفاهم أصبح غير مـمكن فليسر كل واحد في سبيله كما هو يريد. ويجب أن ندرك هذه الـحقيقة لكي لا نضيّع الوقت بلا جدوى.»
هذه الأفكار الـمسّوحية العظيمة، التي مزجها صاحبها باستعجال كبير مع ما وصل إليه من طلائع التفكير القومي الذي ابتدأ ينتشر في سورية بواسطة الـحزب السوري القومي وأثبتها في كتابه الـمسيحي والـمسلم كان يراها أسمى ما يـمكن أن يصل إليه الفكر فأعلن إعجابه بها بصورة دنكيخوطية مضحكة. فعرّف كتابه بأنه «كتاب لم ينسج على منواله في اللغة العربية في جميع الأجيال.» ورشّح نفسه في ختام كتابه لزعامة «مفكري العرب» في كل مكان! وإليك قوله بالـحرف:
«هذا أول كتاب أقدمه إليك يا بلادي. ولا أريد فيه (لا به) تـحريرك من السلطات الأجنبية. كلا. فهذا موضوع لا يستحق اهتمامي ويستطيع أن يقوم به غيري (كذا)، وإذا لم يتم في هذا الـجيل فسيتم في الـجيل الذي بعده. ولكني أريد تـحرير الفكر العربي. ذلك الفكر الذي أعطى أنواراً صحيحة في أوقات مختلفة من التاريخ ثم طاردته الـمظالم واضطهدته وقيدته حتى لم يعد الناس يسمعون له صوتاً. أيها الـمفكر العربي إياك أخاطب. ها قد نبشتك من قبرك فانهض وقِفْ على قدميك. إنّ القيود التي كنت مكبلاً بها وضعتها تـحت قدمي. وسوف تبقى هذه القيود الـملعونة تـحت قدمي إلى الأبد. سوف أحطمها تـحطيماً يصل دويه إلى كل مشارق الأرض ومغاربها... أيتها البشرية سوف تسمعين صوت الفكر العربي من جديد. ها هو يـمشي إليك بالعظمة التي تعهدين. وسيتلو عليك ما لم تسمعه أذنك في كل العصور. يا مفكري العرب في كل مكان: هو ذا الفكر العربي (فكر جبران مسوح) ينهض أمامكم من جديد مكسّراً كل قيوده. فغذّوه بأدمغتكم وعقولكم وسيروا به إلى الأمام غير خائفين. ها أنا أسير أمامكم إذا شئتم، أو سيروا أنتم أمامي، وأنا أحمي صفوفكم من وراء، ولنقل جميعاً صارخين: أيتها القيود الـملعونة، لن تصلي إلى الفكر العربي فيما بعد. أيها الفكر العربي: سر أينما شئت ولا تخف. إنّ طلائعك لا تعود إلا ظافرة. بعد الآن (أي بعد كتاب مسوح) ستجد وراءك جيوشاً جرارة يعمل كل فرد منها ما يستطيعه وعليّ الباقي (أي أنّ كل ما لا تقدر الـجيوش الـجرارة على فعله يفعله جبران مسوح) سوف أكتب لأجلك كل ما لا يستطيع أن يكتبه سواي.»
بتلك الأفكار السخيفة الـجاهلة بلغ جبران مسوح هذه الدرجة من الغرور والدعوى الباطلة، فنعت نفسه بـمحرر الفكر العربي، وزعيم مفكري العرب، وحامي صفوفهم، والكاتب للفكر العربي كل ما لا يستطيع أن يكتبه سواه!
هنـا يصـح أن يقـال أكثـر مـمـا يقـال في أي مكـان آخـر: على نسبـة الـجهـل تكـون الدعـوى.
وفي الـمسيحي والـمسلم غير هذه السخافات سخافات أخرى تُظهر كم كان يجهل جبران مسوح من أوليات الاجتماع والعمران كقوله: «والسياسة لوحدها شيء لازم للبشر، هي توجد الوطنية الـحقة، وتسنّ الشرائع بحسب مقتضى الـحال، الخ.» فتعريف السياسة بأنها «توجد الوطنية الصحيحة وتسنّ الشرائع» يـمكن أن يسخر منه تلامذة الـمدارس الابتدائية، فضلاً عن تلامذة الـمدارس الثانوية ومن فوقهم.
أما شرحه، في دفاعه عن فرنسة، كيف استولت تلك الدولة على سورية مغتصبة إياها بالسيف من يد الأتراك، فدرسٌ عال في التاريخ القومي يعجز عنه أكبر مؤرخي العالم. جميع التواريخ التي تقول إنّ الـجيش البريطاني هوالذي افتتح سورية بـمساعدة الـجيش العربي وشرذمات قليلة لا أهمية حربية لها من الـجيش الفرنسي هي تواريخ كاذبة. ومثلها التواريخ التي تقول إنه أعلن استقلال الشام وتوّج الأمير فيصل الـحسيني ملكاً عليها، واعترفت بعض الدول بهذا الاستقلال، وإنّ الـجيش الفرنسي زحف بقيادة الـجنرال غورو من لبنان لاحتلال الشام واغتصاب القسم الـحر من سورية من أهاليها، وإنّ معركة دامية نشبت في ميسلون بين الـجيش السوري الـمدافع عن سيادة أمته بقيادة الـخالد الذكر الشهيد يوسف العظمة والـجيش الفرنسي الـمعتدي. «هذا كله كذب» هكذا يقول الـمؤرخ العظيم جبران مسوح ويضيف: «والـحقيقة أنها أخذتها من يد الأتراك بالسيف»!
وبهذا العمى الفكري يريد جبران مسوح أن يقول إنه نظر في دعوة الـحزب السوري القومي وفي ما تـحتاج إليه الأمة والوطن ومنح تلك الدعوة موافقته العليا وقبل برحابة صدره وسعة دماغه، التي أرادت أن تضم جميع «مفكري العرب وجيوش الفكر العربي» تـحت حمايتها، أن يكون جندياً للقضية القومية «مع كل ما في الأمر من الصعوبة»!
مع ذلك فلجبران مسوح أسلوب شعبي، عامي، في الكتابة مستحب، وقد لاحظ الزعيم ذلك من أول كتابة قرأها له. ولم يكن بين الذين دخلوا الـحزب في لأرجنتين من هو أجرى قلماً وأحسن تعبيراً منه. الرفيق نعمان ضو كان مقلاًّ، والرفيق يعقوب ناصيف والرفيق جواد نادر انضما إلى الصفوف متأخرين. فجعل الزعيم مهمته تثقيف كتابة جبران مسوح، ورفع مستواها وتغذيتها بـما أمكن من العلوم والـمعارف والنظريات والتوجيهات. فصار يقرّب جبران مسوح إليه ويجيب على رسائله بإسهاب ويتحدث إليه ويدعوه إلى بوينُس آيرس. وبديهي أنّ ذلك لم يحدث فجأة إذ كان اتصال الزعيم بالأشخاص بواسطة الـمرافقين، فلما سافر أحدهما وسقط الثاني صار الزعيم في حاجة إلى الاتصال بالأشخاص بنفسه. وقد رغب في تقوية روحية جبران مسوح وفهمه القضية حتى إذا قضت الظروف بسفر الزعيم يكون في الأرجنتين كاتب يـمكن الاعتماد عليه في التبشير بالعقيدة والدفاع عن القضية.
وقد أصغى جبران مسوح إلى مئات أحاديث الزعيم، وعشرات خطبه ومحاضراته ومئات مقالاته ورسائله، وحضر اجتماعات قومية عديدة جرت بحضور الزعيم، ورأى إدارته وتوجيهاته، وحضر قضاءه وفصله في عدة دعاوى ومشاكل، وشهد بعدله وحكمه بالـحق وعدم تساهله في إقامة الـحق وسحق الباطل وأظهر إعجابه بـمقدرة الزعيم.
وكلّفه الزعيم نسخ محاضر ومراسيم وكتباً في مكتبه وأملى عليه عدة رسائل في قضايا ومسائل شخصية وإدارية.
وحيث كان يلقي الزعيم محاضرات ويتفق وجود جبران مسوح كان يكلفه تدوين الـمحاضرة أو تلخيصها كما سمعها من الزعيم، وكان جبران مسوح ضعيفاً جداً في إدراك أهمية نقاط كثيرة اجتماعية أو سياسية أو مبدئية ترد في كلام الزعيم، فكان يدله على ما غاب عنه وعيه ويشرح له ما أشكل عليه فهمه.


وسافر الزعيم برفقة مسوح إلى توكومان واكتسب للقضية عشرات الشبان، وتـحبيذ عشرات الأشخاص ذوي الـمنزلة الاجتماعية واحترامهم، ونظّم الذين انضموا إلى الـحزب تنظيماً حسناً وأوكل إلى جبران مسوح وظيفة الـمشارفة على أعمال مديريتي توكومان وسانتياغو دل أستيرو، فلم يقدر، لضعف شخصيته أو لانعدامها، من اكتساب احترام عام لآرائه وكلمته فكان من الوجهة الإدارية صفراً إلى اليسار، ومن الوجهة السياسية الشخصية عبئاً على الإدارة. فكثرت الشكاوى عليه وأكثر من شكوى الآخرين، وأثار بينه وبين أصدقائه القدماء نفوراً سببه عدم وزن كلامه في الـمواضيع التي لها مساس بالأشخاص وشعورهم، فكان الزعيم يحمل ذلك على محمل ضعف تفكيره وتقديره للنتائج والعواقب، ولم يكن للزعيم متسع من الوقت للتحقيق في نفسية جبران مسوح وعواملها، ولم يخطر له أنّ محبة التهديـم والتشفي والشماتة بالآخرين هي عامل هام من عوامل نفسية ذاك الشخص الـموجودة دائماً وأبداً في تلك الـحالة الشبه مرضية التي يعبّر عنها علماء النفس بـما يـمكن أو يحسن أن يترجم «بغرور العجز». وهي حالة نفسية معقدة يحاول أصحابها دائماً القيام بأعمال والتّفوّه بأقوال القصد منها إظهار عجزهم أو ضعفهم بـمظهر القوة. وهذا كان شأن جبران مسوح دائماً. كلّفه الزعيم مرة انتقاد بذل السوريين الـمغتربين للقضايا الغريبة عن قوميتهم بسخاء، وشحّهم في مسائل قوميتهم، فكتب مقالة بعنوان «خالهم الـحصان» لم يكن فيها معالـجة للموضوع لإفهام الأغنياء ما يحسن أن يفهموه وينتظر منهم، بل كان فيها وخز ولسع، أثار مشكلاً بينه وبين أحد الرفقاء في البرازيل من أهل اليسار، واقتضى الأمر أن يتدخل الزعيم ويكتب إلى الرفيق الغني في البرازيل عدة رسائل ويكتب إلى جبران مسوح مثلها لإزالة أسباب التناظر والتنافر. وفي توكومان اكتسب عداوة أصدقاء له ليس بسبب انضمامه إلى الـحزب ولا بسبب «الدكتاتور» بل بسبب كتاباته اللاذعة الهدامة الـحاملة كل تشفّي العجز وانتقام الضعف. وهذه الكتابات هي من طبيعة جبران مسوح لا من تعاليم الـحزب ولا من خطته.


الصغير الذي يرى صغره ويشعر به يصير له لذَّة خاصة في اللذع واللسع والانتقام والتشفي وفي طلب الـمظاهر الـمعوضة عن الضعف، واستعمال العبارات الضخمة كحماية الـجيوش وتـحطيم القيود، والإتيان بالـمعجزات مـما ليس في مقدور الأفراد ولا الـجماعات كقول مسوح في كتاب الـمسيحي والـمسلم «عليّ الباقي» الذي لم تقدر الـجيوش الـجرارة من رجال الفكر على فعله وقوله: «إنّ القيود التي كنت مكبلاً بها وضعتها تـحت قدمي وسوف تبقى هذه القيود الـملعونة تـحت قدمي إلى الأبد. سوف أحطمها تـحطيماً يصل دويه إلى كل مشارق الأرض ومغاربها.» وهذه كلها مبالغات القصد منها التعويض عن ضعف حقيقة الشخص. وهذه الـمواقف التحطيمية هي أشبه شيء بـمواقف فروسية دنكيخوطه الذي صار يتصور دواليب الـمطاحن الهوائية وأعمدتها كأنها جبابرة فيحمل عليها بسنانه، ويثخن فيها طعناً وهو يتوهم أنه يقاتل عمالقة ويصارع جبابرة.


ومع ذلك فإن الزعيم لم يفتأ يعلّمه ويدربه ويرشده ويدافع عنه بين الناس، ويجد له عذراً عند أصدقائه وعائلته. وتـمكّن الزعيم بصبره من تـحسين كتابات جبران مسوح وتهذيب أسلوبه. ونظراً لـما كان يظهر من مظاهر الإخلاص والطواعية صار يعززه ويرفع شأنه في نظر القوميين، ويوليه ثقة كبيرة ليؤيد ثقة ذاك الشخص بنفسه. وبالنظر إلى الـمقالات الشعبية الـحسنة الأسلوب التي نسجها جبران مسوح من مبادىء النهضة وتعاليمها وشروحها النظرية والعلمية [والعملية] نعته الزعيم «بالكاتب القومي الكبير» وامتدت بسبب ذلك شهرة جبران مسوح إلى جميع الأوساط والـمجاميع السورية التي انتشرت فيها الأفكار القومية، فكان بذلك تـحقيق الـمصلحة الأولى التي رمى إليها جبران مسوح وبلغ بواسطة أنطون سعاده وتعاليمه وعنايته ما لم يبلغ عشر معشاره باشتراكه مع حبيب إسطفان أو بصحبته لـميشال صباغ صاحب القاموس العربي الإسباني. فلا عجب إذا كانت غيرة جبران مسوح على الـحزب والزوبعة قد زادت مع الأيام على نسبة زيادة [ما] اكتسب من علم وتدريب وشهرة ومنزلة.


للبحث استئناف​​

 

 

(1) في رسالة إلى إبراهيم أفيوني بتاريخ 20/12/1944 يطلب سعاده أخذ جميع الاحتياطات لإخراج الـمقال مضبوطاً. ويلفت النظر إلى بعض العبارات:"فيجب الإنتباه إلى وجود جملة "وقد يكون" أو "يـمكن أن يكون" ثم بعد هذه الفقرة يوجد أخرى تبتدئ هكذا:"إختلس ثم ادّع أن الزعيم مبذّر، إلخ..." فهذه الـجملة يجب أن تكون هكذا:"إحتل واغدر وافسق ثم ادّع أنّ الزعيم، إلخ..".   

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro