مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
نسر الزعامة السورية القومية الاجتماعية ووحل التوكومان وذبابها (5) الانتقال من الموت إلى الإثم
 
 
 
الزوبعة، العدد 90، 15/3/1947
 

 

بينما كانت مديرية التوكومان الأولى تسير بفعل مثالبها، نحو التهدّم والاضمحلال، كان جبران مسّوح يسير، بعامل مرضه الـمزدوج، نحو التهدّم والموت.

 

رأينا فيما تقدّم من سرد هذه الـحوادث أنّ عناية الزعيم الأولى بصحته أرته حقيقة حالته ومبلغ خطورتها والطريق الوحيدة لإنقاذ جسده، أي العملية الـجراحية. ورأينا أيضًا أنه لم يكد يسافر إلى التوكومان بعد إتـمام الـمعاينات والفحوص التي أشار بها الزعيم، واعدًا أنه سيهيّئ جسده ونفسه للعملية، حتى أخذ وجهة معاكسة تـمامًا، وابتدأ يحدّث نفسه بالهرب من آلام العملية وخطرها وصرح للزعيم بذلك كتابة، كما رأينا في سياق هذا البحث.

 

لم يكن لذلك من نتيجة غير وقوعه في ما حذّره منه الزعيم - في العوارض الـحادّة الـمؤلـمة وانحطاط القوة وخور العزيـمة. فلمّا لم تنجع علاجات أطباء التوكومان ومسكّناتهم، وأحاق به خطر الـموت، رأى أن يتّجه إلى الـملجأ الوحيد الذي يجد فيه دائمًا العناية الأكيدة والـمساعدة الـحقيقية- إلى الزعيم. فكتب إليه في 8 أغسطس/آب سنة 1942، كتابًا قصيرًا جدًا - بضعة سطور - هذا نصّه: «سيدي معالي الزعيم، وصلت رسائلكم. سيكون كلّ شيء طبق أوامركم. صحتي تتحسّن وتقرّر إجراء العملية مهما كانت النتيجة وعلى الأرجح نسافر قريبًا أنا وبلوميا إلى بوينس آيرس لأجل ذلك. ألا تزال السيدة جولييت (قرينة الزعيم) باستطاعتها أن تـحصل لي على تسهيلات في مصحّ بوش؟ وإني أريد أن تكون العملية هناك. لتحيَ سورية وليحيَ سعادة.

 

(الإمضاء): جبران مسوح

 

إنّ العناية التي وجدها مسوح في مصحّ بوش، والاحترام الكبير لقرينة الزعيم الذي تـجلّى له بكلّ وضوح في ذاك الـمصحّ، وعناية الزعيم وقرينته شخصيًا بحالته هو الصحية، ما وصفناه في ما تقدّم في أعداد سابقة من الزوبعة، كل ذلك جعل مسوح يتّجه إلى الزعيم وقرينته طالبًا معونتهما وملقيًا بنفسه بين أيديهما.

 

لم تـمضِ أيام كثيرة على كتاب مسوح الـمتقدّم حتى أبرق إلى الزعيم يخبره بسفره وزوجته إلى بوينس آيرس. فقرّر الزعيم وقرينته الذهاب بنفسيهما إلى الـمحطة للقائمها وإجراء ما يلزم بسرعة. واتّفق في ذاك الوقت وجود الرفيق الـمجاهد نعمان ضو في بوينس آيرس، فرافق الزعيم إلى الـمحطة للاهتمام بالـمريض القومي الاجتماعي، وقد وصل مسوح إلى بوينس آيرس وقد أشرف على التلف: شديد الهزال كثير الأنين والصراخ. وكان كلّ قصده الذهاب إلى مصحّ بوش لـما ينتظر أن يحصل له من عناية وتسهيلات مالية بفضل اهتمام الزعيم وقرينته به. ولكنه كان قبل كلّ شيء مصمّمًا على أن يضع حياته بين يدي الزعيم وقرينته لينقذاها له. فلما عرض الرفيق ضو على زوجة مسوح جلب أطباء من معارفه لـمعاينة زوجها أجابته: «نحن آتون لنسلّم الأمر إلى السيدة جولييت فلا نعمل إلّا ما تشير به هي».

 

ومـمّا لا شك فيه أنّ رأي الزعيم وقرينته كان في حالة مسوح السابقة واهتمامها بصحته أول مرة، أن تـجري أية عملية يتقرّر إجراؤها، في مصحّ بوش نظرًا لـما لقرينة الزعيم من منزلة فيه. ولكنهما عندما شاهدا في الـمحطة، في أية حالة من الـخطر موجود مسوح، رأيا أنّ تلك الـحالة الدقيقة تستوجب درسًا جديدًا من قبلهما لتعيين أفضل خطة لإنقاذ حياته. فقد حسبا أنهما إذا أخذاه رأسًا إلى مصحّ بوش يصبح الأمر في يد الـمصحّ، والأمر يستدعي نظرًا جديدًا واستشارات جديدة يجب أن لا تتقيّد باعتبارات أيّ مصحّ. وفضّلا يأخذا أمر إنقاذ حياة جبران مسوح على عاتقهما، خصوصًا وأنّ «الرفيق» العليل وزوجته يريدان ذلك.

 

ولـمّا كانت الـحالة تستدعي إعمال رويّة والنظر في ما تستوجبه حالة الـمريض واستعراض أسماء الأطباء والـجراحين الـمشهورين، واختصاص كلّ واحد منهم وسمعته، كان لا بدّ لذلك من شيء من الوقت. ولكن حالة العليل كانت تستدعي تدخلًا طبّيًا مستعجلًا لتسكين حالة العارض الواقع فيه وآلامه. فقرّر الزعيم نقله إلى فندق واستدعاء أحد الأطباء السريريين من معارفه لـمداواة الـحالة الـمستعجلة. وهكذا جرى فاستشير جبران مسوح وامرأته في أيّ فندق يختاران، فوقع اختيارهما على فندق وفي الـحال نُقل العليل. وبسرعة أجريت مخابرة تلفونية مع عيادات عدد من الأطباء معارف الزعيم وزوجته، وأول من وجد في عيادته طلب للحضور بسرعة.

 

كان هذا الطبيب شابًّا ذكيًّا مخرّجًا حديثًا يزال في طور التمرين والاختبار، فعاين العليل وأبدى رأيه في سبب العارض هل هو من القرحة أم من حصى الـمرارة. وتكلم في هذا الصدد بطريقة لطيفة أعجبت بها زوجة جبران مسوح فقالت بلغتها الأسبانية الـخصوصية: «إنـما ما يقوله حضرة الطبيب هو جذّاب وجيد». فلفت قولها «جذاب» نظر الطبيب العارف بأحوال الناس الـمتنبّه لعقلياتهم لأن ذلك من الضروريات التجارية لـمهنته. ورأى أنه توجد هنا سذاجة كبيرة يـمكن استدراجها للقبول به هو جراحًا لإجراء العملية اللازمة.

 

فصار يُطيل الشرح ويقدّم الأمثلة والزعيم وقرينته حاضران، وكانا في هذه الأثناء قد تبادلا الـحديث في حالة جبران، وقرّرا مبدئيًا وجوب عرض العليل على الـجرّاح الذائع الصيت فينوكياتو الذي لقرينة الزعيم معرفة به شخصية من دراستها ومـمارستها التحليل الكيماوي. وقد نـجح الطبيب الـمذكور في إيجاد حالة استئناس به من قبل جبران مسوح وزوجته، وميل مبدئي منهما للقبول بإشاراته. ولكن عناية الزعيم وقرينته بأحوال الرفقاء الذين في مثل حالة مسوح وكان هذا «الرفيق» جاء بوينس آيرس ملتجئًا إليهما مسلّمًا حياته إلى عنايتهما- كلّ ذلك جعلهما يتدخلان سريعًا في حديث الطبيب لإيقاف تطوره نحو شبه تفاهم على أن يكون العليل في عهدته. فخاطبته الرفيقة جولييت مبينةً له وجوب اقتصار عنايته على الغرض الذي دعي لأجله وهو: إعطاء العليل ما يلزم من الـمسكّنات وتهيئته للفحص الأساسي من قبل الطبيب الذي نريد وضع أمره في يده، وصرّحت له أنّهذا الطبيب سيكون الدكتور فينوكياتو. حينئذٍ أشار الطبيب بوجوب نقل العليل إلى مصحّ تـجري فيه مداواة حالته، وأكّد أنّه في مدّة نحو عشرة أيّام يصبح العليل خارج الـحالة الـحادة التي هو فيها.

 

فنقل مسوح إلى الـمصحّ الذي أشار به هذا الطبيب. وقرّر الزعيم أنه حالـما تـمرّ الـمدة الـمذكورة ويؤذن للعليل بـمغادرة الـمصحّ يؤخذ إلى عيادة الدكتور فينوكياتو لـمعاينته. وارتأت قرينة الزعيم، تـجاه طلب جبران مسوح «تسهيلات» مالية أن تـجرّب حمل الدكتور فينوكياتو على إجراء العملية مجانًا أو مقابل مبلغ زهيد جدًّا. ولـما صار مسوح في الـمصحّ حيث تـجري له الـمساعدة الأولية اللازمة. واطمأن الزعيم وقرينته إلى عناية الطبيب والـمصحّ والتدابير الـمتخذة تركا العليل وزوجته لراحتهما وانصرفا إلى أعمالهما.

 

في اليوم التالي لهذه الـحوادث غادرت خادمة منزل الزعيم عملها وبقي بيت أيامًا عديدة بلا خادمة، فكان البيت والطفلة  صفيّة يتطلبان عناية السيدة جوليت الدائمة، فلم تعد تتمكن قرينة الزعيم من مغادرة منزلها أيّ وقت كان. ولكن الزعيم كان يـمرّ بجبران مسوح كلّ يوم تقريبًا لتفقّد حالته والوقوف على ما يحدث له. وأحيانًا كان الزعيم يـمرّ بـمسوح مرتين في اليوم الواحد. وأحيانًا كان يصحب معه بعض الرفقاء لعيادته. فكان يقف على تـحسّنه الـمستمرّ. وفي هذه الـحالة لم يكن من موجب لفعل شي آخر غير انتظار الـمدة التي أشار بها الطبيب. هذه الـحالة جعلت الزعيم يطمئنّ ويخطط في هدوء الـخطوات التالية التي يجب اتّخاذها حالـما يخرج مسوح من حدّة العارض الذي طرأ عليه ويجمع بعض القوة.

 

وكان استيثاق الزعيم من حُسن التدابير التي أجريت حتى الآن، ومن محافظة مسوح وزوجته على جعل عناية الزعيم توجّه سير الأمور يجعله في اطمئنان إلى الـخطط التي رسمها وفي ثقة بحسن العاقبة، فلم يخطر قطّ في باله أنّ حالة نفسية غريبة مخالفة لاطمئنانه ولـخططه أخذت تتولد في زوجة جبران وأنّ تدخلات أفكار ومقاصد أخرى صارت تهدّد جميع الـخطط الـمرسومة لإنقاذ العليل، وتوفير الـمال عليه وحمايته من الـمآرب التجارية وغيرها التي تتجمع عادة في مثل حالته.

 

كانت السيدة بلوميا، زوجة جبران مسوح، قد أخذت تـحسب للزلّة العظيمة التي وقعت فيها قرينة الزعيم تـجاهها وتـجاه زوجها العليل ألف حساب. كانت الزلّة عظيمة جدًا. خادمة منزل الزعيم تركت خدمتها ويوجد في البيت طفلة رضيع، ويوجد أيضًا تدبير منزل وواجبات مهنة، فلم تعد السيدة جوليت تتمكن من ترك منزلها كلّ يوم لعيادة «الرفيق” جبران مسوح. ولم يكن كافيًا أنّ الزعيم يعود العليل كلّ يوم. فهل تُغتفر زلة قرينة الزعيم؟ ولماذا لا تأتي وتؤدي حسابًا عما تريد فعله وهل يـمكن قبول اكتفائها باهتمام الزعيم نفسه وبالسؤال بالتلفون عن سير حالة العليل؟

 

من الـجهة الأخرى كان الطبيب الذي يقدّم الـمساعدة الأولية لـمسوح مهتمًّا بـمصلحته. فكان يعود عليله ويعاينه ويحدّثه وزوجته ويُظهر معرفته العلّة تـمامًا ومقدرته على إزالتها بالـمرة. ولم يرَ جبران مسوح ولا زوجته موجبًا لإخبار الزعيم بـما يجري من أحاديث مع الطبيب، إذ لم تكن الأمانة تـجاه الزعيم تقتضي ذلك!

 

ذات يوم، والزعيم في عيادة جبران مسوح، فاجأه هذا بقوله: قد رأينا أن هذا الطبيب جيد ولا مانع من أن يجري هو العملية». وكانت زوجته حاضرة فوافقت على قوله. كشف هذا القول للزعيم حقيقة غريبة. ولكنه كان مصمّمًا على إنقاذ حياة «الرفيق» الـمريض وماله أو مال ابنه. فصرّح لـمسوح أنه لا يوافق على إرادته وأنه يسحب يده من الأمر إذا رأى انحرافًا عن الـمسلك والتفاهم الأساسي. فقال مسوح: «إذا لم يشأ الزعيم فلست بفاعل شيئًا مخالفًا لـمشيئته وسأقول للطبيب أنّ مسألتي في يد الزعيم».

 

ولـما أخذ الزعيم يلوم العليل وزوجته على تورطهما قالت السيدة بلوميا: «ايه! الـحقّ ليس علينا، لأن السيدة جوليت تركتنا وصار لها عدة أيام لا تأتي إلينا»!!

 

بعد نحو يومين على هذا الـحادث كان الزعيم مرة أخرى في عيادة مسوح وكانت زوجته إلى جانبه. ففي الـحديث قالت الزوجة إنها لا تريد أن تصبر وإنها ستذهب لـمقابلة الدكتور فينوكياتو. فسألها الزعيم ما الداعي لذلك وزوجها لا يزال في العناية الأولية الضرورية ونحن بانتظار إذن الطبيب بخروجه لنعرضه على الدكتور فينوكياتو بـمعرفتنا». فأجابت: «رأيت الـمدة طويلة» (وقد دخل فيها حساب بضعة أيام أُخر استوجبها حصول تبرُّد وزكام للعليل جعلا الطبيب يشير بإطالة مداواته بضعة أيامٍ أخر). ثم قالت: «أعتقد أنه يـمكنني الـحصول على تخفيض جيد لـما يطلبه. فقد اجتمعت بالسيد عيسى عوّاد فأخبرني أنه أجرى عملية الـحصى لزوجته عنده فلم تكلّف أكثر من ألفي فاس لأنه سأله النظر في حالته قائلًا له إنه ضعيف الـحالة الـمادية فقبل الدكتور فينوكياتو أن يخفض تعويضه من أربعة آلاف إلى ألفين». فقال لها الزعيم: «ولكن جبران سيحتاج إلى عمليتين واحدة للقرحة وأخرى للحصى في الـمرارة وكلّ واحدة منهما تكلّف لا أقل من أربعة آلاف، ولنفترض أنّ الطبيب يقبل حذف النصف لا يقل الـمبلغ عن أربعة آلاف عدا عن نفقات أخرى في الـمصحّ وغيره. فلماذا العجلة وعدم ترك الأمور في سيرها الـحسن على الـخطة الـمرسومة؟» ثم إنّ الزعيم قال لها صراحة: «لـماذا تقولين أيتها السيدة إنّك آتية مع زوجك لـجعل قضية حياته في يد الزعيم وزوجته. افعلي ما يبدو لك ولكن يجب أن يكون صريحًا أنّ الزعيم وزوجته ليسا مسؤولين عن شيء».

 

عند هذا الـحدّ أدرك جبران مسوح خطورة الـموقف فصاح بزوجته: «اسكتي! اسكتي!». ثم قال للزعيم: «لا تلتفت، يا حضرة الزعيم، إلى ما تقوله بلوميا. إنّ السيدة جولييت لها الكلمة الأخيرة. وما يقرّره الزعيم يجري».

 

حينئذ قال الزعيم للسيدة بلوميا: «متى خرج جبران من هذا الـمصحّ وأخذناه إلى الدكتور فينوكياتو، أريد منك أن تـحافظي في عيادته على الصمت التام وأن لا تتدخلي في شيء من الـحديث إلّا إذا سُئلت قول شيء. وفقط على هذا الشرط أتـمّم خطتي!» فأعلنت السيدة بلوميا انصياعها.

 

بعد يومين من الـمشهد السابق كان الزعيم وقرينته وجبران مسوح وزوجته في عيادة الـجراح الشهير فينوكياتو. فدخلت قرينة الزعيم ومسوح وزوجته غرفة الـمعاينة وهناك قالت الرفيقة جولييت سعاده للطبيب: «إني أتيت بعليل هو عزيز علينا ونرجو أن تكون لك به عناية خاصة. وهو أيضًا أديب له منزلة في النزالة السورية ولكنه، على طريق الأدباء «هو دائمًا فقير وأتوقع أن تفعل نحوه، من هذه الناحية كلّ ما تقدر عليه».

 

قالت قرينة الزعيم كلّ ذلك لكي توفّر على عائلة مسوح ما رجاها جبران أن توفّره، في كتابه الـمذكور آنفًا إلى الزعيم. فلما فرغت من تقديم جبران مسوح إلى الـجرّاح وشرح أطوار علّته، أراد الطبيب امتحان فكر «الأديب» الـمقدّم إليه فالتفت إليه قائلًا: «أنت كاتب؟ أرني أصابع يدك!» فمدّ مسوح يده فقال الـجرّاح: «إني لست أرى حبرًا عليها». فقال مسوح: «إن حبر الكاتب الـحقيقي هو دم قلبه»، فسُرّ كثيرًا الدكتور بهذا الـجواب الشعريّ وقال للرفيقة جولييت: «إني لا أطلب شيئًا لنفسي لقاء العملية التي سأجريها له يبقى أن تتفقي مع الـمصحّ (فودستاه) على وضع العليل فيه».

 

لم يكن الدكتور فينوكياتو مطلعًا في الأدب السوري ولذلك لم يعلم أن عبارة جبران لم تكن سوى ترديد لعبارة جبران خليل جبران! (ويجد القارئ العبارة الـجبرانية في مقالة نشرتها الزوبعة في عدد سابق).

 

هنا أيضًا خالف جبران مسوح قاعدة الأمانة التي أشار عليه الزعيم باتّباعها وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. فلو كان حقيقة، اتّعظ بإصلاح الزعيم له الذي شهد به في إحدى مقالاته، كما ذكرنا في الـحلقات السابقة، لكان قال للجرّاح: «إنّ كاتبًا سوريًا عظيمًا اسمه جبران خليل جبران قال إنّ الكاتب ال«حقيقي هو الذي يكتب بدم قلبه» ول«ما قلّل ذلك مقدار ذرة من سرور ال«جراح واحترامه، بل بالعكس، كان ازداد تقديرًا واحترامًا لأمانة الراوي وحسن شعوره!

 

من عيادة الدكتور فينوكياتو توجّه الزائرون إلى مصحّ فودستاه وهناك قامت قرينة الزعيم بالـمهمة وحدها. فدخلت وقابلت مدير الـمصحّ وأخبرته الغرض من الزيارة وبـما جرى في عيادة الدكتور فينوكياتو. فقال مدير الـمصحّ: «إذا كان الـجرّاح لم يطلب شيئًا فإني أنا لا أعرف ماذا أقول، تكرّمي واسألي العليل كم يقدر أن يدفع». فخرجت الرفيقة جولييت وروت للزعيم ومسوح وزوجته ما قال الـمدير فقالت السيدة بلوميا: «إنّ أمين (ابنها) خصّص لنا ثلاثة آلاف فاس». فقال الزعيم لقرينته إنه يـمكن دفع ألف فاس وليعيّن مدير الـمصحّ أدنى مبلغ يقبله.

 

فلمّا عرض الـمبلغ على الـمدير قبل به لتغطية لفقات العناية والـخدمة وأجرة الغرفة لـمدة خمسة عشر يومًا، ولأجرة حجرة العمليات والطعام وغير ذلك!

 

وفي الـحال أُدخل العليل الغرفة التي عيّنت له. وعولج بالـمويات فلم يقوَ ولم يزدد وزنه فقرّر الـجرّاح الإسراع بإجراء العملية. وطلب تقوية العليل بنقل دم إليه فنقلوا إليه من امرأته. وطلب الـجرّاح أيضًا إعداد شخص لنقل دم منه إلى العليل بعد إجراء العملية لأنه لم يعد مـمكنًا نقل كمية أخرى من دم زوجته فاستدعى الزعيم الرفيق نديم بلّان ففحص دمه وتقرّر صلاحه لعملية النقل.

 

يوم العملية وفي الساعة الـمعيّنة حضر الزعيم وزوجته. واستدعى الزعيم الرفيق نديم بلّان الذي ترك عمله وقدم إتـمامًا لإشارة زعيمه. ولـمّا أدخل العليل حجرة العمليات دخلت أيضًا قرينة الزعيم لابسةً ثياب التمريض ووقفت على العملية الـمزدوجة زيادةً في الاطمئنان.

 

أجرى الـجرّاح في الأول العملية الأدق، أي عملية القرحة في الاثني عشري الدقيقة الـخطرة. فلما فرغ منها جسّ الـمرارة وأمسك عنها يريد إقفال الـجرح. فتقدمت قرينة الزعيم وسألت الـجرّاح لـماذا لم يفعل شيئًا في الـمرارة فقال إنه جسّها فلم يظهر منها شيء فقالت الرفيقة جوليت إن صورة الراديو تظهر بوضوح وجود الـحصى. فأعاد الـجرّاح الكرة على الـمرارة وضغطها بشدة فظهرت أدلة الـحصى التي فيها فبضعها وأخذ يزيل الـحصى منها حتى نظفها تـمامًا، ثم أقفل جرحها وأقفل الـجرح الـخارجي وانتهت العملية التي استغرقت وقتًا غير قليل. وبينما الـجرّاح يقفل الـجرح خرجت الرفيقة جولييت حاملة على لوحةٍ الـحصى الذي أخرج من مرارة مسوح وقالت إنّ العملية انتهت بسلام. ثم عادت وبقيت إلى أن تمّ كلّ شيء ونقل مسوح إلى غرفته. وفي الـحال نودي على الشخص الذي يقدّم دمه للعليل فأسرع الرفيق نديم بلان فنقلت من دمه كمية لا بأس بها.

 

أتى وقت انتظار نتيجة العملية والسهر على العليل الـجريح. في هذا الوقت كان شعور الزعيم وقرينته النبيل أنه يجب ملازمة العليل وفعل كلّ ما يـمكن لـمساعدة «رفيق»يعمل «بإخلاص» لتقدم القضية القومية الاجتماعية. فبقيا إلى ساعة متأخرة من الليل. وصمّمت الرفيقة جوليت سعادة على البقاء كلّ الليل إلى جانب سرير العليل فعاد الزعيم وحده إلى بيته.

 

في صباح اليوم التالي كانت الأخبار جيدة عن سير «الرفيق» العليل. وكان على قرينة الزعيم أن تكون في عملها في الـمعمل الكيماوي في الـمستشفى الذي تعمل فيه، فتركت الـمصحّ وذهبت إلى الـمستشفى وبعد الظهر ارتاحت قليلًا وعادت في الـمساء إلى مصحّ فودستاه لتصرف ليلة أخرى بلا نوم قرب سرير «الرفيق» مسوح. وكانت زوجة مسوح تبكي وترجوها أن تصرف ليلة أخرى قربه فأجابتها قرينة الزعيم أنها تقوم بذلك بكلّ طيبة خاطر ليس من أجل رجاء خاص بل من أجل الـمبادئ السامية التي تـجمع القوميين الاجتماعيين وتوحّدهم.

 

بعد الليلة التالية ظهر تـحسّن جيد في صحة مسوح وزال كلّ الـخطر عنه. وعملت الرفيقة جوليت يومًا آخر في مركزها وعادت في الليلة الثالثة إلى بيتها منهوكة القوى. وبعد بضعة أيام ظهر عليها أثر تعب شديد من جراء الرضاعة والـجهد الذي بذلته، ثم تطوّر ذلك إلى اعتلالٍ ألمَّ بها فأصابتها بلورزية[1] خفيفة اضطُرّت إلى معالـجتها.

 

أمّا جبران مسوح فعندما قارب الشفاء النهائي كان الزعيم يومًا في عيادته، فاغتنم فرصة خروج زوجته من الغرفة وسحب من تـحت وسادته ورقة أعطاها للزعيم قائلًا: «هذا شيء للزوبعة ولا أحبّ أن تراه بلوميا». فوضعه الزعيم حالًا في جيبه من غير أن يعرف ما هو. وحالًا عادت السيدة بلوميا إلى الغرفة.

 

لـمّا انصرف الزعيم فتح الورقة التي أعطاه إياه جبران مسوح للزوبعة فوجد أنها صكّ بـمبلغ خمسمئة فاس. فلم يولِ الـمسألة أدنى أهمية. إنّ الزوبعة جريدة كان الزعيم وقرينته ينفقان عليها دائمًا، لأن عائداتها كانت دائمًا ضعيفة، لأنها جريدة حزبية غير تـجارية، ولأن التقدير في أوساط الـمهاجرين للأعمال القومية والثقافية قليل، فتخصيص جبران مسوح خمسمئة فاس لها بعد شفائه وتوفير مبالغ مالية كبيرة عليه بفضل عناية الزعيم وقرينته هو أقلّ شيء كان يجب أن يؤديه مسوح وعائلته. ولكن كان واضحًا أنه احتاج إلى تهريب ذاك الـمبلغ الزهيد تهربًا من زوجته.

 

وخرج جبران مسوح من الـمصحّ معافي وانتهت الـحاجة إلى الزعيم وقرينته. فأقام في فندق سنترال كردبة. وصار يزوره القوميون الاجتماعيون للتهنئة.

في الأحاديث التي كانت تتداول في هذه الاجتماعات كانت السيدة بلوميا مسوح تروي حكاية مرض زوجها وعمليته على هذه الصورة: «عندما اشتدّ الـمرض على جبران قدمت معه إلى بوينس آيرس وذهبنـا إلى الدكتـور فينوكياتـو، وهناك سأله الـجرّاح أأنت كاتب فقال نعم فقال له أرني أصابعك إني لا أجد أثرًا للحبر عليها فقال له زوجها إنّ حبر الكاتب في قلبه فقالله إذن سأصنع لك العملية بلا مقابل!»

 

هذه الرواية الـمخالفة للواقع، الـحاوية كلّ معاني إنكار الـجميل كانت حائزة الـموافقة الكلية من «الأديب» جبران مسوح.

 

وكلّ الـمدة التي بقيها جبران مسوح وزوجته في بوينس آيرس يستقبلان زيارات ويخرجان إلى السوق لشراء أشياء لم يخطر لهما زيارة الزعيم وقرينته لشكر عنايتهما! فلما قرّرا السفر قاما بزيارة مجاملة باردة وانصرفا. ولكن الزعيم وقرينته عزيا هذا السلوك السيئ إلى ما كان يتّهم به مسوح زوجته فقط !

 

إنّ حياة جبران مسوح الـجديدة ونشاطه وصحته مدين بها للزعيم وقرينته. كلّ إنسان فيه ذرة من معرفة الـجميل ووفاء الـمعروف يرى هذا الرأي ويعمل بـموجبه. أمّا جبران مسوح فيفهم الـجميل والوفاء على غير هذه الطريقة. يفهمهما باستدراج الزعيم إلى الاشتراك معه في تـجارة يُخسره فيها كل الرأسمال الذي وضعه، ويعرّضه لـخراب البيوت ويحوّل فضله وفضل قرينته وفضيلتهما إلى حِطّة ورذيلة!

 

سنبيّن فيما يتبع إجرام جبران مسوح الـمادي. أمّا هنا فيجب إثبات إثمه بطعن الزعيم وقرينته في كرامتهما وشهامتهما ومروءتهما.

 

قال الـمدعو جبران مسوح في صحيفة «الإخاء» التي أصدر عددًا واحدًا منها في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1944 ليدافع به عن نفسه بعد أن طرده الزعيم من حضرته ومن الـحزب، وبعد أن سقط من حقوقه الـمدنية والسياسية في النهضة السورية القومية الاجتماعية: «ورد في مقال الزعيم في الزوبعة (هو أول مقال نشرته هذه الـجريدة وكشفت به جريـمة مسوح وسقوطه من حقوقه) أنّ زوجته سهرت عليّ وأنقذت حياتي من الـموت» وهذه العبارة ردّدها الزعيم نحو ألف مرة (كذب ونفاق) وكنت دائمًا أسمعها وأسكت احترامًا لعائلتها. أمّا الآن وقد نشرت في الـجريدة فمن الإنصاف (أي إنصاف لئيم!) أن نذكر الـحادث كما هو بعد إجراء العملية الـجراحية الـخطيرة رأت زوجة الزعيم أن تتكرم وترافق زوجتي في العناية بي الليلة الأولى والثانية. وهو فضل (بل هو إنكار للفضل من أساسه) لا أنساه لها (ولذلك كاد القائل يخرب بيتها خرابًا تامًا) وطالـما شكرتها عليه (بأيّ إفك ونفاق) ولكنني في اليوم الرابع بعد العملية صرت أقدر أن أتـحرك فتناولت دفتر الـحوالات من تـحت الـمخدة وبيد مضطربة كتبت حوالة بخمسمائة ريال وقدمتها إلى الزعيم كهدية (يا لفظاعة الكذب واللؤم والـخساسة!) وماذا يستطيع مثلي أن يكافئ على معروف بأكثر من ذلك (متى كان ناكر الـمعروف من أساسه لئيمًا وخسيس الطبع إلى هذه الدرجة تكون له مقدرة على مكافآت أخرى أقلّها الإهانة في صميم الكرامة وخراب بيت صاحب الـمعروف) هل يوجد غير الشكر كلما سنحت الفرصة وتقديم هدية؟ هل يستطيع الإنسان غير ذلك؟احكموا يا منصفون» .

 

بهذا الكلام اللئيم الـخسيس الذي نشره جبران مسوح دفاعًا عن جرمه وغدره حوّل هذا الأثيم كلّ عناية الزعيم وقرينته الفائقة به إلى أحطّ أنواع الإهانة والتحقير. وهو يعدّ ذلك (هدية وشكرًا ووفاء). إنه أنزل بسفاهته عناية قرينة الزعيم السامية النبيلة من مرتبة جميل عظيم لا يـمكن تـحديده بالكلام «والشكر» إلى درك خدمة تكافأ عليها كما لو كانت مـمرضة استؤجرت لتقوم بالسهر على العليل ليلتين لقاء مكافأة مالية قدرها خمسمائة فاس زرية كقدر نفسه!!

 

إنّ كتاب الـمدعو جبران مسوح إلى الزعيم الذي يسأل فيه أن تتكرّم قرينة الزعيم بالاهتمام بإيجاد تسهيلات مالية له الـمثبت في صدر هذه الـحلقة يدل دلالة واضحة ويثبت غير ما يقوله ذاك الأثيم العديـم الشرف والـمناقب والأخلاق. إنه يشهد أنّ الزعيم وقرينته اهتمّا به من زمان ووفّرا عليه وعلى عائلته أموالًا تبلغ أضعاف أضعاف تلك الكمية الـحقيرة التي قدمها إلى الزعيم لتُبذل في سبيل الزوبعة وأراد بها في الـحقيقة إنكار الـجميل وأمانة الزعيم وزوجته بالقول إنّ قرينة الزعيم «رغبت في مرافقة زوجته في السهر عليه الليلة الأولى والثانية» طمعًا في مكافأة مالية وهي صاحبة الفضل الـمالي عليه فوق فضلها الـمناقبي الذي لا يقاس بشكر ولا «بهدية» لئيمة وسخة كنفس صاحبها!

 

إنّ الزعيم وقرينته قد وفّرا على جيب مسوح وعائلته لا أقلّ من أربعة آلاف فاس، في أقل اعتبار، فكيف يريد ذاك اللئيم الـخسيس النفس أن يكافئهما أو يكافئ تدخّل قرينة الزعيم لنجاح العملية وسهرها عليه وما سبق ذلك من عناية واهتمام وعطف بـمبلغ مالي حقير، بالكاد يصل إلى جزء من ثمانية أجزاء مـما أكسباه إياه بتدخلهما وعنايتهما.

 

أي لؤم يـمكن أن يفوق هذا اللؤم بل أي لؤم في العالم كله يـمكن أن يضاهي هذا اللؤم؟ وأية قباحة يـمكن أن تصل إلى مثل هذه القباحة؟

 

إذا أراد جبران مسوح أن يجري حسابًا ماليًا بسيطًا نترك فيه الفضل والشهامة والـمروءة جانبًا فإليك تفصيله: جبران مسوح وعائلته مدينة للزعيم وقرينته بـما يلي: أربعة آلاف فاس على الأقل، توفير تعويض عملية جراحية مزدوجة للجرّاح وحده. ألف فاس تعويض وقوف الرفيقة جولييت سعاده على العملية وتدخلها فيها. ألف فاس تعويض سهرها عليه ليلتين متواليتين. فيكون مجموع الدين الـمالي ستة آلاف فاس، دفع مسوح من أصلها خمسمائة فاس فيبقى عليه خمسة آلاف وخمسمائة فاس، من حساب العملية وحدها وندع جانبًا كلّ الاعتبارات التي لا يفهمها الأخسّاء، مثل عطف وعناية ومسؤولية إنقاذ حياة ولهفة وسهر ومرض في سبيل الآخرين!

 

هذا هو الإنصاف الصحيح الذي عليه شهود من كُتُبٍ بخطّ جبران مسوح نفسه ومن رفقاء شهدوا وصول جبران مسوح وزوجته إلى بوينس آيرس وهو في حالة التلف وقد يئس منه أطباء التوكومان وشهدوا بعض ما قام به الزعيم وقرينته لإنقاذه من براثن الـموت.

 

هذه هي قصة تلك الـحوالة الـمالية الـخسيسة التي لو كان علم الزعيم مضمونها في الـحال أو لو كان تـمكّن من مخاطبة جبران مسوح في الـمقصود منها لكانت أدّت إلى وضع حدّ نهائي لكلّ صلة لذاك الـخسيس بالزعيم وبيته ولكان ذلك وفّر على الزعيم كلّ الـمكافآت الـخسيسة اللئيمة التي تلت ذلك وكادت تـجرّه إلى الـخراب الـمعنوي والـمادي كما سيجيء!

 

حالـما تخلّص جبران مسوح من براثن الـموت ابتدأ يفكّر في حمل إثمه إلى أقصى حدود شهواته الدنيئة. فلنتابع ذلك في بقية حكاية أوحال التوكومان.

 

 

لؤم إلى جنب لؤم

 

كان جبران مسوح أول محبّذ لشخص كامل عوّاد ولتعيينه مديرًا لـمديرية التوكومان الأولى. وسرعان ما اشتدّ التنافس بين هذين الصنوين. فكان كامل عواد ينتقد سلوك مسوح العديم النظام وكان مسوح ينتقد تخاذل عواد، فلما انتهى أمر كامل عواد بالتراجع والسقوط كتب مسوح إلى الزعيم كتابًا مؤرّخًا في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1942 قال فيه: «كامل عواد كانت خطته أن ينسحب ثم يضع اللوم عليّ، إلى أن أكون السبب في انسحابه. ولكن هذه الـخطة لم تنجح معه. ولكنه ثعلب تـملّص من الدفع من الأول لأنه اقتصادي «عظيم».

 

وقد رأينا فيما تقدّم لـمحة من لؤم جبران مسوح وخساسة طبعه، فلننظر الآن في لؤم كامل عواد.

 

بعد أن حاسب الزعيم كامل عواد على أغلاطه وخروجه على النظام واليمين وعزله من وظيفة الـمدير، صار يبالغ في اصطناع الـمطاعن للقدح في الزعيم والـحطّ من منزلته وصيته، واستخدم لذلك أسفل الوسائل وإليك البيان:

 

في زيارة الزعيم الأولى إلى التوكومان في أصيل سنة 1939 جلس مرة الزعيم مع مضيفه كامل عواد في منزل الـمضيف يتجاذبان مختلف الأحاديث وتطرّقا إلى ذكر الصيد والرمي بالرصاص. فسأل كامل عواد الزعيم هل يُحسن الرماية بالـمسدّس فأجابه الزعيم أنه تـمرّن على ذلك قديـمًا في ما مارسه من صيد ورياضة مع أصحابٍ له. فقال كامل عواد إنه سأل هذا السؤال وفي نفسه قصة يريد أن يرويها وهي أنه بعد زواجه، وقبل أن يبني داره التي يقطن فيها، سكن منزلًا قريبًا مقابل مكان داره وأن زوجته سمعت في مساء أحد الأيام، وهو غائب، حركة غريبة في البيت فأخبرته بذلك عند عودته فاشترى مسدسًا استعدادًا للطوارئ ولكن لم يحدث شيء يوجب استعماله.

 

كان الزعيم ومضيفه جالسين في شرفة الدار. فلما بلغ كامل عواد هذا الـحدّ من حديثه نهض مستئذنًا وعاد يحمل مسدسًا عرضه على الزعيم قائلًا: «هذا هو الـمسدس الذي اشتريته بـمناسبة الـحالة التي حدّثتك عنها». فقلّبه الزعيم في يده وقال: إنّه مسدس من جنس جيد ماركة كلط [كولت] عيار 33 أو 32. فسأل عواد الزعيم: «ألا تـحمل مسدسًا يا حضرة الزعيم؟» فأجابه الزعيم : «لا. لم أشعر بحاجة لـحمل مسدس». فقال عواد: «أرى أنه يحسن أن تصحب مسدسًا فمن يدري متى يحدث ما يحوج إليه. وإني أقدم هذا الـمسدس هدية لكم». فقال الزعيم: «إذا كنت حتى الآن لم أجد حاجة إلى حمل سلاح للدفاع عن نفسي فلست أظنّ أنني سأحتاج إليه في الـمستقبل». فأجاب عواد أنه يرغب في إهداء الـمسدس إليه. فقال الزعيم إنه إذا كانت هذه رغبته فهو يقبل الهدية إكرامًا له. وتسلّم الزعيم تلك الهدية من يد مضيفه ولم يخطر أن يطلب الـمُهدي أن ينقش عبارة الهدية وتاريخها على فولاذ الـمسدس!

 

مرت على هذا الـمشهد سنوات ثلاث أو يزيد. فلما زار الزعيم فرع التوكومان الـجديد سنة 1943 أخبره أحد «الرفقاء» أن كامل عواد أخبره أن علّة بُعده عن الـحركة القومية الاجتماعية هو تـحذره من تصرّف قديم للزعيم في بيته، فسأله ما الـحادث فقال عواد إنه أرى الزعيم يومًا في مكتبه في داره مسدسًا له ثم تركه على الـمكتب وإنّ الزعيم أخذ الـمسدس من غير علمه ووضعه في حقيبته. وافتقده مرة فلم يجده فتذكر عرضه آخر مرة على الزعيم فلا بد يكون الزعيم اختلسه!!

 

وروى كامل عواد مثل هذه الرواية الأثيمة لغير واحد من الذين اتصلوا بالـحركة القومية الاجتماعية ولبعض الـمواطنين هناك، رواها بقالب آخر خلاصته أنّ الزعيم لم يكن مختلسًا بل نصّابًا، إذ إنه «طلب من كامل أن يعيره مسدسًا (لأية حاجة؟!) فأعاره مسدسه فأخذه ولم يعد يرجعه إليه»!!

 

وبلغت بهذا الأثيم الوقاحة أنه، في حوادث مثالب أوساط التوكومان الأخيرة نادى الرفيق أحمد قلبقجي وكلّفه أن يخبر الزعيم أنه يريد أن يعيد إليه الـمسدس الذي اقترضه منه. وفي روايته لتلك «القرضة» أكسبها ذات الصبغة الأولى، أي أنّ الزعيم أخذ الـمسدس بغير علمه وأنّ عوادًا، من كرم أخلاقه،عدّ ذلك استعارة!!

 

وقام الرفيق قلبقجي بالـمهمة التي كلّفه بها السيد «الوجيه» كامل عواد فقال الزعيم للرفيق قلبقجي إنّ الـمسدس «الـمستعار» منه حاضر ليعود إليه، وإن الزعيم مدين له ليس فقط بالـمسدس، بل بكلّ ما يـملكه فما عليه إلّا أن يطلبه. ولكن الزعيم لا يطلب مقابل تسليمه الـمسدس وكلّ شيء آخر غير انتزاع ورقة بيضاء من نسخة كتابه «نشوء الأمم» الـموجودة في بيت كامل عواد، مكتوب عليها عبارة بخط يد الزعيم وإمضائه!!

 

لـما تبلغ ذلك عواد قال إنّ الكتاب هدية من الزعيم. فقال له الرفيق قلبقجي إنّ الزعيم لا ينكر هديته وهو لا يريد استرجاعها. إنه لا يريد الكتاب بل تلك الصحيفة منه التي عليها عبارة خصوصية لا دخل لها في الكتاب وموضوعه!!

 

ما أشبه لؤم كامل عواد بـمسدسه بلوم جبران مسوح بحوالته! ولكن لؤم كامل عواد انتهى بتبادل «الاستعارات» أمّا لوم جبران مسوح «وإنصافه» فقد بلغ مدى لم يصل إليه غيره من جميع الذين اتصلوا، بحكم الظروف، بالزعيم.

 

 

محالفة الثعلب والدبّ

 

يقول الـمدعو جبران مسوح في دفاعه عن إثمه إنه عندما رأى الزعيم تلكؤ النزالة في الأرجنتين عن عضد العمل القومي الاجتماعي الذي يقوم به صار يفكر في أمر عائلته، ثم يردف: «بـماذا يشتغل أنطون سعاده؟ هو لم يطلب من أحد عملًا ولا عرض على أحد شراكة. ولكنه كان يشير إلى ذلك من طرف خفيّ حسب العادة. (ويـمنع التواضع عن ذكر شواهد هذه العادة ومن يعرف عنها شيئًا صحيحًا) وجرت رحلته الأخيرة إلى توكومان وهناك تعرّف على الرفيق إبراهيم الكردي كما تعرّف على كلّ الرفقاء الـجدد».

 

وبعد هذا الكلام ينتقل الأثيم إلى وصف «تسرّع الزعيم في استئجار البناية وتسرّع في الإصلاحات وفي عقد الشركة مع الكردي إلخ».  وحاول أن يصور الزعيم بالعكس تـمامًا عما كان يشهد له به. فلنرَ شيئًا من حقائق هذه الـمسائل:

 

قبل «رحلة الزعيم الأخيرة» إلى التوكومان التي يشير إليها مسوح كان هذا يُـمطر الزعيم بالرسائل عن تقدّم الـحركة القومية الاجتماعية في أوساط تلك الـمدينة. وفي كتاب منه إلى الزعيم مؤرّخ في 29 سبتمبر/ أيلول سنة 1943 نـجد هذه العبارة: «أحد الرفقاء الـجدد، محمد إبراهيم الكردي هو مواطن ذكي وشجاع حاصل على الـجنسية الأرجنتينية من زمان واشتغل بالسياسة في أدوار مختلفة وكان محبوبًا من الـجميع، أي كلّ الأحزاب تـحبّه وتـحترمه لإخلاصه وأمانته وغيرته». وفي كتاب آخر منه يعدّ هذا الشخص في جملة أربعة يدعوهم «أركان القضية في توكومان»!

 

إذن ليس صحيحًا ما يقوله مسوح أنّ الزعيم «تعرف في التوكومان على الكردي كما تعرّف على كلّ الرفقاء الـجدد». إنّ تعريف الكردي إلى الزعيم تعريفًا خصوصيًّا مقصودًا جرى قبل انتقال الزعيم إلى التوكومان في الرحلة الـمذكورة. إنه جرى برسائل جبران مسوح نفسه الذي أخذ لسبب خفيّ، يصوّر ذاك الأميّ الـجاهل الـمدعو محمد إبراهيم الكردي، للزعيم بصورة الرجل الـخطير الشأن «الـمشتغل بسياسة الأرجنتين الـمحبوب من جميع الأحزاب»!

 

ولـما صار الزعيم في التوكومان قدّم مسوح الكردي إليه تقديـمًا خصوصيًّا مثنيًا عليه ومعرّفًا عن تلك الـحيلة التي سماها «اختراعًا». ولـما كان جبران مسوح في التوكومان مقرّبًا إلى الزعيم، لأنه كان أكثر الـمنضمّين إلى الـحركة اتصالًا به صار في هذه الـحالة بحكم الوضع، مستشاره في جميع الأمور وهو كان واسطة التفاهم بينه وبين الكردي لإنشاء الشراكة. ولـما عاد الزعيم إلى بوينس آيرس لينظر في قضية تدبير الـمال للمشروع الصناعي، وتوفّق وكتب إلى مسوح في ذلك، جاءه حالًا جواب مسوح القائل: «سرّني جدًا أنكم وصلتم إلى الـمبلغ الذي تريدونه بكلّ هذه السهولة وعسى أن يكون ذلك فاتـحة خير للقضية، إنّ الرفيق الكردي يستحقّ هذا الشرف في تاريخ نهضتنا فأنا أهنئه سلفًا. وإني مستعدّ من كلّ قلبي أن أقوم بالـمكاتبات التي يفرضها عليّ مكتب الزعيم في توكومان وحسبي هذا الشرف الذي يضعني في مصاف النجوم التي تتمنّى أن تكون موطئًا لقدم مولاي الزعيم».

 

كلّ هذه الـمقدمات تدل على أنه كان هنالك تفاهم أو تـحالف أو استعداد خفيّ لإشراك الثعلب والدبّ في عملية أثيمة من أفظع طراز!

 

ولكي نصل إلى الـحقيقة الواضحة يترتب علينا النظر في مقدمات أخرى موثوقة.

 

قلنا في الـحلقات الأولى إنه كان بين الـمدعو جبران مسوح وزوجته خلاف قدیم، خفيّة عوامله. والظاهر أنّ هذا الـخلاف أخذ يشتد بعد عودة صحة مسوح إليه وزيادة نشاطه الـجسدي وحركته. وإليك الإثباتات بخط مسوح نفسه على هذه الـحالة:

 

في كتاب من مسوح إلى الزعيم تاريخه 24 يناير/كانون الثاني 1943 يقول صاحبه: «العلاقات بيني وبين العائلة توترت من جديد ولا أعلم كيف تكون النتيجة لكني سأضع لها نهاية على كل حال ولا يهمني مهما كانت». وفي كتاب آخر مؤرّخ في 11 فبراير/ شباط سنة 1943 يعود فيقول: «الـمسألة بين عائلتي وبيني دائمًا مدّ وجزر ولكني أخذت أن لا أهتم بـما يقولون. ولكني متى ملكت صحتي جيدًا وفارقني هذا الاضطراب الذي هو بقية آثار صدمة العملية فعندئذ أهتم بالعمل التجاري وأخصه ببعض الوقت وأنا عندئذ غير محتاج إليهم وأقدر أن أستقل في عملي لوحدي». هذا الكتاب الأخير، ولم يـمض على الكتاب السابق شهر واحد، يدلّ دلالة واضحة على ازدياد التباعد بين جبران مسوح وزوجته ومعها أولادها ضدّه.

 

ولـما كانت رحلة الزعيم الرسمية إلى التوكومان لتفقّد سير الـحركة القومية الاجتماعية هناك، وكان ذلك في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1943 وجد الزعيم بعد وصوله ببضعة أيام أنّ التباعد بين مسوح وزوجته كبير جدًا ففي اجتماعات خصوصية عديدة كان مسوح لا يفتأ يذكر ضجره من بلوميا وإزعاجها إياه، ويسأل عن الشيوعية ومبدأها الإباحي ثم إنه صرّح للزعيم أنه ينتظر الفرصة الـمناسبة ليطلب من ابنه أمين أن يـمدّه بعشرة آلاف فاس ليتمكن من الاستقلال الاقتصادي والانفصال عن العائلة بالـمرة لأنه أقفل باب الأمل بتحسين حالته مع زوجته ويجد أنّ امرأته «قد سممت عقول أولادها ضده»!!

 

لـما رأى الزعيم أنّ الأمور العائلية بلغت هذا الـحد السيئ مع مسوح وعائلته وقف في وجه نزعة مسوح إلى تفريق العائلة. ثم أخذ يوصيه بطول البال والصبر. فتظاهر مسوح بقبول وصية الزعيم ولكنه ظلّ يسعى نحو غاية الوصول إلى عشرة آلاف فاس ليستقل بذاته.

 

الوصول إلى عشرة آلاف فاس بقي غاية أساسية واضحة في جميع تصرفات جبران مسوح التالية:

 

ألا يـمكن الوصول إلى هذا الـمبلغ بطريقة ما بدون التصريح للزعيم بشيء من القصد من ذلك؟

 

والظاهر أنّ مسوح فكّر كثيرًا في حلّ هذه القضية الـخطيرة. وأقرب مسألة رأى فيها إمكان تـحقيق مشروعه هي عرض عقد شراكة ثلاثية بينه وبين الزعيم والكردي، قائلًا إنه في مشروع من هذا النوع يعطيه ابنه أمين عشرة آلاف فاس وأنّ بلوميا أكّدت له ذلك!

 

صار في كلّ مناسبة يـمدح الكردي وتفانيه في سبيل القضية القومية الاجتماعية وإخلاصه للزعيم خاصة!

 

صار وصول الزعيم إلى مبلغ مالي لتخصيصه للشركة مع الكردي شيئًا يستحقه الكردي. وصار وجود جناية لـمشروع الصناعة «من أدلة تيسير الأمور» كما قال في كتابٍ تالٍ.

 

ومع أنّ الزعيم أرسل إليه كتابًا من بوينس آيرس يصارحه فيه أنه لا يرى لزومًا لاستئجار دار قبل حيازة الكردي امتيازًا «باختراعه» ظلّ يحسّن البناية وصلاحها للعمل ويعمل بالتفاهم مع الكردي للاستمرار في الـمشروع، وإن يكن الزعيم رفض شراكة مسوح في مشروع الصناعة لأنه لم يكن يطيق أن يكون لابنه أمين أية علاقة به حتى ولا بواسطة أبيه الذي لن يكون شريكًا إلّا بالاسم. والشريك الـحقيقي سيكون أمين فيما لو صحّ أنه سيسلم أباه عشرة آلاف فاس ليدخل شريكًا.

 

للبحث استئناف[2]

 


[1] بلورزية:La pleurésie بالأسبانية  Pleuresía التهاب الغشاء الـجنبيّ، وهو الغشاء الذي يغطّي الرئتين. ينتج عن هذا الـمرض ألم شديد في الصدر.

 

[2] لم يستكمل البحث

 

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro