مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
المعرض السياسي فشل المعاهدة وتفكك الوحدة السورية الكتلوية «كيف تطورت الحالة في العلويين إنقلاب السياسة وموالاة الإنفصاليين قتل أحد أنبياء الرب إحتلال عسكري قوات الفرنسيين»
 
 
 
سورية الجديدة،سان باولو،العدد 2، 1939/3/18
 

في 25 فبراير/شباط 1939 - رسالة دمشق بالطيارة

القصد من تصميم المعاهدة تخدير الشعب السوري


طلبتم مني رسالة ضافية عن «فشل المعاهدة» والحوادث التفكيكية التي تفاجىء «الوحدة الكتلوية». إنّ قضية المعاهدة أصبحت مشهورة وقد عالجتها الجرائد الموالية والمعادية في الشام وبيّنت بعض ما طرأ عليها. والحقيقة أنه لم يقصد من التصميم الذي وضع للمعاهدة السورية - الفرنسية إلا إيقاف الاضطرابات في الشام، وإنهاء الإضراب الطويل الذي قامت به المدن السورية 1936 وأخذت الجرائد الأوروبية المعادية لفرنسة تعالج أخباره وتُظهر فرنسة بمظهر المتعدية والحانثة بالعهود.

فالمعاهدة، من أساسها، لم يُقصد منها إلا تخدير الكتلة وتثبيط عزيمة الشعب وكسب الوقت لتفكيك حلقات السلسلة المؤلفة من دمشق - حلب وجبل الدروز والعلويين والجزيرة العليا، المرتبطة فقط بالأوهام السياسية والحماس الموقت والوعود الكتلوية المنثورة. وحكمة فرنسة الاستعمارية لم تشأ، في ذاك الحين، أن تأتي بالعنف اتقاءً للغليان الشامي، ولمناصرة الجبل الدرزي المتحمس الذي كانت تتراءى له عند عودة أبطال الثورة أشباح المجاهدين، الذين استشهدوا في سبيل أمتهم السورية، فتحفّزه للوثوب مرة ثانية إذا اقتضى الأمر، وتحاشياً لاشتراك العلويين الموالين للسياسة الشامية.

 

نشاط الدوائر السرية الفرنسية
فمن حين وضع تصميم المعاهدة إلى الآن أخذت الدوائر السرية الفرنسية تعمل بنشاط ومثابرة لتقطيع الصلات الواهية التي كانت أوجدتها الوعود «الكتلوية» بين الشام والجبل الدرزي ومقاطعة العلويين. ومن ذلك الحين ظنت الكتلة المؤلفة من الأميين السياسيين الذين لا يزالون يؤمنون بالورق والحبر، أنّ مهمتها قد انتهت وأنّ عليها الانتظار فقط. فتصميم المعاهدة في درج مكتبها مذيّل بتوقيع المفوض السامي، ومثبت بتوقيع الوزارة الخارجية كتصميم طبعاً، وهذا يكفي. وأخذت «الكتلة» إذ ذاك توفد المحافظين «فوق العادة» إلى أنحاء الإمبراطورية الكتلوية كالجبل الدرزي والعلويين والجزيرة العليا، كما تفعل الدول الكبرى. وأيدي الدوائر السرية كانت سائرة في عملها المنظم دائماً.

 

ألغام الدوائر السرية تأخذ بالانفجار
فلم يمضِ وقت طويل حتى ظهر التنافس بين المحافظ «فوق العادة» والأمير حسن في الجبل الدرزي وابتدأت الاضطرابات في الجزيرة العليا، وأخذ الموعودون بالوظائف من العلويين يتململون وينتظرون بفروغ صبر.


وكانت في الشام وداعات حماسية على محطات السكة الحديدية وكانت في باريس استقبالات ظهرت فيها الابتسامات المعنوية الهزئية، ثم كانت في حلب ودمشق، استقبالات «وطنية» وأفلام سينمائية وظهور لحى وعمامات على المحطات وفي الحفلات، وخطب قمصان حديدية و«ارتجالات» بارودية، وقد توالت هذه المظاهر الصبيانية المضحكة المبكية والأمة تنتظر والموالون من الجبل والعلويين ينتظرون، والأيادي السرية تعمل وتعمل. والكتلة تنتظر لأن عملها في عرفها قد تمَّ و«الوحدة الكتلوية» تحققت وستتبعها الوحدة السورية التامة لتكون واسطة للوحدة الكبرى. وانصرفت الكتلة عن تمكين الصلات بين الشام والمقاطعات الأخرى الموالية إلى التبشير «بالإمبراطورية العربية» الكبرى الممتدة من جبال طوروس إلى المحيط الهندي ومن بلاد الفرس إلى حدود موريتانية الغربية!

 

التخدير يتم وعملية بتر أجزاء الأمة أصبحت ممكنة
سنة 1938. سنتان تمرّ على الأعمال الصبيانية الكتلوية لا يظهر بعدها إلا العقم والفشل. سنتان كانتا كافيتين لاستنزاف قوى الشعب الشامي النفسية ولإيقافه حائراً قانطاً وغاضباً ضعيفاً يصب اللعنات على المستعمرين فقط، ظناً منه أنهم السبب الوحيد لتعاسته وشقائه. سنتان كانتا كافيتين لتقطيع كل الأوصال الوهمية الواصلة الشام بباقي أجزاء الوحدة، والقائمة على الوعود الإقطاعية والاعتباطية!


خرافات اجتماعية
بينما «زعيم الشباب الشامي» فخري البارودي وشركاؤه يبشرون العالم بقرب تحقيق الإمبراطورية العربية، ويذيعون من الخرافات الاجتماعية ما يجعل الدوائر الفرنسية والإنكليزية تهزأ بالشعب السوري وتتأمل ببقائه عقوداً عديدة في حالة البلبلة والفوضى الفكرية، بينما نرى هؤلاء الانتهازيين سائرين في أعمالهم «الوطنجية» مقدمين اعتراضاتهم، تارة على أعمال إيطالية في ليبية، وطوراً على تصرفات فرنسة في تونس، نرى الأكواخ الوطنية التي أقاموها في أجزاء «الوحدة الكتلوية» تقع لأول رفسة من أقدام الدوائر السرية الأجنبية!

 

تضليل المهاجرين
كل هذا لا يهم عند مكتب فخري البارودي الذي يفبرك ويلفق الأخبار ويرسلها إلى جرائد المهاجر التي تنقلها، بكل غيرة وسذاجة، دون أن تشعر بما تجرّه هذه الأكاذيب من الضرر الاجتماعي والقومي على السوريين. ولا أعلم كيف أنّ المهاجرين لا يزالون يصغون إلى انتهازيين كفخري البارودي وفؤاد مفرج صاحبي «مكتب» نشر الأقاصيص الخرافية اللذين يريدان، تارة تمثيل سورية في معرض نيويورك وطوراً الدفاع عن فلسطين، وحيناً الدعاوة لقرب تحقيق الإمبراطورية العربية.

 

وكل المشاكل التي تتخبط فيها الشام اليوم، ليست شيئاً يستحقه الاهتمام عند البارودي ومفرج، فآفاق تفكيرهما السياسي هي أوسع من هذه القضايا الإقليمية، التي يتركانها لصغار السياسيين من الكتلويين. ولا شك أنّ كل حق يناله الفلسطينيون في لندن سيكون بمساعي مكتب فخري البارودي والمرجح أنّ فخري البارودي يحلم أن يكون زميل أتاتورك يوماً فيسمى: أتا عرب، أي «أبو العرب». والكتلويون هنا أصبحوا محتقرين حتى من أتباعهم المتحمسين، بعد أن ظهر عقمهم وعجزهم في كل أعمالهم الداخلية والخارجية. فلا يكفي أنّ المعاهدة ألغيت لأن الفرنسيين كانوا عالمين بواسطة دوائرهم الاستخبارية، أنّ الكتلة لا تمثل قوة يُخشى مقاومتها، بل «قامت القيامة» عليهم من كل الجهات الداخلية لأنهم يجهلون كل الجهل نفسيات المقاطعات التي انضمت إلى «وحدتهم» وطرائق معالجتها والوصول إلى صميم الشعب. فهم نسخة طبق الأصل لرجال «الدولة العلية» التي عطاكم الله عمرها.


أسرار تجهلها حكومة الشام إلى اليوم
كيف تطورت الحالة في العلويين
لقد استطعت التوصل إلى الحصول على معلومات سرية من بعض الدوائر الخاصة ألخصها في ما يلي:


(وهذه المعلومات مؤرخة في يونيو/حزيران 1938)
«نشبت في الآونة الأخيرة ثورة في العلويين، لا شك أنها ذات علاقة وثيقة بالظروف العامة وبالسياسة المنوي تطبيقها هناك. في العلويين جبهتان حزبيتان خارج الحزب السوري القومي تعرف إحداهما بجماعة «الانفصاليين» والأخرى بجماعة «الوطنيين» لأنها اتفقت مع «الكتلة الوطنية». وهاتان الجبهتان تتفقان في بغض الشام والحذر من رجالها خوفاً من الاستبداد السني، وتختلفان بسبب العصبيات العشائرية والمذهبية. وقد كانت حكومة الشام تؤيد «الوطنيين» وهذا سبب تسميتهم بهذا الاسم من قبل صحافة الكتلة. وسار على هذه الخطة المحافظ السابق مظهر رسلان، الذي استطاع بأساليب مخجلة إقصاء جماعة الانفصاليين وخذلانها في الانتخابات.

وقد كان ديوان «المحافظة» مستبداً في أعماله لا يعرف أساليب السياسة، إلا ما تعوّده بعض رجاله في زمن العثمانيين. وكان يتعمد معاكسة الانفصاليين بعد خذلانهم في الانتخابات دون أن يقام حساب لما يجرّه هذا العمل من إيغار صدورهم. فتألبوا لـمّا فهموا أسباب نتائج الانتخابات وأخذوا ينشرون الفوضى في المنطقة، حتى توصل بهم الأمر إلى قطع الطرق على المارة. وكانت حوادث عشيرة المتاورة في وادي العيون، لتأخر حكومة الشام بالبِرِّ بوعودها لشيخ العشيرة، قوية تنذر بشرٍ مستطير.


ثم عيّن الهواش رئيس عشيرة المتاورة محافظاً لحوران فهدأت الحوادث. وبقي آخرون في غليانهم حتى أنهم هددوا بعصيان مسلح فيما لو لم تجب مطاليبهم طبقاً للوعود الكتلوية المنثورة. وأوهمت الكتلة جماعة الانفصاليين بأن الخطأ في سوء معاملتهم يعود على المحافظ وأنّ مدة ولايته لن تتجدد وكان في هذه الآونة اتصال دائم بين جماعة من الانفصاليين والمفوضية العليا يثير الشك.

 

إنقلاب السياسة
خلال هذه الاضطرابات انتهت مدة ولاية مظهر رسلان وانتدب السيد إحسان الجابري محافظاً للمنطقة ويتناقل الناس أنّ وطأته شديدة. فقام بجولة تحببية في المنطقة كلها ونثر الوعود «الكتلوية» جزافاً. وأرسل يسترضي المعارضين لسياسة الشام وجعلهم يستقبلونه بمظاهر استعراضية، كانوا يرمون من ورائها إفهام المحافظ مدى قوّتهم وقد فهمتها الجرائد الكتلوية مظاهر ترحاب وإكرام وحسن نية!


لقد كان عمل المحافظ الجديد عن حسن نية، ولكن حسن النية كان عميقاً إلى حد أنه لم يفهم معنى المظاهر الاستعراضية، وظن أنه بتقربه من الانفصاليين يتمكن من إرجاع الأمن والنظام إلى المنطقة ولكنه خفف كثيراً من موالاته «للوطنيين» حتى أصبحت سياسته معاكسة سياسة سلفه تماماً.

 

إحتلال عسكري
كل ما تقدم وما منيت به سياسة الكتلويين من العقم وقصر النظر، ساعد على النفور والتفكك بين صفوف «الوطنيين» العلويين وسئموا سياسة زملائهم في الوطنية في الداخل. وإذ إنّ أهمية هذه المنطقة الحربية لفرنسة تستدعي احتلالاً عسكرياً تضاعفت قوى المناورات التمهيدية التي تحدث تحت إشراف ضباط الاستخبارات الفرنسيين.

محاولة أولى
نزع السلاح من المنطقة:
نزع السلاح من المنطقة الشمالية لازمٌ في الدرجة الأولى لإتمام خطة الفرنسيين، إذ إنّ هناك ألوفاً مسلحة على مقربة من الخطر العسكري «والدهاء السياسي الفرنسي» يريد أن تقوم حكومة الشام بعمل نزع السلاح، حتى إذا غضب الأهلون لعمل الكتلة وتدخّل الفرنسيون، كان هؤلاء صخرة الإنقاذ من جور الشاميين الظالمين! فاجتمع المندوب الفرنسي المسيو كاهور بالمحافظ واتفقا على أن ترسل حكومة الشام إلى الجوبة وقضاء الحفة 500 دركي من دمشق وحلب ومدن الداخل لتعزيز القوات الصغيرة الموجودة في منطقة اللاذقية لكي تجمع السلاح.


وعلى أثر هذا الاجتماع طلب المسيو كاهور «الرب» سليمان المرشد، الساخط على حكومة الشام بسبب رفض بعض مطاليبه وأسرّ أليه أمر جمع السلاح من قبل حكومة الشام متهماً المحافظ وحكومة الشام بهذا العمل. وقال له أخيراً: «هذه نتيجة عدائك للسياسة الفرنسية وانضمامك إلى الوطنيين.» وأوهمه أنّ كتلة «الانفصاليين» ستساعد الحكومة الشامية على تجريده من قوّته. فثار ثائر المرشد وعمم على جماعته بوجوب الاستعداد التام لكل الطوارىء.

 

محاولة ثانية
نجحت هذه الخطة الرامية إلى إحكام العداء بين جميع الرؤساء العلويين والكتلة الشامية، إذ إنّ عملاً كهذا، أوغر صدر أنصار «الرب»، فخفّوا إلى الاستفسار عن هذا العمل وأوغرت صدر إبراهيم الكنج وكتلته، فأصبحت المنطقة معسكرين متقابلين كلاهما عدو لدود لـ «الكتلة الوطنية» ساخط على سياستها وعهدها ولكن عداءهما المحلي يمنعهما عن الاتحاد في طلب أمر مشترك.


بعد أن أبل «الرب» من مرضه قصده المحافظ الذي أظهر له كثيراً من التودد وقال له: «كنت عزمت على زيارتكم أثناء المرض، لكن الأعمال لم تمكنّي». فأجاب سليمان المرشد: «عرفت بعزمكم هذا من مصدر موثوق به جداً وكنت أنتظر بفارغ صبر زيارتكم لأنني أعددت لكم استقبالاً لم يكن لأي حاكم قبلكم من الوطنيين.» ثم أفهمه أنه كان مزمعاً على ذبح الخمسماية جندي التي كانت سترافق الزيارة هذه. أنكر المحافظ بصورة بيّنت ضعف وخوف حكومته ولكن سليمان المرشد ظل حانقاً وهدد بأمر عظيم!


علم المحافظ بما بين حسن عبود وصهره «الرب» فاستدعى الأول وتودد إليه وشجّعه على العمل الجدي ضد «الرب» لكي تتخلص المنطقة من جوره وعسف رجاله وما يجرّونه على بقية العشائر من أضرار وما يمكن أن تكون النتيجة إذا شاء «الرب» أن يعتدي على باقي العشائر. فأعلن حسن عبود خروجه على «الرب» واجتمع بإبراهيم الكنج رئيس الحدادين وهم عشيرة كثيرة وقوية، وصقر طير بك رفيق الكنج ورئيس القراعنة والنواصرة، عشيرة صغيرة على حدود سليمان المرشد الشمالية في قضاء الحفة وبيت شلق أيضاً على هذه الحدود وتحالفوا للقضاء على سليمان المرشد القضاء المبرم.

 

المعركة الأولى
تمَّ التحالف ووضعت الخطة، وكان مآلها، أن يبدأ حسن عبود في الجوبة نفسها فيأخذ سليمان المرشد على غرّة ويقضي على إمكانيات تكتل رجاله وتجمعهم حوله ويساعده من الخارج أنصاره. ويوم السبت في 25 يونيو/حزيران وقعت الواقعة في قرية الجوبة وأخذ الرصاص يلعلع من الساعة العاشرة ليلاً وبقيت المعركة إلى مساء الأحد.


ضحايا المعركة
قتل محمد خليل الخرطبيل أحد أنبياء «الرب» في بدء الدعوة والمغضوب عليه اليوم. وقتل أخ حسن عبود ويشاع أنّ ابن حسن عبود ذبح ذبحاً، كما أنّ هناك إشاعة أنّ عدد القتلى خمسة عشر رجلاً وعدة جرحى. والبعض رأوا يوم الأحد الماضي أربع سيارات كبيرة آتية إلى اللاذقية وملأى بالجرحى. حتى الآن لم يعرف عدد القتلى والجرحى لأن كلا الفريقين يحرص على كتمان خسائره.


وصل من دمشق وسائر أجزاء المنطقة حوالي المائتي دركي إلى قرية الجوبة.

 

الحالة العامة
بعد هذه الحوادث وانهزام جماعة حسن عبود، توترت الحالة بصورة مريعة، وقد خفَّ جميع أنصار سليمان المرشد للاستفسار عن الحالة، كما خفَّ الفريق الثاني لاستقصاء الأخبار ويخشى كثيراً أن تشعل نار معارك عشائرية في القريب العاجل.

 

إتصال مرشد الدائم بالمندوب الفرنسي
والأمر الذي يبعث الحذر إلى المحافظ والحكومة الشامية ويلقي الرهبة في قلوبهم، هو اتصال سليمان المرشد الدائم بالمندوب الفرنسي. وقوات المرشد في قضاء الحفة لم تتحرك للمساعدة بل استعدت لصد أي هجوم مفاجىء من أعداء «ربهم» من خارج القضاء. والألف رجل التي وصلت إلى الجوبة صباح الأحد الباكر أتت من الجهة الشرقية أي من قرية دير ماما وقضاء مصياف.

إستنتاج
إنّ حادث الجوبة وما سبقه من مناورات يعود عهدها إلى تاريخ وضع المعاهدة، وما سيتبعه من الحوادث الموضوعة تصاميم تنفيذها يجعلني أؤكد أنّ النتيجة ستكون احتلال المنطقة عسكرياً بأساليب تدريجية دقيقة! وأمور كثيرة الآن تُنظّم سراً وتهيىء المنطقة لحوادث كبيرة وللاحتلال وبعض هذه الأعمال التمهيدية يلخص كما يأتي:

العمل على إقصاء الهواش عن محافظة حوران لإرجاعه إلى منطقة العلويين، فإن رؤساء العشائر ألحوا عليه بالاستقالة، وعندما رفض طلبهم أثيرت منطقة حوران ليرى نفسه مضطراً للاستقالة. ثم إنّ حشد الجيوش الفرنسية في شمالي المنطقة العلوية لا مبرر له إلا الشائعات المروّجة من الفرنسيين أنفسهم عن إمكانية هجوم من الأتراك. والمؤكد أنّ كل هجوم تركي يكون متفقاً عليه بين فرنسة وتركية لذلك لا لزوم لحشد القوات الفرنسية. أما أسباب هذا الحشد الحقيقية قد ظهرت تماماً وهي ذات هدفين:


الأول - صد هجوم العلويين على لواء الإسكندرونة، في حالة تحمسهم أو تحمس بعضهم للعلويين الموجودين في اللواء.


والثاني - إنّ كثرة الأسلحة الموجودة مع الأهلين، في تلك المنطقة، تخيف الفرنسيين وتستدعي وجود قوة عسكرية فيها. حتى إذا حان وقت الاحتلال تتحرك القوات من الشمال جنوباً وتلاقيها قوات لبنان شمالاً وقوات من الشرق.


إنّ إثارة العشائر على بعضها، بهذه الصورة، لا تبقي مجالاً للشك في نية الفرنسيين أنهم يريدون هدم كل ما توهّمت «الكتلة» الغافلة عن كل هذه المناورات أنها بنته.

وتحت هذا الستار يقيمون حاجزاً حربياً ضد انتشار الحركة السورية القومية، التي رأى خطورتها المندوب الفرنسي بأم عينه أثناء زيارة الزعيم الرسمية لهذه المنطقة، إذ اضطر أن يقفل راجعاً قبل أن يصل إلى صافيتا، لأن المنطقة كلها كانت قد احتشدت لاستقبال الزعيم.

 

قوات الفرنسيين
قد علمت من مصدر سري أنّ الفرنسيين طلبوا قوات من فرنسة وعدداً من الغواصات خاصة ليرابط على الشواطىء، وقد ادعوا أنّ قواتهم لا تكفي في حال هجوم تركي، وقد سُمع مخبري أحد الضباط الفرنسيين يقول للآخر: «إنّ مسألة رفع العلم الفرنسي تأجلت الآن لظروف مؤاتية»!

خطوط الدفاع الفرنسية
من مدة أسبوعين تحرك رتل كبير من السيارات التابعة لقوات جيش الشرق في طريق الشاطىء وكان ذلك على أثر الشائعات المقصودة بأن قوة من الجيش التركي اخترقت حدود الإسكندرونة والجزيرة وقد أثبتت الحوادث كذب هذه الشائعات. أما الجيش الفرنسي فاستقر في اللاذقية حيث جرى توزيعه في الخطوط الثلاثة التالية الواقعة في منطقة الباير:


أ - الساحل البحري.
ب - وادي القنديل، السفكون، شريفة، جبل النبي يونس.
ج - الجبل الأقرع (طرف الباير الجنوبي).
تستند هذه الخطوط على الأسطول البحري ضد الهجمات الداخلية والخارجية. إنّ منطقة الباير هي من المناطق الحربية الممتازة، لأنها تشكل الخط الدفاعي الحامي طريق الشرق الممتد من الأناضول إلى طرابلس في الخط الشمالي من شرقي المتوسط.

 

السلاح في المناطق
لا تخلو منطقة من السلاح الحربي ولكن المناطق التالية، وهي الباير وبوجاق والحفة وبسيط، ملأى بمختلف الأسلحة لأسباب مرَّ ذكرها ولعدم ثقة رؤسائها بالحكومة الشامية التي تتراءى لهم دائماً في ثوب ديني سنّي. وبلاد العلويين كلها تخاف العجرفة السنّية. ثم إنّ المستشارين الفرنسيين، في ما مضى، كانوا يعمدون إلى تسليح جماعاتهم خصوصاً حين كانت المفاوضات جارية لعقد المعاهدة. فبينما كانت الكتلة لاهية في التوديع واللقاء والتبشير بالإمبراطورية العربية كان المستشارون يضعون ألغامهم لنسف الوحدة الكتلوية متى أرادوا.

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro