مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
خطاب الزعيم في اللاذقية
 
 
 
[26/11/1948] من محفوظات الأمين جبران جريج
 

 

أيها القوميون الاجتماعيون،

 

إنّ الـمجتمعات البشرية الـحية ليست كتلاً من ماء، ليست قطعاً مادية تستعمل، إنّ الـمجتمعات البشرية الـحية هي قوة حياة فاعلة تثبت وجودها وحقيقتها بـمراميها السامية وبأفعالها الـمعبّرة عن نفوسها العظيمة السامية، والـمجتمع القومي الاجتماعي هو هذه القوة الـحقيقية الفاعلة الـمثبتة وجودها بإرادتها وبـما تشعر في نفسها من زخم يريد أن يبلغ أرقى الـمرامي وأسماها.

 

وهذا الـمجتمـع في هذه الصفـة هو ما عبّرت عنه وكررت أنه الأمة السورية مصغرة فيه,

 

لـماذا أنتم الأمة السورية مصغرة؟ لأنكم أنتم تـمثّلون حقيقة الأمة وتعبّرون بـمبادئكم عن القضية التي تـحملونها في قلوبكم عن إرادة الأمة وعن غايتها العظمى. والـمجتمع الذي لا غاية له هو مجتمع لا مكان له في الـحياة. وإذا كان للأمة السورية مكان في الـحياة اليوم، إعترف به الـمكابرون أم لم يعترفوا واعترفت به إرادات أجنبية أم لم تعترف ـ إلى أن يحين وقت اعترافها ـ فلأن هذه الأمة موجودة على الرغم من كل ذلك. هي موجودة لأن الـحزب السوري القومي الاجتماعي موجود، وهو يعبّر عن هذه الـحقيقة. الـحزب السوري القومي الاجتماعي يعبّر عن حقيقة الأمة وعن غايتها العظمى في الـحياة وهو من هذه الناحية قد رفع مستوى هذه الأمة، قد رفع الشعب السوري من التخبط في الغايات الـجزئية والـحزبيات الـمتنافرة إلى مستوى حقيقة موحدة إلى مستوى مجتمع موحد في غايته العظمى فرفع قيمة هذه الأمة في أعين العالم. والـحزب القومي الاجتماعي قد فعل هذا الفعل العظيم وهو يُحارَب محاربة عنيفة حتى من الذين حمل كل الآلام في سبيلهم وكسر بصدره كل ما يعترض الطريق من أجل عزهم. قد حورب من جميع الفئات في الشعب التي حمل جميع الصعوبات وتعذب وتألم وحارب وحيداً من أجل أن يجعل لها محلاً عالياً بين الأمـم الـحية.

 

الـحزب القومي الاجتماعي لا يـمثّل في هذه البيئة لا غايات خصوصية ولا منافع ومآرب شخصية. بل يـمثّل بذاته الغاية العظمى التي يقول كل قومي اجتماعي إنه لا شيء تـجاهها، ومن أجلها والتي يجد كل قومي اجتماعي نفسه فيها، في عز أمته وشرفها، لا يريد عن ذلك بديلاً.

 

الـحزب القومـي الاجتماعـي هو كما قلت تعبير عن إرادة حياة لا يـمكن أن يصدها شيء في الوجود، وهو في جهاده وعمله يعلن حقيقة سامية في هذا الوجود هي الـحياة؟ وما هي الـحياة؟ الـحياة عز وشرف! الـحياة ليست سيارات، الـحياة ليست مقتنيات!! الـحياة الإنسانية هي قيمة عظيمة في نفس الإنسان!! هي تعبير عن إنسانيته السامية العظمى! وما هو الإنسان إذا كان مجرّداً من قوة الـحياة وجمال الـحياة ذليلاً مستعبداً يساق بالعصى فاقد الإرادة؟ ما هو الـمجتمع الإنساني إذا كان مجرد قطيع من البشر كأنه قطيع من الـحيوانات مجرّد من ذاتيته وحقيقته ووعيه وإرادته الفاعلة.

 

لقد كانت أمتنا قبل نشوء الـحزب القومي الاجتماعي في درك قطعان من البشر، تُسيّر بالإرادات الأجنبية تسييراً فيه كل الغباوة وكل العمى عن الـمصير الـمنحط الذي تسير إليه وتنحدر فيه بإذعان غريب.

 

الـمجتمع الـحر هو الـمجتمع الذي عرف غايته وقدر أن يسير إليها وسار بـملء إرادته ومشيئته. هذا هو الـمجتمع الـحر الـجدير بالـحياة، والذي حياته عز وجمال.

 

والـحزب السوري القومي الاجتماعي هو هذا الـمجتمع الـحر لأنه مجتمع يقوم بـمطلق إرادته لا بعوامل خارجية، اختار غايته وقرر السير إليها بوعيه، وعقله، سار إليها غير معتمد على قوة غير قوّته هو. تتمثل بسيرة الـجبار حقيقة أمة تنهض وتصارع الأمـم التي تنكر عليها حق الـحياة.

 

لقد قلت سنة 1935 إنّ الـحزب السوري القومي الاجتماعي هو دولة لأنه انبثق عن حركة وعن نهوض وإرادة وأعطى التعبير الـحقيقي عن سيادة الشعب السوري الـمستقلة الصحيحة الـمنبثقة من صميم الشعب، فتمثلت فيه إرادة حياة الأمة، وتـمثلت فيه سيادتها الصحيحة التي لم تفرض عليه لا بإرادة تركية ولا إنكليزية ولا فرنسية ولا طليانية، بل هو فرض حقيقته ـ حقيقة أمته وقوميته فرضاً على الأمـم.

 

بهذه الإرادة الـمنبثقة من وعي هذا الـمجتمع العظيم وصلنا بالشوط الذي قطعناه إلى هذه النقطة التي ننطلق منها إلى الشوط الثاني الذي سيحقق من الأمور ما يفوق بكثير ما حققناه حتى اليوم.

 

قد جاهد غير القوميين الاجتماعيين ضد الأجنبي قبل نشوء هذا الـحزب وبعد نشوئه. ونحن لا نريد أن ننكر على أحد جهاده، بل نسجل الـجهاد وكل دقائق الـجهاد وفصوله. نسجل للمجاهدين الذين جاهدوا ببطولة بطولتهم ونسجل للذين جاهدوا بالـميوعة ميوعتهم. إننا في الـحزب القومي الاجتماعي لم نكن مجرّد مجاهدين ضد الأجنبي، بل كنا خالقي جيل جديد ومشيدي صرح قومية عظيمة، كنا نهضة قومية اجتماعية تقيم الوجود وتبطل العدم.

 

نحن القوميين الاجتماعيين جماعة حقيقة لا جماعة أباطيل، نفتخر بأننا وصلنا إلى هذا الانطلاق بقوّتنا فحسب، ونفتخر بأننا يوم زج منا الـمستعمر الـمئات في السجون لم نركع ولم نتساقط على ركبنا مبتهلين إلى الله أن ينصر الـمستعمر! نفتخر بأننا حاربنا بشيء أساسي، بوعينا لـحقيقتنا وإيـماننا بها، بهذا الوعي والإيـمان ظللنا ثابتين، وانهزم الأجنبي. لم نحتج إلى التضرعات لنصر الـمستعمر ولم نحتج إلى الـميعان للإبقاء على نفوسنا. إننا نعتقد أنّ لنا نفوساً لا يـمكن أن تذوب وتفنى. قد تسقط أجسادنا، أما نفوسنا فقد فرضت حقيقتها على هذا الوجود ولا يـمكن أن تزول! وفي حربنا لم نستغث ولم نستنجد. في جهادنا لم نطلب نـجدة ولم نستجد. في جهادنا حملنا حقنا وسرنا، مؤمنين. هذه حقيقة الـجماعة الواعية لنفسها هذه حقيقة مجتمع حين يدرك قيم الـحياة ولا يقبل أن يبقى دون هذه القيم. حقيقة مجتمع أصبح يرفض أن يكون للإنسان غاية غير غاية مجتمعه وخير مجتمعه وعزّ مجتمعه.

 

وفي هذا الرفض وفي كوننا لا نريد إلا خير الشعب وعزّه، في هذه الـحقيقة يجد كل فرد منا حقيقته وشخصيته وقوّته ومكانته فلا غايات عندنا متفرقة، بل غاية واحدة، ولا حقيقة عندنا إلا ما أعلنّا. ليس عندنا شيء مكتوم وشيء معلن لأننا لم نخف قط من إعلان حقيقتنا وما ظننا أنّ الهرب والـخوف من إعلان الـحقيقة يوصلان إلى تثبيت الـحقيقة. ولذلك عرفنا بأننا حركة صراعية محاربة.

 

نحن حزب قتال قبل كل شيء، ومن حيث أننا حزب قتال نحن حزب تفكير في القتال، ونحن حزب رويّة في القتال نـملك أعصابنا فلا يستفزنا مستفز ساعة يشاء، بل نسير إلى القتال بإرادتنا ونختار الـمعركة بإرادتنا نحن لا بإرادة من يريد أن يفرضها علينا، لذلك هان علينا هذا الصبر الطويل في جهادنا ولذلك اخترنا أن نقاتل بآلامنا، حين رأينا أنّ الضرورة تقضي بأن نحارب بآلامنا، ولكننا لم نختر الآلام عن جبن بل عن شجاعة وجرأة وقوة. وإذا كنا قد اخترنا الـحرب بالآلام مرة فلا يعني ذلك أننا سنبقى على الـحرب بالآلام بل نحن نستطيع أن نحارب بغير الآلام. ولكن حربنا لها غاية واحدة هي عز الأمة ووحدتها وشرفها وانتصارها على الإرادات الأجنبية.

 

وفي هذه الـحرب الـمقدسة نحتمل أن يلطمنا مواطن نعمل على إنقاذه، يأبى إلا التدهور ونأبى إلا أن نرفعه إلى ذروة الـمجد القومي والعز الاجتماعي.

 

نحن بتمكننا من أنفسنا، نستطيع احتمال كل مقاومة من أبناء أمتنا ونستطيع ذلك بقوّتنا وشجاعتنا. ونحن لا نضيق ذرعاً ولذلك نحن لا نحمل حقداً حتى على الـمواطنين الذين لطمونا بينما نحن نحارب لإنقاذ الـمجتمع من الفساد وإنقاذ حياة الأمة وشرفها. لا نحمل حقداً ولا نحارب من أجل تنكيس أحد من الناس، ولا نحارب ضد أشخاص ولا من أجل أشخاص، إنّ حربنا هي حرب مقدسة لأنها حرب أمة، هي أمة حية تستطيع أن تشق طريقها إلى الـحياة الـحرة الـمجيدة، حرب أمة تريد أن تشق طريقها إلى العز والعظمة.

 

في سبيل أي شيء نحارب نحن؟ وما هي البلية العظمى من وجودنا للرجعيين الذين يحاربوننا؟ البلية العظمى هي أننا قد ألّفنا بين قلوب أبناء هذا الوطن بعد أن كانوا متنابذين، مفرقين، تتلاعب بهم الغايات والـمآرب التي لا تعبّر إلا عن مصير التفكك والانهيار، وعن غايات مفسخة مـمزقة لا تعني للمجتمع إلا الهلاك.

 

هذه بلـيـتـنـا العظمى للممخرقيـن الذيـن يجـدون في وجودنا وعملنا القومي الاجتماعي بلية على مطامعهم الـحقيرة، وهي أننا قد جمعنا أبناء هذه الأمة من مختلف الطوائف والنحل والـملل شعباً واحداً وأمة واحدة لا طوائف متباينة تخاصم بعضها بعضاً ليتمكن الأجنبي من إذلالها واستعبادها. البلية العظمى هي في أننا نقبل أنّ لكل أجل كتاباً، وفي قبولنا أنّ هذا الأجل هو أجل الأمـم والقوميات، وفي أنّ تعاليمنا هي كتاب القومية الاجتماعية.

 

البلية هي في أننا أيقظنا هذا الشعب لـحقيقته ومصالـحه وأغراضه الـحقيقية في الـحياة، هي في أننا أيقظناه إلى أنّ هذا العصر لم يعد عصر نضال أديان ولا عصر حزبيات دينية بل عصر أمـم تنهض وأمـم تتخاذل وتسقط وجدير بها السقوط، الأمة التي لا تقدر أن تدرك حقيقتها لا تقدر أن تـحمي حقيقتها، ولا أن توجد ذاتها، ولا أن تعيّن أهدافها الصحيحة، ولا أن تـجمع على هذه الأهداف كتلة واحدة وقوة منطلقة بزخم نافذ لا يقف في وجهه شيء إلا كان مصيره السقوط والتحطم! الأمة التي لا تعرف أنّ الـحرية صراع وأنّ الـحق انتصار، هي أمة، أنا أقول، إنها لا تستحق إلا السقوط مصيراَ!

 

وسط السقوط والانهيار الذي تسير بنا إليه الاحتكارات السياسية والسياسات الـخصوصية والأهداف اللاقومية، وسط هذا السقوط وهذا الانهيار ينهض هذا الـحزب نهوضاً وتقدماً وارتقاء، حقيقة ترفض التذمر والعجز وتريد الإبداع والتحقيق، فهي حقيقة تشع على العالم بضيائها وتطبع على التاريخ ذاتها ومـميزاتها السامية.

 

ينتقدنا منتقدون يزعمون أننا على ضلال، ويزعمون أنهم على هدى، يقولون إننا على ضلال ويقولون إنهم على هدى، ونحن لم نعترض سير هداهم إلى تـحقيق أمر ما، بل هم الذين اعترضوا ضلالنا فإلى أين سارت بهم الهداية؟! وإلى أين يسير بنا الضلال!؟

 

تسير هدايتهم إلى فقد أجزاء غالية من هذا الوطن! لأنها تسير القهقرى! الإبقاء على الأحقـاد وإثـارة الفتـن الفتاكـة في النفـوس، تسير هدايتهم إلى الانهيار، إلى الاضمحلال! لـماذا لم يُعلوا شأن هذه الأمة بهداهم العظيم؟!

 

وماذا كان ينقصهم؟ الـجماعات الكبرى في هذا الشعب تسير وراءهم ولا تزال هذه الـجماعات الكبرى في قبضة أيديهم شأن القطعان لأنها لم يصل إليها الوعي القومي، ونحن لم نقف في سبيل أي عمل أرادوا أن يفعلوه!! فما بالهم قد ساروا بهذا الهدى إلى هذا الـخزي؟!

 

أما نحن؟! فإلى أين سـار بنا الضـلال؟ إلى تكويـن البعث القومي وإنشاء هذا الوعي الصحيح الذي يجعل منا أمة بالـمعنى الصحيح لأن الأمة هي الـمجتمع الواعي لنفسه الـمدرك لـحقيقته، ولا تكون الأمة أي مجموع من الناس بلا حقيقة ولا وعي لـحقيقة. نحن قد وجدنا حقيقة الأمة وأوجدنا فوق ذلك مسلكية أخلاقية جديدة تكفل جعل هذه الأمة في الـمستوى من العز والشرف الـجدير بـمن يحمل هذه الأخلاق. نحن قضينا على الـميعان وأثبتنا للشعب أنه ليس بالاحتيال ولا بـما يسمونه دهاء ولا بالـمكر ولا بالـخديعة تنهض الأمـم وتقوم قضايا الأمـم، بل أثبتنا أنه بالأخلاق الصحيحة والصراحة الكلية وبالإرادة الصراعية، بهذه الأمور تقوم الأمـم وتنهض القوميات أثبتنا ذلك بالقول وحققناه بالفعل، وكان فعلنا دائماً أسبق من قولنا. إنّ وجودنا برهان قاطع على ما أقول.

 

لـم يوجـد حـزب في العالم كلـه واجـه من الصعوبات والأضاليل والعراقيل والإشاعات ما واجهه وانتصر عليه هذا الـحزب. لم يوجد حزب واحد لا في أوروبة ولا في أميركة ولا في مكان من العالم اضطر لاجتياز هذه السلسلة الطويلة من الاضطهادات والـمشقات والـمعارك التي اجتزناها. نحن القوميين الاجتماعيين لم نحتج إلى فلسفة الـمكر والدهاء والـخديعة بل شعرنا أننا بنفوسنا وحقيقتنا أقوياء جداً، ولسنا بحاجة إلى هذه الأشياء الـحقيرة التي نزدريها ونحتقرها، بل كانت عقيدتنا ومبادئنا الأخلاقية كافية للانتصار عليها. في هذه العوامل الأساسية الدافعة نحو التفوق كان ثباتنا وكان انتصارنا، وبهذه العوامل الأساسية سيكون انتصار الأمة السورية بنا، لأن هذه العوامل الأساسية الفاعلة هي التي تقرر النصر لا غيرها. ونحن في هذه القضية واثقون، موقنون مؤمنون أنّ انتصارنا حتمي لا مفر منه، وأن هذا الانتصار أقوى من كل عوامل أخرى، لأنه انتصار الوجود القومي الاجتماعي على العدم فهو انتصار أكيد لنا في الـحياة وبعد الـموت، إنه الانتصار على الـموت والفناء.

 

لو قضـوا على مئـات منـا لـما تـمكنوا من القضاء على الـحقيقة التي تخلد بها نفوسنا ولـما تـمكنوا من القضاء على بقية منا تقيم الـحق وتسحق الباطل، فيكون انتصارنا أكيداً في حياتنا وبعد موتنا لذلك نحن جماعة لا نخاف ولا نأبه للموت.

 

نحن جماعة تقول إنّ العيش لا قيمة له. إنّ القيمة هي في الـمبادىء التي تـمثّل نفوس الـجماعة. إنّ القيمة هي في الـمبادىء الأخلاقية والـمطامح السامية التي تفيض بها النفوس لا في الشؤون الـمادية من العيش ولا بأية قيمة من الـحياة الـمادي. لذلك نحن جماعة لم تفضل، لا أنا شخصياً، ولا واحداً من هذه الأمة الناشئة كلها، يوماً أن تترك عقيدتها وإيـمانها وأخلاقها لتنقذ جسداً بالياً لا قيمة له.

 

لا يقين غير هذا اليقين يقدر أن ينقذ معنويات هذه الأمة من الانهيار الأخير. إنّ التسويـات والتكتلات السياسية كلها في هذا الوطن لم تقدر على إنقاذ شيء من معنويات هذه الأمة. إنّ رسالتنا القومية الاجتماعية هي رسالة إيـمان جديد، هي معنويات جديدة هي أخلاق جديدة ونفوس جديدة، هي أمة جديدة، إنّ الذين استعجلوا الأمور وظنوا أنهم بالتكتلات الضخمة يتمكنون من إنقاذ فلسطين قد وصلوا إلى النتيجة التي لا مهرب من أن تصل إليها الـمساعي التي هي جديرة بالوصول إليها، إنهم وصلوا بفلسطين إلى الكارثة.

 

إنّ فئة قليلة مؤمنة إيـماناً صحيحاً لأفضل من فئة عظيمة فاقدة الإيـمان وقائمة على تسويات عقيمة رثة بالية لا تقوم بها لـمجتمع قائمة، وإذا كانت لهذه الأمة بقية أمل وسط الانهيار ووسط ما يحيط بها من أخطار، ليس الـخطر اليهودي الـخطر الأخير منها وإذا كان قد بقي في هذه الأمة بقية أمل فهذه البقية من الأمل وهذه البارقة الـجديدة من أمل جديد يبعث إيـماناً جديداً هي أنتم أيها السوريون القوميون الاجتماعيون، هي أنتـم لأنكـم جماعة غاية الأمة لا جماعة غاية جزئية وأغراض خصوصية في نفوس البعض منكم، لأنكم أنتم الأمة السورية في حقيقتها ووعيها لـحقيقتها، لأنكم أنتم الـجماعة التي تـمثّل هذه الأمة وحقيقتها وغايتها.

 

نحن لم نتلكأ عن واجب لأن الواجب مبدأ أساسي من مبادئنا الأخلاقية ولم نتراجع عن معركة، ولكننا جماعة أرادت قبل كل شيء الـمحافظة على إيـمانها وحقيقتها فلم ندخل في ما أراد البعض أن يجرنا إليه من منازعات لا تـمثّل غير قضايا شخصية، لا في لبنان ولا في الشام ولا في أية بقعة من بقاع وطننا السوري الـجميل، بل كنا حريصين على الاحتفاظ بحقيقتنا بين مختلف الأعمال الاعتباطية التي عرض علينا الـمساهمة فيها وأبينا أن نساهم فيها لأنها لم تكن أعمال قضية قومية.

 

في لبنان عندما كنا نحارب حاملين السلاح، وكنا في حركة عنيفة مع الـحكومة اللبنانية، شاءت فئة تريد أن تـجرّنا إلى معاركها الـخصوصية مع الـحكومة اللبنانية لغايات غير غاية الـحرية والسيادة القومية ففضّلنا أن نبقى وحدنا في معركتنا مع الـحكومة. ولو اقتضى أن نحارب الـحكومة ومعارضة الـحكومة من أجل عقيدتنا وحقيقتنا وعزّنا لـما توانينا في اتخاذ هذا الـموقف، لأن الـمعارضة التي هي من نوع الـحكومة ليست عملية إنقاذ بل عملية بلبلة، لذلك لم نكن حزب انتهازات لغايات صغيرة بل كنا دائماً في موقف الـجماعات الراقية التي تـميّز بين الأهداف الصحيحة والأهداف الـحقيرة، فأردنا الـمحافظة على هذه الـحقيقة التي تصون جوهر هذه الأمة، وقوّتنا العظيمة بإمكانياتها لم تـجعـل منـا حزب اغترار بالقوة، ولا حزب قوة من أجل القوة، بل كنا دائماً حزب عقيدة وقوة من أجل غاية خطيرة في الـحياة هي غاية الـحرية والواجب والنظام والقوّة، غاية الفلاح والعز لهذه الأمة ـ غاية إنشاء مجتمع إنساني جديد على قواعد متينة.

 

هذه الـحقيقة السامية التي ترفع سعينا من درك التخاذل والانحطاط ـ من درك الـجماعة الغافلة عن مصائر الأمـم إلى مرتبة أمة حيَّة لها مثلها العليا ولها نظر واع في الأمور ـ إنّ هذ الـحقيقة والـمحافظة عليها هي واجب كل سوري قومي اجتماعي صحيح العقيدة والايـمان، هما ما يدفع كل قومي اجتماعي إلى العمل ـ إلى الصراع من أجل حزبه، من أجل هذه الـحركة التي تعبّر عن إرادة أمة فتية ناهضة ومن أجل فلاحها.

 

ويقيني أنّ هذا الإيـمان الذي سار بهذه الرفقة السامية إلى هذا النجاح، يسير بها إلى النصر الأخير الذي تتحقق فيه حقيقة أمة عظيمة، وتتحقق فيه أهداف هذه الأمة الـمجيدة العظيمة، ويتحقق فيه خلود هذه الأمة الـمتفوقة الـخالقة بتفكيرها ومواهبها التي هي قوة إبداع وانتصار، لا آلة بيد خالق يستعملها ليشكل بها أي شكل يريد.

 

بهذا الإيـمان، نحن ما نحن!! وبهذا الإيـمان نحن ما سنكون، وأنتم تعرفون ما سنكون!! وبـما نحن وإلى ما نكون، سيظل يدوي هتافنا في العالم: تـحيا سورية.

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro