مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
رأي سورية الجديدة المعاهدتان بين فرنسة وتركية
 
 
 
سورية الجديدة،سان باولو،العدد 19 و 20، 1939/7/15
 

في الثالث والعشرين من شهر يونيو/حزيران الماضي وقّع في باريس سفير تركية ووزير خارجية فرنسة معاهدة موقتة للتعاون الحربي المتبادل، ووقّع سفير فرنسة ووزير خارجية تركية في أنقرة، معاهدة نهائية سلّمت بموجبها فرنسة لواء الإسكندرونة السوري إلى تركية. والمعاهدة الأولى، التي هي ثمن خيانة فرنسة سورية وبيعها أرضاً سوريّة ثمينة، تنص على ما يلي:


أولاً - إنّ الحكومتين الفرنسية والتركية قد ابتدأتا محادثات ودّية لا تزال جارية وهي تدل على أنّ وجهتي نظرهما متفقتان.


ثانياً - قد تمّ الاتفاق على أن تعقد الدولتان اتفاقاً محدداً لمدة طويلة، يشتمل على التعهدات المتبادلة لمصلحة السلامة القومية لكل منهما.


ثالثاً - بينما تنتظر الحكومتان الفرنسية والتركية تتميم اتفاقية محددة تعلنان أنهما تكونان مستعدتين، في حالة حدوث اعتداء، يحمل على نشوب الحرب في المتوسط، للتعاون بصورة محسوسة وتقديم كل مساعدة متبادلة ممكنة لكلتيهما.


رابعاً - إنّ هذا التعهد والاتفاقية العتيدة ليسا موجهين ضد قطر ما، فالغرض منهما التأكيد لفرنسة وتركية حصول المساعدة والإسعاف المتبادلتين في حالة تعدّانهما ضرورتين.


خامساً - تعترف الحكومتان بأن هنالك شروطاً معيّنة تقتضي درساً عميقاً قبل الوصول إلى إتمام الاتفاق وبين هذه الشروط تحديد الظروف المتعددة التي يمكن فيها تنفيذ التعهدات المتبادلة. ودرس ذلك سائر الآن بالفعل.


سادساً - تعترف الحكومتان أيضاً بضرورة توطيد السلامة في البلقان، وهما تتبادلان الآن الإستشارة لتنفيذ هذا القصد بالسرعة الممكنة.


سابعاً - مفهوم أنّ النصوص الواردة فوق لا تحظّر على أي من الحكومتين المتعاقدتين إجراء اتفاقات مع دول أخرى في سبيل توطيد السلام.


أما اتفاقية أنقرة فتتضمن: أولاً - تسليم جمهورية هاتاي، ما عدا إنطاكية، للسيادة التركية. ثانياً - ضمان مصالح الفرنسيين في منطقة هاتاي. ثالثاً - إقلاع تركية عن مطاليبها في سورية وتوقيف دعاوتها في سورية. رابعاً - تعيين حدود جديدة، بعد إلحاق «هاتاي» بحيث تبقى مرتفعات الجبل الأقرع لسورية.


من مقابلة نصوص هاتين المعاهدتين، اللتين أصبحتا قيد التنفيذ، يتضح للفاحص أنّ تركية قد بادلت فرنسة معاهدة ثابتة ونتائج أكيدة بمعاهدة موقتة كثيرة القيود والشروط، وغير أكيدة النتائج. فتركية لم تتعهد بدخول الحرب لمساعدة فرنسة في كل حال، بل في حالة «حدوث اعتداء يثير حرباً في البحر المتوسط» أي عندما تكون مصالح تركية نفسها قد أصبحت مهددة. ويتضح أيضاً أنّ فرنسة قد قدّمت المعاهدة الثانية التي تخون بموجبها «تعهداتها المقدسة» وتسلّم تركية جزءاً عظيم الغنى من الأرض السورية وأعظم ميناء حربي وتجاري في الشرق الأدنى لقاء حصولها على تعهد تركية الموقت بمساعدة فرنسة في حالة نشوب حرب في البحر المتوسط.


هذه هي الحقيقة الـمُرَّة. ولكن وزير خارجية فرنسة، السيد بونه، الذي شهد له رئيس الوزارة الشامية السابق، السيد جميل مردم، بالنبوغ وحسن الطوية، يريدنا أن نفهم غير هذه الحقيقة. فهو لا يريد مطلقاً، أن يفهم العالم أنّ معاهدة أنقرة تشكل خيانة فرنسة الانتداب وشروطه ونصوصه وخيانة سورية، التي تعقد فرنسة الاتفاقات المجرمة باسمها وخيانة عهد الجمعية الأممية، وأنّ هذه المعاهدة هي نقضٌ للمادة الثانية والعشرين من العهد المذكور ولكل الاتفاقات الإنترناسيونية المعمول بها وعبثٌ بحقوق الأمة السورية، بل يريد السيد بونه أن يفهم العالم أنّ هذه المعاهدة المجرمة هي نتيجة رغبة فرنسة في جلاء «الإبهام الخطير» في العلاقات بين سورية وتركية.

وإنّ العلاقات بين هاتين الأمتين ستتوثق بعد هذا «الجلاء» بالثقة المتبادلة!


ولماذا لا يعلن وزير خارجية فرنسة مثل هذه السفاسف ويتخذها حجة قاطعة في تبرير العمل الإجرامي الذي تمَّ في أنقرة؟ إنّ الحالة السياسية الداخلية في سورية تخوّله أكثر من ذلك. فالتفسخ الداخلي الذي بنت عليه «الكتلة الوطنية» آمالها وأعمالها وسياستها وخططها وبذلت كل جهدها، وهي في الحكم لتوسيعه بتطبيق سياستها الخصوصية، لا يسمح بتكذيب ما يعلنه وزير خارجية فرنسة من الاختلاقات. فسورية اليوم مفسخة، مشلولة، غارقة في فوضى «الوطنية غير المنظمة» التي حذّر منها سعاده في البلاغ الأزرق الذي أصدره في الخامس عشر من يونيو/حزيران 1936، حين وصف كيف أنّ «الكتلة الوطنية» لجأت إلى المفاوضة لعقد معاهدة تحل محل الانتداب «من غير أن تكون أمّنت الوحدة بالفعل» خصوصاً قوله «لو أنّ التعاون مع نهضة الحزب السوري القومي التنظيمية سار في طريق فسح المجال للعمل الموحد أو المشترك، لما كنا الآن في شكوك كثيرة من نتائج المفاوضات الباريسية.»


الحقيقة أنّ لجوء فرنسة إلى الاعتراف باستقلال الشام ولبنان وعقد معاهدتين معهما بدلاً من الانتداب، لم يكن سوى خطة سياسية اضطرها لها ظهور الحزب القومي، بدليل تصريح السيد باستيد، الذي كان آنئذٍ رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الفرنسي. وقد أدرك سعاده حقيقتها في حينها وعدّها في بلاغه الأزرق «مناورة لإقرار الحالة الراهنة في سورية» بصورة حقوقية إنترناسيونية قبل أن يتاح لحركة الحزب السوري القومي اكتساح البلاد. وقد اعترف سعاده في بلاغه المشار إليه، صراحة، بنجاح تلك المناورة. فهو كان يرى مهارة المناورة وسذاجة السياسيين الكتلويين الذين انخدعوا بها ووقعوا في شباكها. والآن نرى كيف تحققت جميع تقديرات سعاده في سنة 1936 . فقد وردت الأنباء بتفكك الإمبراطورية الكتلوية إلى أربع دول لها شكل اتحاد ضعيف.


ما كانت تكون فرنسة تمكنت من تحقيق تفكيك وحدة الدولة الشامية بجرة قلم، لو لم تكن أسباب التفكك مهيأة في الشعب. وليس تنفيذ فرنسة هذا القسم من خطتها، سوى دليل على إمكانها ادعاء كل ما من شأنه تبرير معاهدة أنقرة المجرمة.


وضعت معاهدة أنقرة بشكل يوهم أنها تسوية مشاكل وتبادل مصالح بين سورية وتركية. فسورية تفقد لواء الإسكندرونة الغني بسهوله الزراعية الكافية لإطعام سكان سورية جميعهم في حالة زراعته زراعة حديثة، لقاء تنازل تركية عن دعواها في سورية وإقلاعها عن بث الدعاوة التركية فيها. وهذا القياس لو أطلق لكان على ألمانية، مثلاً، أن تسلّم منطقة بافارية لإيطالية أو أن تسلّم فرنسة نيس ومرسيلية ومنطقة الألب الفرنسية لإيطالية، لقاء إعلان هذه تنازلها عن ادعاءاتها في ألمانية أو فرنسة باعتبار أنهما كانتا تابعتين في زمن ماضٍ للإمبراطورية الرومانية!


إنّ تفسخ سورية الروحي والمادي هو وحده يجعل كلام وزير خارجية فرنسة ذا شكل مقبول، أمام العالم المتمدن، فيقف مصرحاً به بوجه صفيق بدون حياء ولا خجل. وهذا التفسخ هو الذي يجعل إعادة تجزئة دولة الشام ممكنة وهو الذي يوجد شيئاً من القبول لفكرة إشراك تركية في الانتداب على الشام فيصبح حقيقة محسوسة وأمراً واقعاً قول وزير خارجية تركية لوزير خارجية مصر: «ليس بين تركية ومصر سوى فلسطين»!


لو أنّ جميل مردم أدرك خطورة ما عرضه عليه زعيم الحزب السوري القومي في المقابلة التي جرت بينهما في صوفر في صيف 1937، وهو أن يصير اجتماع بين وفدين من الحزب السوري القومي و«الكتلة الوطنية» للاتفاق على كيفية التعاون لإنقاذ الوطن من الخطر المهدد بعد أن أكّد الزعيم لمردم، أنّ مهمة الحزب السوري القومي الأولى، هي تنظيم الأمة السورية للثبات في معترك تنازع البقاء وأنّ الحزب لا يفكر في تسلّم الحكم في تلك الظروف، وأنه يعتقد أنّ العمل الشعبي الأولي سيستغرق كل اهتمامه مدة بضع سنوات، لو أدرك «الوطنيون» كم هي ثمينة الفرصة التي عرضها عليهم سعاده لإنقاذ الوطن وإنقاذ موقفهم هم أنفسهم، لما كنا خسرنا لواء الإسكندرونة الثمين ولما كنا نشعر بسيف التركي المصلّت.


إننا لا نريد أن نبكي الآن كثيراً على الماضي، مع أنه يستحق البكاء بدل الدمع دماً! ولكننا لكي نستفيد من عظاته وعِبَره نريد أن نقول إنّ النهضة السورية القومية يجب أن تُفهم جيداً وإنّ الشعب السوري يجب أن يزيح الغشاوات التي وضعها النفعيون والمنافقون في الوطنية والمؤسسات العتيقة المتحجرة على عينيه، ويبصر خلاصه في انتصار الحركة السورية القومية التي تقيم الوحدة القومية على أساس متين من العدل الاجتماعي - الاقتصادي وتزيل بعقيدتها القومية الواضحة كل خطر على روحية الأمة من الميعان والانحلال.


يقول السيد بونه، إنّ العلاقات بين سورية وتركية ستصبح، بعد تسليم جزء حيوي من الوطن السوري للأتراك، قائمة على الثقة المتبادلة. وهذا تدجيل سياسي كبير وضلال بعيد، فإن الخطر التركي يتعاظم يوماً بعد يوم. وما قبول الأتراك وضع مادة في معاهدة أنقرة تنص على إقلاعهم عن بث الدعاوة التركية في سورية إلا من باب ذرّ الرماد في العيون. فحادث التسليم المخزي يكفي وحده دعاوة لهم ولنفوذهم وليس أمام سورية الآن سوى الإقبال على الحركة السورية القومية قبل فوات الساعة لإنقاذ البقية الباقية.

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro