مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
وحاربنا.. لننقذ اللبنانيين!
 
 
 
كل شيء، بيروت،العدد 99، 18/2/1949
 

 

ما أشد الشبه بيـن موقف العروبييـن وموقف الـمتلبننيـن، على ما هما عليه من تناقض في القضية! فالعروبيون أخذوا يصيحون «عدو العرب» والـمتلبننون أخذوا يصيحون «عدو لبنان»!

 

قد لا يصعب كثيراً علينا تـحليل موقف كل من الفئتين، لأنّ لكلتيهما عقلية واحدة هي العقلية النايو رجعية، التي تـحارب كل تقدم وكل فكر غير رجعي بالقذف بأقبح التّهم الباطلة التي تثير الـمثقفين في الثقافة الرجعية الـجديدة، والـمتمسكين بالـحزبية الدينية، وتهيّج الغوغاء، وتـحرّضه وتـميل به عن الـمعرفة والتفهم إلى الصخب والهياج.

 

تختلف الرجعية الـجديدة الـمتلبننة، والرجعية الـجديدة الـمتعربة، في مرض النظر الـمصابتيـن به. فمرض الأولى قصر النظر ومرض الثانية طول النظر. ولكنهما تتساويان في النتيجة: فما هو ضمن نطاق النظر الطبيعي يبدو في ناظريهما بعيداً وما هو خارج نطاق النظر الطبيعي يبدو في ناظريهما قريباً!

 

منذ نحو ثلاث عشرة سنة ونيف، أي منذ ظهر الـحزب السوري القومي الاجتماعي في نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1935 بعد ثلاث سنوات مرّت على عمله سراً، والرجعية الـجديدة لا تنفك تـحاربنا بالهياج والتحريض، بصيحات «عدو العرب! عدو لبنان!» وكان التحريض يوجه آناً إلى الـمرضى بالـحزبية الدينية وحيناً إلى «الـحكومة»، طالباً منها اتخاذ تدابير لـمحاربة الفكر وتعطيل حقوق أعضاء الدولة الـمدنية والسياسية بالطغيان! وقد تناولت في مقالي السابق الـمنشور في عدد 11 فبراير/شباط الـحاضر من كل شيء فساد مزاعم الرجعيين الـجدد العروبيين وبطلان دعوتهم العروبية الوهمية اللاقومية واللاتعميرية. ولـما كانت الرجعية الـجديدة العروبية والرجعية الـجديدة الـمتلبننة رجعية واحدة، في الأخير، منقسمة إلى شطرين، كان من اللائق بالنايو رجعية أن لا أقتصر على تبيان فساد قضية شطر واحد منها وأن أتناول بطلان قضية الشطر الثاني أيضاً - شطر الـمتلبننين الـمنادين بعزل اللبنانيين اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وبانفصالهم التام عن الـمجتمع السوري والـحياة السورية القومية.

 

إنّ نـمو النفسية الـمريضة بـمرض التلبنن الإنعزالي، بعناية الاحتلال الفرنسي مدة ربع قرن، أدى إلى نشوء فئة نايو رجعية سفسطائية تتكلم بلغة الأجنبي الذي احتل البلاد وفاقاً لـمعاهدة استعمارية من الطراز الأول وبفضل تهديـم السوريين للتسلط التركي، ومعاونتهم للحلفاء في الـحرب العالـمية الأولى، والذي أعلن قائد جيشه الـمحتل الأول أنّ دولته الـمحتلة تريد البقاء في منطقة احتلالها السورية إلى الأبد!

 

فلما نشـأت الـحركـة السوريـة القوميـة الاجتماعية وأعلنت وجودها السلطة الـمحتلة نفسها بواسطة حادث اعتقال زعيم هذه الـحركة وأعوانه في السادس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1935، أدرك الـمحتلون أنهم أمام نهضة قومية رائعة بنظامها وحيويتها، وتـجاه حركة صراعية، ذات عقيدة متفوقة، قادرة على تـحرير الأمة السورية كلها من رجعياتها الاجتماعية والسياسية، وتـحرير فكر اللبنانيين وإرادتهم من قيود التعليم والتوجيه الاستعماري، فوجدوا في الفئة التي خرّجوها من مدارسهم، وثقفوها في غاياتهم، وزادوا في مرض نظرها الـمنبثق من حزبيتها الدينية العامل التهديـمي الذي رجوا أن يكون خير معين لتوطيد دعائم إمبراطوريتهم في الـجزء الشمالي - الغربي من سوريـة الطبيعية. فانبرت تلك الفئة تعمل لإنشاء أمة غير موجودة وتنادي «بقومية لبنانية». وتـمكنت بـمساعدة الاحتلال الفرنسي من إنشاء «الأمة» الـجديـدة فبلغ عـدد نفوسها، بـما فيه إحصاء اليهود الذين يحملون أزرار هذه «القومية» الـجديدة، نحو ألف شخص غير وقتيين ونحو ألفي شخص نصفهم دائماً موقت!

 

وقد قامت هذه «الأمة» الـجديدة الـمصنوعة بطريقة قلّما رأى العالم لها مثيلاً، تسنّ شرائعها الكيفية والعاطفية فأعلنت أنّ لبنان - هذه الـجبال الفخمة في سورية الطبيعية - هو «وطن قومي للأمة الـجديدة» أمة الأزرار النايو رجعية، وأنّ كل من لا يحمل زراً من أزرار الرجعية الـجديدة الـمتلبننة لا يحق له أن يكون عضواً في الدولة اللبنانية ولا أن يبدي رأياً يرتأيه في مصير سكان لبنان وفي خيرهم الـحقيقي. إنّ لبنان في عقيدتهم «وتعاليمهم» لا يخصّ جميع أبنائه،بل يخصّ الـمتخرجين من مدرسة الاستعمار الأجنبي. فكل لبناني صميم لا يوافق على الانـجراف في تيار «القومية» النايو رجعية ويظل يعرف سورية القائمة حقيقة ثابتة في الواقع وفي التاريخ هو عندهم «عدو لبنان»!

 

ألا أننا أعداء كل احتكار للحقوق الـمدنية والسياسية في لبنان وفي كل دولة أخرى من الدول السورية!

 

ألا أننا أعداء ذلك التلبنن الفاسد الـخارج على الواقع والـحقيقة الـمشوِّه للعقل السوري والإدراك الصحيح والـمنطق السليم!

 

ألا أننا أعداء التلبنن الغريب عن حقيقة اللبنانيين القومية وعن إرادة اللبنانيين الأحرار - التلبنن الـمعادي لـحرية اللبنانيين في معرفة حقيقتهم وتقرير مصيرهم - التلبنن الذي يريد أن يفرض على اللبنانييـن الأحرار ما لم تتمكن الإرادة الأجنبية نفسها من فرضه عليهم!

 

ألا أننا أعداء أعداء اللبنانيين الـحقيقيين!

 

إنني أعلن أنّ أعداء العروبة الواقعية هم العروبيون الوهميون، وأنّ أعداء لبنان الواقعي هم الـمتلبننون الوهميون!

 

وإنني أعلن أنّ الأمة السورية حقيقة واقعية ثابتة في جميع الكيانات السورية السياسية مهما تعددت «القوميات» النايو رجعية ومهما سخطت أمة الأزرار وكابرت إمبراطورية وحدة الأقطار!

 

قد رأينا في مقالي «.. والانعزالية اللبنانية أفلست»، الـمنشور في عدد 28 يناير/كانون الثاني الـماضي من كل شيء، شرح الأسباب الـموجبة من الوجهة الداخلية لطلب الـمسيحيين في لبنان بقيادة متزعمي حزبيتهم الدينية، التي هي حزبية الـخوف والانقباض، الانفصال السياسي عن أمتهم السورية. إنّ تلك الأسباب ليست قومية ولا وطنية، إنها ليست إتنية ولا اقتصادية. إنها أسباب الـحزبية الدينية والـحروب الأهلية التي جرّتها هذه الـحزبية على الشعب السوري كله، وهي لذلك، أسباب غير منحصرة في لبنان، فالـحزبية الدينية داء اجتماعي - سياسي منتشر في سورية الطبيعية كلها ولا يـمكن معالـجته بإنشاء قضية خاصة به تتخذ شكلاً «قومياً» مصطنعاً في لبنان، بل بإنشاء قضية قومية اجتماعية كلية يحارب أصحابها حرب الوعي القومي والتحرير الاجتماعي السياسي في سورية الطبيعية كلها.

 

إنّ الدولة اللبنانية هي شخصية سياسية لا تقوم في قطر قائم بنفسه من الأرض، بالـمعنى الـجغرافي الطبيعي، ولا في شعب منفصل في وحدة حياته الاجتماعية - الاقتصادية - الروحية - التاريخية. فالشعب اللبناني مندمج في وحدة حياة الشعب السوري، لأنه من صميم هذه الوحدة الـحياتية، ولم تتمكن الفواصل السياسية من فصله عنها كما فصلته في الإدارة. وأرض الـجمهورية اللبنانية البالغة نحو عشرة آلاف أو اثني عشر ألف كيلومتر مربع ليست بيئة طبيعية كاملة ولا تشكل قطراً كاملاً بالـمعنى الـجغرافي.

 

إنّ أسباب قيام الدولة اللبنانية هي، كما قلت سابقاً، أسباب الـحزبية الدينية الداخلية والإرادة الأجنبية الاستعمارية التي عملت على استغلال مشاكل الـحزبية الدينية لإيجاد حالة سياسية سيئة في البلاد السورية تسهل لها مهمتها الاستعمارية. فالأسباب ليسـت في وحـدة أرضيـة مستقلـة جغرافيـاً واستراتيجيـاً ولا في وحدة قومية مستقلة اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً، بل في نظام الـحزبيات الدينية. والـحزبيات الدينية هي مشكلة اجتماعية - سياسية في البلاد السورية كلها، لا في لبنان فقط.

 

إنّ الـمسيحييـن في لبنان متصلون اتصالاً اجتماعياً وثيقاً بالـمسيحييـن في بقية البلاد السورية. وإنّ دروز لبنان متصلون اتصالاً اجتماعياً وثيقاً بدروز جبل حوران وبدروز حلب وبقية البلاد. وإنّ الـمحمديين في الـجمهورية اللبنانية متصلون اتصالاً اجتماعياً وثيقاً بالـمحمديين في كل البلاد السورية. وإنّ للأرثوذكس بطريركية واحدة في كل سورية وإنّ للموارنة بطريركية واحدة في كل سورية وكذلك بقية الطوائف الـمسيحية. فإنّ في سورية الطبيعية كرسياً واحداً لـجميع الطوائف الـمسيحية هو الكرسي الأنطاكي. وإنّ للشيعة مجتهداً أكبر مرجعاً واحداً في جميع سورية الطبيعية هو الـمجتهد الأكبر في النجف، وجميع الـمسيحييـن مشتركون اشتراكاً كلياً في جميع روابط الـحياة الاجتماعية والروحية في البلاد السورية كلها. واشتراك الـمحمدييـن والـدروز في روابـط الـحيـاة الاجتمـاعيـة والـروحيـة السـوريـة لا يقـل عن اشتـراك الـمسيحييـن فيها.

 

إنّ في البلاد السورية وحدة قومية فعلية في الـحياة الاجتماعية والـمصالح النفسية والاقتصادية وفي الـمصير الشعبي كله لا يـمكن كل عوارض الـحدود السياسية تقطيعها وتـجزئتها. إنّ عارضة على الناقورة أقامت حداً سياسياً بين منطقة الاحتلال الفرنسي ومنطقة الاحتلال البريطاني لم تـَحُلْ اجتماعياً بين اللبنانيين والفلسطينيين الـمتشابكين في الـحياة القومية ولكنها حالت سياسياً، دون انطلاق حيوية اللبنانييـن نحو مقاومة مشروع «الوطن القومي» اليهودي! وإنّ عارضة في وادي الـحرير لم تـمنع مئات السيارات من الذهاب والإياب يومياً بين مركز الفاعلية الـحيوية اللبنانية ومركز الفاعلية الـحيوية الشامية، حاملة اللبنانيين والشاميين من جميع الأنحاء إلى جميع الأنحاء توزعاً من الـمركزين الـمذكورين. وإنّ عارضة عند النهر الكبير لم تـمنع تفاعل الـحياة الاجتماعية بين لبنان وغرب الشام.

 

إنّ ترابط القرى والـمدن والأوردة الزراعية في سورية الطبيعية كلها لا يسمح مطلقاً بالتفكير بتجزئة الأمة السورية إلى أمـم والشعب السوري إلى شعوب. إنّ وحدة الـحياة السورية القومية لأقوى من جميع عوارض الـحدود السياسية!

 

إنّ التلبنـن الوهمي الفاسد الذي يقول بإمكان إحداث هذه التجزئة هو تلبنـن غريب عن طبيعة اللبنانييـن السليمة التي لم تشوِّهها الثقافة السياسية الاستعمارية. وإنّ التغرير باللبنانييـن العامليـن في حقولهم ليتبعوا هذا التلبنـن الأجنبي الـخطط هو عامل خطر على مصير اللبنانييـن. إنّ الانعزال وتـمكين الـمصالح الأجنبية من التحكم في موارد حياة اللبنانيين هو أدهى شر يصيب اللبنانيين فيطردهم من ديارهم، ويشردهم بين مختلف القارات. ولا يفيد اللبنانييـن تأويل النايو رجعييـن الـمتلبننيـن التشرد بالقول إنه «فتح للأمصار وتـمدين للعالم»! إنّ الأم اللبنانية التي فقدت إبنها وراء البحار لا يعوّضها شيئاً هذا التلبنـن، وإنّ الأب الذي يكدح عاملاً في الأرض وتهرب منه الـمواسم وترهقه الضرائب لا يجد جزاء خير في التلبنن الوهمي.

 

إنّ النايو رجعية الـمتلبننة لم تكن أقل عجزاً عن مقاومة الـحقيقة بالباطل من النايو رجعية الـمتعربة. ولإدراكها عجزها تلجأ هي، في حكمتها الكلية، إلى طلب محاربة الفكـر وحـريـة الـرأي والاعتقـاد بالإرهـاب! وهذه النايو رجعية عينها لا تفتأ تغش اللبنانييـن بالتبجح بأنها تطالب بحرّية الفكر، وحرية الصحافة، وحرية القول، إلى آخر الـحريات التي تعرف ألفاظها ولا تفقه معانيها!

 

وقد بلغت الـحماقة ببعض الصحف النايو رجعية الـمتلبننة «الأرستوقراطية» اللغة أن تنسب «الـخيانة العظمى» إلى اللبنانيين الـمستقلين عن عبودية الأرستوقراطية وعن الإرادات الأجنبية، الذين يعبّرون التعبير الـحقيقي الـحرّ عن إرادة اللبنانيين القومية ومذهبهم الاجتماعي!

 

كتّاب نايو رجعيون يحملون عار الكتابة بلغة الدولة التي احتلت جبال لبنان ودنّست أديـم لبنـان بسنابك خيلها وأقدام سنغالييها وينشرون كتابتهم في صحف تـحمل ذلك العار «القومي النايو رجعي» عينه، يتهمون الرجل الذي أطلق الوعي القومي في الشعب وحارب الاحتلال الأجنبي وكل إرادة أجنبية طامعة في الأمة السورية وبلادها «بالـخيانة العظمى»!

 

تلك هي حقيقة النايو رجعية وسنّتها ولن تـجد لسنّة النايو رجعية تبديلاً!

 

إنّ مرتكبي الـخيانة العظمى هم الذين لا يزالون حربة أجنبية مسمومة، مغروسة في قلب الأمة السورية، وإسفيناً أجنبياً في أساس الأمة السورية النفسي وفي أساس هذا الاستقلال!

 

إنّ بناء النفوس في الـحقيقة السورية، في القومية السورية، ينقذ اللبنانيين خاصة، من شعوذة النايو رجعيين الـمتلبننين، وينقذ السوريين عامة، من شعوذة النايو رجعيين الـمتعربين وينهض بسورية وبالعالم العربي!

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro