مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
بشرى! «الحالة الاقتصادية ستزدهر لأن في منزل المفوض الفرنسي الجديد السيد بيو أرزة قديمة»
 
 
 
سورية الجديدة،سان باولو،العدد 3، 1939/3/25
 

سلّم المسيو بيو المفوض الفرنسي الجديد في سورية، قبيل مغادرته باريس، رسالة إلى مندوب الأوريان البيروتية، يضيق المقام عن نشرها، ولكننا نثبت الفقرة التالية منها كأنموذج.


قال المسيو بيو:


«إنّ في حديقة منزلي القديم الواقع في ضواحي باريس أرزة تدل أغصانها الضخمة على أنّ لها من العمر أكثر من مئة سنة. وهناك أيضاً أشجار أخرى من الأرز في الحدائق المجاورة.


«أما أنا فأشعر بأني لست متوجهاً إلى أرض مجهولة أو إلى بلاد أجنبية. وأرى أنّ حب الوطن، وأرضه ومناخه وسماءه وأشجاره وأزهاره وصخوره ومياهه لممّا يجعل الناس مزدانين بالشعور الإنساني أكثر فأكثر، ويسبغ على قلوبهم المسرّة وهذا ما لم يكن تحقيقه بواسطة المبادىء العنصرية التي تجعل الدولة إلهاً يماثل الإله مولوخ مفترس أبنائه وفلذات كبده.


«حبّوا لبنانكم! زيّنوه! عززوا موارده!»


يظهر أنّ حضرة السيد بيو، المفوض الفرنسي الجديد في الشام ولبنان، قد دوّن ملاحظات هامّة من احتكاكه بالإكليريكيين والمثقفين والماليين - الصناعيين قبل سفره إلى سورية. ولكن الظاهر أنّ السيد بيو دوّن الملاحظات التي تهمّ المصلحة التي وكّلت إليه فقط، أو بالأحرى قد استدل في أحاديثه الاستشارية على مواطن الضعف في الشعب الذي سيجابه مشاكله الاجتماعية والقومية في نظرنا، والإتنية (العرقية) والطائفية في نظره.


وتصريحات السيد بيو العاطفية تارة، والعسكرية آناً، تجعلنا نعتقد أنه قد أشير إليه أن يكون شاعراً، ولو في المنثور من الشعر. وكم هو مفيد للقارىء المفكر والملاحظ أن يسمع رجل إدارة وتنظيم استعماري تتدفق عباراته في وصف غرام الفرنسيين بشجرة الأرز وغرسها في حدائقهم ووجود لبنان، بكل ما فيه، من ثَمَّ يعلل النفس بلقاء مظاهر الحياة الفرنسية في لبنان «وقد شعشعت فيها أنوار الشرق الباهرة» ثم ينتقل إلى حث الناس «على العناية بحراثة الأرض ويتمنى للعبقرية اللبنانية الاتصال بالأرض التي شاهدوا فيها النور» ويرى «أنّ حب الوطن وأرضه ومناخه وسماءه وأشجاره وأزهاره وصخوره ومياهه، لممّا يجعل الناس مزدانين بالشعور الإنساني أكثر فأكثر، ويسبغ في قلوبهم المسرّة وهذا ما لم يكن تحقيقه بواسطة المبادىء العنصرية التي تجعل الدولة إلهاً يماثل الإله مولوخ مفترس أبنائه وفلذات كبده.»


الحقيقة أنّ السيد بيو قد جمع هنا بين الشاعر والسياسي الاستعماري الحقيقي: فلأول مرة في تاريخ حب الوطن والأوطان يتحول ذلك الحب كله إلى إنسانية مطلقة، دون أن يحفظ خط الرجعة للدفاع أحياناً عن الكرامة وأحياناً للموت في سبيل استعادة السيادة القومية والحرية. ونحن نسأل حضرة المفوض: هل حب الوطن في فرنسة دائماً من هذا النوع؟ وهل كانت الحروب المجيدة التي حرقت فيها الأمة الفرنسية ملايين الفرنسيين دفاعاً عن الوطن والكرامة، «شعوراً إنسانياً يسبغ على قلوبهم المسرّة»

فإن لم يكن هكذا، فلماذا يريد السيد بيو تحويل أفكار الشبيبة اللبنانية عن فهم حب الوطن والاستماتة في سبيل الدفاع عنه إلى شعور إنساني مائع، أو شعور زراعي أولي لا يفهم معنى المثل العليا؟ وكأن السيد بيو أراد أن يقضي على كل شعور قومي، فصوّر القومية والوطنية في شكل عنصري بحت يماثل الإله مولوخ. ولا نجد مبرراً لهذه الاستباحة. فالقوميات والوطنيات ليست كلها عنصرية، بل منها وطنيات راقية كالوطنية الفرنسية مثلاً! فهل إذا دافعت فرنسة عن الوطن وضحت بأبنائها «وفلذات كبدها» في سبيله يعني أنّ الدولة الفرنسية «كالإله مولوخ مفترس أبنائه وفلذات كبده»؟


إنّ المثقفين والإكليريكيين الذين أعطوا السيد بيو معلوماتهم عن سورية قد كانوا مبالغين، فالشعب السوري سواء في لبنان أم في الشام لم يعد ساذجاً وخيالياً وشعرياً إلى هذا الحد، بل نؤكد لحضرة المفوض أنّ فئة كبيرة من الشعب السوري، حتى في لبنان الذي ظنه حضرته أصبح فرنسة، تفهم معنى حب الوطن فهماً تاماً، ليس فقط في «حب المناخ والسماء والأشجار والأزهار والصخور والمياه» بل في حب الموت «متى كان الموت سبيلاً إلى حياة» الوطن، بل في الطموح إلى تحقيق مثل عليا راقية ترى ذاتها جائعة بدونها.


ثم يقول حضرة المفوض: «حبوا لبنانكم! زيّنوه! عززوا موارده!» أما الحب والزينة فإننا نضرب عنهما صفحاً لميعان معناهما! ولكن تعزيز الموارد لا نعلم بأي وسيلة يريده حضرة المفوض. وكم كنا نكون شاكرين لو كان عيّن لنا حضرته بعض هذه الموارد وعلّمنا أساليب تعزيزها. كل الأمور التي تكلم عنها حضرته من حب الأرز وحب الأرض وحب الوطن، يمكن فيها الإطلاق على نوع ما، أما تعزيز الموارد فهي قضية اقتصادية أرقامية لا يمكن إطلاقها أو حشرها في الشعر والتغزل!


إنّ أسلوب السيد بيو، في كتابه إلى اللبنانيين، يشبه أساليب الرهبان في سورية عندما يحلّون ضيوفاً «إجباريين» على الناس، فيتكلمون ويأكلون ويشربون وينامون كأنهم في بيوتهم، ولكن عندما يعرّج أحد مضيفيهم على صوامعهم ويعرّف نفسه يضع الراهب كفه فوق عينيه ويقطب حاجبيه ويحدق بناظريه ويقول: «لا تواخذني ما عرفتك» ونحن عندما نكون في فرنسة ونطلب بعض المساعدة المعقولة لإدخال فاكهتنا أو محاصيل أخرى إلى فرنسة يقال لنا: «أنتم أمة مستقلة كل الاستقلال ويجب أن نعاملكم تجارياً حسبما نعامل الأمم المستقلة» ولا نعلم لماذا لا يجب أن نقول نحن ما يقول السيد بيو: إننا نعيش في فرنسة كأننا في بلادنا لا في بلاد أجنبية وإنّ التسهيلات التجارية يجب أن تشملنا كما تشمل الفرنسيين في بلادنا!


لقد حان لممثلي فرنسة في سورية أن يفاوضوا الفئة السورية التي تمثل حقيقة وإرادة الأمة السورية. أما إظهار الأمة السورية في وجوه الإكليريكيين والطائفيين والموظفين المستسلمين فلا يفيد فرنسة إلا من ناحية ربح بعض الوقت وقضاء بعض الأمور الموقتة. وإنّ هذا التغاضي عن النهضة القومية التي هي بمثابة نفير عام للشعب السوري المتخلف والمهاجر لا يكسب فرنسة إلا البغض والحقد، وخسارة احترام أصدقائها الحقيقيين الذين تثقفوا في مدارسها وكلّياتها والذين يريدون التفاهم معها ولكن ليس على أساس تصريحات السيد بيو.


إنّ فكرة تحويل النبوغ السوري إلى الزراعة وحب الأرض وجعل سورية أهراء فرنسة، كما هي الحالة في المغرب، أو جعل سورية قاعدة حربية، لا حليفة قوية، هي فكرة مخفقة وإذا كانت فرنسة لا تزال تؤمن بهذه الخرافة فهي لم تدرك بعد معنى النهضة القومية وهذا موطن ضعف في سياستها.

 

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro