مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
وطن قومي للشركس
 
 
 
سورية الجديدة،سان باولو،العدد 22، 1939/7/29
 

 

                                                                                    بقلم زعيم الحركة السورية القومية

 

(في أخبار شعبتنا في دمشق المنشورة في العدد الثامن عش[1ر، أنّ الشركس في القنيطرة أوفدوا إلى دمشق ممثلين من قبلهم ليطلبوا حق إنشاء وطن قومي لهم في منطقة الجولان. هذا الحادث يعطي مثالاً حسياً لمشاكلنا القومية. وقد سألنا زعيم الحركة السورية القومية إبداء رأيه فيه فجاءنا منه الجواب التالي:)

 

إنّ هذا الحادث يكون وجهة خطيرة من قضيتنا القومية - الاجتماعية. إنه ظاهرة من ظواهر مسائل سورية الإتنولوجية. ولذلك فإن معالجة هذا الحادث يجب، وفاقاً لمدرسة التفكير القومي، أن تتناول حقيقة أساسه الإتنولوجي. فمدرسة التفكير القومي تأخذ المسائل من أساسها. إنها لا تذهب أفقياً مندفعة مع رياح النزعات الجامحة، كما هي الحال في مدرسة الحماس «الوطني» الأهوج، بل تتعمق عمودياً أولاً حتى تبلغ الأساس ومن ثم تعود فتمتد أفقياً. إنّ تفكير النهضة السورية القومية تفكير هندسي راسخ، لا تفكير حسابي عددي أولي.

 

كل بحث في وحدة سورية ونهضتها لا يتناول بالدرس قضية تركيبها الإتنولوجي لا يصل إلى نتيجة ناجحة. وهذه الحقيقة قد أثبتت وجودها في جميع المحاولات السياسية «الوطنية» الماضية التي انتهت مؤخراً إلى فشل رائع وإلى هذا التفكك السريع الذي كشف عن الأساس الرملي الذي بنت عليه «الكتلة الوطنية» إمبراطوريتها السياسية. بمشروع المعاهدة تمّت وحدة الشام في أواخر سنة 1936، وبنقض هذا المشروع تفككت هذه الوحدة المنبثقة من اتفاق «كتلة وطنية» ودولة أجنبية. هذا هو الأساس الذي بنت عليه «الكتلة الوطنية» قصور أحلامها الإمبراطورية فوقف جميل مردم في عدة مواقف يهدد الذين لا يذعنون لمشيئة «الكتلة» باستعمال القوة.

 

في طور انحطاط سورية الأخير دخلت سورية منذ زمان هجرات كبيرة، كما خرجت منها هجرات كبيرة. وهذا التحول في تركيب سورية الإتنولوجي أوجد اضطراباً في حياة سورية الاجتماعية وفي نفسيتها الاجتماعية. وفي هذه الحالة من عدم الاستقرار تفسخت وحدة الشعب السوري النفسية، خصوصاً بما اختلط مع هذا التداخل الإتنولوجي من تداخل ديني روحي فتسارع إلى الشعب السوري الانحلال الاجتماعي - النفسي الذي لا يمكن أية وحدة سياسية مبنية على مفاوضات ومعاهدة مع دولة أجنبية إزالة حقيقته وتعطيل التفسخ القومي الذي يؤول إليه. وكل كتلة أو فئة سياسية تدّعي أنها ستقود الأمة السورية إلى الحرية والاستقلال بواسطة برنامج سياسي لا يتناول إلا الشكل السياسي للأمة، هي كتلة أو فئة مضللة دجّالة تنقصها كل المؤهلات الضرورية لإنشاء قضية قومية واضحة والعمل لها بنجاح.

 

وعندما تلوم «الكتلة الوطنية» العناصر التي لم تخضع لبرنامجها السياسي وتنسب إليها سبب فشلها، تظهر نفسها بمظهرها الحقيقي، الذي يشابه مظهر جماعة من الأولاد تندفع على غير هدى فتصطدم ويزعجها الاصطدام فيثور ثائرها وتضج وتصخب. ومثل «الكتلة الوطنية» الفئات السياسية التي تعمل بأساليبها وعقليتها فتنتهي بنفسها وبالأمة إلى الخراب الذي تقود إليه جميع الأعمال الاعتباطية، وإني عندما نددت في بلاغي الأزرق، الذي أذعته في 15 يونيو/حزيران 1936 ببرنامج «الكتلة الوطنية» السياسي وباعتمادها سياسة المفاوضات وبمقاومتها للحركة السورية القومية، التي جاءت الأمة بمبادىء وحدتها الاجتماعية - النفسية، لم أكن متحاملاً قط، بل إني عنيت تماماً ما قلت. وقد رأت الكتلة والأمة مبلغ صحة ما عنيت. والذي يؤلمني أنّ هذا العلم قد كلّف الأمة ثمناً باهظاً.

 

عدّلت الهجرات إلى سورية ومنها التركيب الاجتماعي - النفسي (العقلي). فأصبحت سورية مجزأة بين أديان وبين أقوام. فمسلمون ومسيحيون ودروز، متشعبون إلى مذاهب وشيع عديدة. وسوريون وأكراد وشركس وعرب وأرمن. بتمركز النزاع الروحي في القضايا الدينية بقيت قضية وحدة الأمة مجهولة. الدين كان الأمة. وفي التقاليد الإسلامية المسلمون أمة فيخرج من معنى الأمة غير المسلمين. ووجود هذا الاعتقاد عند الجماعات الدينية لا يعني شيئاً غير تأسيس الأمة على الدين، وتأسيس الأمة على الدين لا نتيجة له غير تحويل الأمة المتعددة الأديان إلى أمم متعددة. والدول التي أنشأتها فرنسة في سورية، كلبنان والعلويين والدروز، أوجدتها الإرادة الأجنبية لتثبت هذه القاعدة في سورية، ويظل العامل الروحي مجزءاً بين العوامل الدينية فلا يكون سبيل لصهر الأقوام الإتنولوجية، لأن الطريقة الوحيدة لصهر هذه العناصر هي طريقة تسليط عامل روحي - اجتماعي - ثقافي عليها واختلاف الأديان في سورية وجعل الدين محور كل حياة قضيا بتجزؤ روحية الشعب السوري واجتماعه وثقافته، فامتنع العامل الجوهري لصهر الجماعات الإتنولوجية. وهكذا عاشت الهجرات في سورية أجيالاً، فظل الكردي كردياً والشركسي شركسياً والأرمني أرمنياً والآشوري آشورياً. وكانت الإرادة الأجنبية حريصة على استمرار هذه الحالة الشاذة ففسحت المجال لزيادة الهجرات وزيادة الهجرات تنعش الشعور بالرابطة الأولية الذي كان أخذ يتحول، مع الأيام، إلى شعور بالرابطة الجديدة مع الشعب السوري والأرض السورية.

 

هذه هي مشاكل الوحدة السورية القومية الأساسية.أما الحكم والمركزية واللامركزية وتغيير الوزارات وغير ذلك من المسائل فهي شكلية. ولا يمكن أن يقوم حل شكلي مقام حل أساسي. فلما بدأت أعالج قضية أمتي توجهت إلى الأساس أولاً فوضعت المبادىء الأساسية لقضية الأمة السورية ثم رتبت الأمور الشكلية لتنطبق على الأساس.

 

من هذه الحقيقة ندرك الفرق العظيم بين عقلية الحركة السورية القومية ونظامها وأساليبها من جهة وعقلية الشركات والفئات السياسية وفوضاها واعتباطاتها من جهة أخرى. إنه في الفرق بين القضايا الأساسية والمسائل الشكلية أو بين الأمور الجوهرية والشؤون العرضية.

 

أوجدت مبادىء الـحزب السوري القومي العامل الروحي - الاجتماعي - الثقافي الذي يتمكن من صهر الـجماعات الدينية والإتنية في سورية وتحويلها إلى عناصر متجانسة متلاحمة في صلب الأمة السورية. وما كادت الحركة السورية القومية تحمل مشاعلها وتسير حتى أقبلت على ضوئها جميع العناصر الدينية والإتنية فوجدت فيها النور والـحرارة. لم تبقَ في سورية هجرة واحدة، غير اليهودية، إلا ورأت في مبادىء الحزب السوري القومي العدل الاجتماعي الاقتصادي لجميع العناصر الإتنية التي يتكون منها الشعب السوري. لم يقتصر الإقبال على الحزب السوري القومي على السوريين الأصليين بجميع مذاهبهم الدينية، بل تناول الهجرات أيضاً. فهي قد وجدت في مبادىء القومية السورية التأمين على حقها في الحياة السورية لقاء قيامها بواجب الدفاع عن هذه الحياة والاشتراك فيها اشتراكاً فعلياً عاماً. وكم هنالك من شركس أعلنوا أنّ مبادىء الحزب السوري القومي هي المبادىء الوحيدة، التي يمكنها أن تحوّل الشركس من هجرة إتنية منعزلة إلى عنصر حي في صميم الشعب السوري، يضع كل قوّته السياسية والحربية في سبيل انتصار القضية السورية القومية، ولكنه لا يناصر، بل يقاوم كل حركة لا تحمل هذه المبادىء، خصوصاً الحركات السياسية المبنية على فكرة طرد العناصر غير «العربية» من البلاد السورية.

 

كانت الحركة السورية القومية تحتاج إلى لا أكثر من سنة أو سنتين من العمل التعميري الهادىء لتحدث تأثيرها الفاصل في العناصر التي لـمّا تذب عصبياتها المستقلة في العصبية السورية. ولكن الدولة المنتدبة في الشمال، فرنسة، أدركت النتائج البعيدة التي ستحصل من انتشار حركة الحزب السوري القومي وامتدادها إلى الهجرات الإتنية، التي كانت فرنسة تعتمد على انعزالها عن مجرى الحياة السورية العام في مقاومة نشوء الوحـدة السورية القومية وفي خضد شوكة الثورات، كما استخدمت الفرقة الشركسية المشهورة ببلائها في ثورة 1925 وكما استخدمت الآشوريين والأكراد في لواء الجزيرة للانتقاض على مركزية دمشق، وكما استغلت عصبية الأرمن في حالات عديدة. أدركت فرنسة أخطار نمو الحزب السوري القومي فعمدت، قبل كل شيء، إلى إقرار حالة الفصل بين لبنان والشام بواسطة مشروع المعاهدتين الذي طوي الآن بعد أن أعطى النتيجة التي رمى إليها الفرنسيون. ثم لجأت إلى إيقاع الحزب السوري القومي في حرب داخلية بينه وبين الفئات النفعية، التي أطلقت فرنسة جماح شهواتها بواسطة إعادة الحياة الدستورية عن طريق مشروع المعاهدة، فتشغله في هذه الحرب ريثما تكون نفّذت القسم الأول من برنامجها المتعلق بالاتفاق مع تركية، فتصبح لها حليفة قوية على هضم الحقوق السورية القومية. وكانت الفئات العمياء عن كل مصلحة غير مصالحها الخصوصية المستعجلة ترى أنّ هذه المصالح توجب عليها محاربة المنظمة القومية، التي تمثل المصلحة القومية العامة، فاندفعت في هذه الحرب بشراسة. ولا بد من الاعتراف بأن هذه الحرب التي اندفعت فيها تلك الفئات المجرمة قد استغرقت قسماً عظيماً من جهود الحركة السورية القومية. ولكن هذه الحركة تمكنت بجلدها العظيم ومناقبها المتينة من توليد فاعلية قوية تناولت الهجرات الإتنية وأثّرت فيها بعض التأثير المحسوس.

 

رأت فرنسة أخيراً أنّ الحكومات المحلية التي أنشأتها في بيروت ودمشق لتنفيذ خطتها ضد النهضة السورية القومية الموحدة عناصر الأمة لم تتمكن، بعد عراك ثلاث سنوات ونيف، من إيقاف تقدم المبادىء السورية القومية وتغلغلها في أوساط الشعب بانتشار الحزب السوري القومي، فعمدت إلى تنفيذ القسم الثاني من خطتها، بعد أن عجلت الاتفاق مع تركية، وهو يشتمل على تجزئة منطقة الدولة الشامية وإثارة النعرات الإتنية بحثّها العناصر الإتنية في لواء الجزيرة ومناطق الداخلية على الانتقاض على الحكم الوطني والمطالبة «بوطن قومي» مستقل.

 

وكانت حكومة «الكتلـة الوطنيـة» قد ساعـدت السياسـة الفرنسـية مساعدة كبيرة بسياستها الخصوصية الضيقة مع هذه العناصر الإتنية، خصوصاً الصحف الكتلية - العروبية التي أخذت تهدد «شذاذ الآفاق» كما أسمت الجماعات الإتنية النازلة في سورية، بالطرد فنفّرت هذه الجماعات من الاستقلال وجعلتها تنحاز إلى الجانب الأجنبي.

 

تعجل فرنسة بتنفيذ هذا القسم من سياستها، لأنها تشعر بخطر الحركة السورية القومية يستفحل وبأن قبضتها على الجماعات الإتنية ستنحلّ بإدراك هذه الجماعات أنّ مبادىء الحزب السوري القومي تؤمنها على حياتها ضمن القومية السورية وتشركها في حقوق الشعب السوري وواجباته، بدلاً من الطعن في أصولها وتهديدها بالطرد والتشريد كما فعلت الشركات السياسية التي لم يُظهر رجالها أي فهم لقضايا الأمة السورية الإتنية والنفسية.

 

هذا شكل جديد من أشكال الصراع بين الحركة السورية القومية والسياسة الأجنبية. إنّ الأخبار التي وردتني تثبت أنّ فرنسة تولّت محاربة الحزب السوري القومي بنفسها مباشرة، بعد أن كانت تحاربه بواسطة الحكومات المحلية. وتريد فرنسة أن تستعمل، في هذه الحرب، كل سلاح ثقافي - روحي، لأنها تعلم أنّ الحركة السورية القومية لا يمكن أن تقاوم مقاومة فعّالة بالسيف.

 

إنّ الحزب السوري القومي يدرك جيداً السياسة الفرنسية وخططها ويعرف أساليبها، وبنمو قوة الحزب السوري القومي يُقضى على كل سياسة أجنبية ترمي إلى خراب الشعب السوري.

 

بهذه الثقة يعمل السوريون القوميون في جميع أنحاء العالم!

 


[1] ورد في جريدة «سورية الجديدة» العدد 18 تاريخ 8 تموز 1939، خبر من شعبة دمشق مفاده أن ممثلين عن الشركس وفدوا من القنيطرة إلى دمشق مطالبين بحق إنشاء وطن قومي لهم في الجولان.         

 

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro