مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
ملحق رقم 3 الفلسفة المدرحية وناحيتها الصراعية
 
 
 
مجلة النظام الجديد، العدد الخامس، تموز/آب 1948 النشرة الفكرية المركزية للحركة القومية الاجتماعية، الموجّه: الزعيم
 

 

الأستاذ الرفيق زويا لبيب  

 

 

في ما يلي ننشر المحاضرة التي كان الرفيق لبيب زويا مزمعاً أن يلقيها في مؤتمر المدرسين القوميين الاجتماعيين في المخيم القومي الاجتماعي في هذا الصيف وقد حال انتهاء المؤتمر قبل الموعد الذي كان مقرراً انتهاءه فيه دون القائها فيه.

 

إن هذه المحاضرة هي تحليلية دقيقة للفلسفة المدرجية، وقد تناولت الناحية الأنطلوجية كما أنها تناولت موقف هذه الفلسفة من الفلسفات المعاصرة وهي تمثل اجتهاداً ممتازاً في شرح الفلسفة المدرحية التي تقدم الحل الوحيد روحياً وعملياً لقضايا المجتمع الإنساني العسيرة وتشق للمجتمع طريق الخروج من التخبط والأضاليل إلى حرية أعظم ونظام أجمل ونتيجة فيها الخير كل الخير للمجتمع فهي وحدة من وحدات هذه المجموعة الأولى من الدراسات الكبيرة القيمة للفلسفة المدرحية التي أعلنها سعاده وتقدمها النهضة القومية  الاجتماعية للعالم.

 

***

 

نحن نحيا اليوم في عالم يقول عنه البعض أنه أصبح على شفا هاوية وأنه لا محالة واقع فيها، إلا إذا حدثت معجزة ربانية رفعته عنها وردته إلى الطريق القويم. ويقول آخرون أن عالمنا هذا عالم مخير سار إلى حتفه بيده، وأن لا خلاص  له إلا إذا رجع إلى نفسه فاستمدّ منها من جديد الروح الأصيلة التي تربطه وخالقه، فتسيّره، بكامل خياره الواعي إلى نهايته الحقة. ويذهب البعض إلى أن العالم الذي نحيا فيه، عالم ميكانيكي، لا أثر للروح فيه، وأنه غير مرتبط بعالم آخر، لعدم وجود عالم آخر غيره. وأنه بذلك عالم يسير حسب نواميس طبيعية، لا قبل للإنسان بتغييرها، ولا يستطيع أحد مهما بلغ من القوة، أن يغير فيها شيئاَ. إن القوانين الطبيعية التي يعتقدون بها ويؤمنون، هي قوانين ثابتة، يسير حسبها العالم بكل ما عليه من إنسان وحيوان وجماد. وإذا سألناهم، ما هي بنظرهم النهاية التي إليها سائرون، أجابونا، والدهشة تعلو وجوههم،ولماذا تسألون عن ذلك؟ هذا عالم كالآلة تماماً، لا يقف إلا إذا طرأ عليه عطل. أما ماهية هذا العطل وكيفيته، فهذا ما لا يستطيع إنسان الإجابة عليه”. إن هذا النوع من الجواب، لا يشبع نهم انسان يود معرفة ما إذا كان يسير حسب النواميس الحقة أم لا. وأن موقف هؤلاء ليس بالموقف الإنساني الواعي، لأنه من الواجب علينا أن لا نأخذ الأمور على علاتها، بل أن ندرسها درساً عميقاً ونفهمها حق الفهم، لأن ذلك هو الطريق الوحيد لما دعوناه، قبلاً بالتحقيق الإنساني.

 

أنه لمن المسلم به حقاً أن العصر الذي نحيا فيه الآن هو غير العصور التي مضت. فالانسانية بجميع قومياتها وأممها، قد قطعت شوطاً طويلاً في مضمار الرقي والتمدن. ومع هذا كله فهي لم تزل تتسكع على عتبة التحقيق الأكمل، لوجود عدة نقائص في فهم حقيقة نفسها الأمر الذي أدّى، وسيؤدي في المستقبل، إلى الفتن والاضطرابات. ليست المسألة مسألة اختراعات فحسب، إذ ليس من المعقول أن نكون قد انهينا مهمتنا الإنسانية باختراعنا القنبلة الذرية، واكتشافنا عناصر الذرة. ليست هذه سوى مظاهر مادية، لما يجري في صميم الإنسانية من تطورات روحية. (وأرجو أن يفهم من هذه الكلمة هنا مدلولها الفلسفي لا الديني). وأنه لمن الواضح البين أن لا نتاج مادي دون أساس روحي له- وذلك لأن كلاهما عنصر واحد. إذا نظرنا إليه من الخارج دعوناهمادة، وإذا نظرنا إليه من الداخل دعوناهروحاً”. فالروح والمادة إذن صنوان لا يفترقان كصفحتي ورقة بيضاء. ليس بإمكاننا فصل الصفحة الأولى عن أختها، وليس اندماجهما معاً إلا دليلاً واضحاً على أن لا وجود لأحدهما دون الأخرى. فلا وجود للمادة دون الروح، ولا للروح دون المادة. وجدا سوية، فكان الوجود، فهما الوجود.

 

نحن الآن في عالم جهل نفسه تمام الجهل، فلم يعد باستطاعته السير على الطريق المؤدي إلى السعادة المستوخاة. وأن أية محاولة للإصلاح غير قائمة على فهم أساسي لما هو بحاجة إلى اصلاح، أو بالحري، لماهية العالم الإنساني، هي محاولة يائسة، لن يكتب النجاح لها في النهاية. أنه لمن الممكن أن تصلح الحالة العامة لمدة معينة من الزمن، ولكنها غير قابلة للدوام. والسبب الأوحد في ذلك هو عدم تفهمها المبدأ الأساسي العام للوجود الإنساني أو عدم السير حسبه، حين تفهمه. إذا لم نصل إلى معرفة الأساس الذي يقف عليه وجودنا نحن، فما قيمة إصلاح لا يتناول الأساس؟ أو إذا تناوله، كان ذلك بطريقة خاطئة، ولن يكون الإصلاح اصلاحاً جزئياً. إذ أن المرض أو الخلل الذي نعنيه، هو مرض لم يتخذ موضعاً واحداً في جسم الأمة، أو حتى في جسم الأمم، بل انه انتشر في جميع أنحاء الوجود الإنساني بكامله. انه المرض الذي رأينا أعراضه من قبل الصراع الدائم بين قوى الرحعة والظلام وقوى التقدم والنور. والذي اتخذ أشكالاً متعددة، في أدوار التاريح الطويلة، فكان تارة صراعاً بين الكنيسة والملك، وثم بين الملك والشعب، وطوراً صراعاً بين الأمم نفسها في سبيل تثبيت مصالحها واحراز النصر النهائي لها دون غيرها. إن هذا الصراع نفسه ليس بالحقيقة، إلا شيئاً واحداً هو التطور الإنساني نحو التحقيق الأمثل. وجد الصراع على الأرض مذ وجد الوجود. ففي الصراع حركة، وفي الحركة حياة. وإذا عدمت الحركة عدمت الحياة، وبالتالي الوجود نفسه.

 

وُجد الإنسان على الأرض مخلوقاً ذكياً، في عقله الصغير امكانية فهم العالم بأسره. لم يوجد كما نعهده اليوم. وما هذا المخلوق الذي نراه اليوم سوى نتيجة لذلك الصراع الطويل منذ بدء الخلق حتى يومنا هذا: صراع بين الإنسان والطبيعة بين الإنسان وأخيه، بين الإنسان في أحط درجاته، والإنسان في كامل سموّه، بين الإمكانية العديمة الحركة، والفعالية الفعّالة، صراع كان الأساس الأول والأخير، وبتطوره، تتبدل الأوضاع، فيتخذ الصراع شكلاً خاصاً يميزه عن الأشكال السابقة.

 

ليس من الضروري أن يكون الصراع حرباً، مع العلم أنه قد يكون. فإن الصراع في النفس الإنسانية، هو صراع الكمال، صراع من أجل البناء. صراع لا يتخذ شكلاً خارجياً أبداً، بل يبقى ضمن حدود الروح، ولا يظهر تأثيره إلا في نهاية جولته، حينما ينتصر الخير الإنساني الحق، على ما هو غير إنساني في الإنسان. حينئذ فقط يتخذ الصراع شكلاً خارجياً خاصاً ليبرهن عن نفسه. وليظهر نفسه للعيان. إن الصراع الحقيقي، إذن، هو صراع الإنسان مع نفسه، في سبيل فهمها وتحقيقها. إنه صراع الإنسانية بكاملها مذ عرفت الإنسانية النور. ولن يتم هذا الصراع ولن يقف، إلا بتمام تحقيق الذات الإنسانية الشاملة. ولنا في ذلك كلام في حينه. إذ من الواجب علينا الآن أن نبين ماهية الأسس التي يرتكز إليها الصراع الإنساني بشتى مظاهره.

*

 

ولنبدأ الآن بتبيان الأساس الفلسفي الذي ترتكز إليه جميع مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الثقافية وغير الثقافية. إن هذا الأساس كما تعلمون ليس أساساً اعتباطياً اعتمد في الإيمان به سهولة مأخذه أو سرعة تفهمه. وإذا ما ظهر للبعض سهلاً، فهذا لا يحرّم كونه مبدأ فلسفياً عاماً للحياة. ولكنه في الواقع، وهذا ما أود أن أنبه العقول إليه، مبدأً على جانب عظيم من الأهمية والخطورة، لأنه إذا لم يعرف كيف يفهم، قضى على معتنقه وسبب له نوعاً من السقطات الفلسفية التي قد تودي بادراكه الفلسفي إلى ما لا تحمد عقباه. وهذا ما يجعله خطيراً. وله من سهولة تعابيره، وسلاسة مقولاته، ما يجعله سهلاً، هين الفهم، يصدف عنه البعض، لنفور في نفسهم من الأمور السهلة، وهم لعمري، لو عرفوا السهولة الصحيحة، لوقعوا أمامها ولعجزوا حتى عن فهمها. كلا، فإن المبدأ الذي ندين به والذي يدعى بحق المدرسة الفلسفية الجديدة في العالم اليوم، ليس سهلاً بالدرجة التي يظنها البعض، فيصبح نوعاً من الخلط الكلامي. وليس صعباً أيضاً حتى يستطيع الإنسان المطلع أن يفهمه. وسنرى في شرحه ما يساعدنا على فهم ما تقدم. إنما أردت أن أقول ما قلته لسببين: أولهما هو كون هذا المبدأ جديداً بالنسبة لغيره من المبادئ الفلسفية، فهو لذلك غير مفهوم تماماً لعدم وجود شروح كافيه له. وثانيهما: هو كون بعض المتحذلقين، يرون فيه نوعاً من التركيب الفلسفي، أي ما يدعونه بالفرنسية مثلاً والانكليزية (Eclecticism)، وليس الابداع الفلسفي، والفرق بين الاثنين ظاهر، ولكننا سنبين في شرحنا التالي أن المبدأ المدرحي، أو الفلسفة المدرحية، ليست تركيباً فلسفياً بل ابداعاً فلسفياً بمعنى أنها نظرة جديدة كل الجدة إلى الحياة والعالم والمعرفة، وأن هذه الفلسفة لها من المقام ما لأي فلسفة أخرى، لا بل أكثر أهمية من غيرها لأنها الوحيدة التي استطاعت أن تعطي الأساس الموحد لسير الحياة الإنسانية، فقضت بذلك على أوهام كثيرة عُلّقت فيما مضى على علاقة المادة والروح، الأمر الذي أدى في كثير من الآحايين إلى العزوف عن فكرة الوحدة الجامعة الحياتية، وذلك لتعلق بعض المشتغلين في مثل هذه الأمور بما ينتج عنها. وليس بحقيقتها هي، وماهيتها أولاً وآخراً. وسنرى الآن، بعد أن نأتي على الشرح، ما لهذه الفكرة من أهمية، خصوصاً في تفهم الحياة الإنسانية التي نحياها، وعلاقتنا كبشر بعضنا مع بعض. ولهذا فإنني أقول أنه إن كان هنالك فلسفة وجودية بالمعنى الصحيح، فهي ولا شك فلسفتنا نحن. لأنها تعتبر الوجود كأساس لها، فتبني عليه. والوجود في نظرها وجود اجتماعي موحد وليس وجوداً افرادياً متقطعاً.

 

جرى الناس في كل قطاعات الأرض تقريباً على القول بأن الحياة صراع، وأن الجمود دليل الموت. وهم في الوقت عينه يعنون بذلك أيضاً أن الحياة نفسها نوع من الصراع بين قوى متعددة، يتوقف أمر دوامها على دوام هذه القوى والصراع بينها. فالمؤكد طبعاً أن الحياة بالمعنى الذي نفهمه نحن، والطريقة التي نحياها على هذه الأرض ستتغير حتماً عندما يتم انتصار القوى الحقة والخيرة، على قوى الشر والخداع. فالأديان السماوية وغير السماوية التي وعدت بالجنة وحسن المآب إنما ترتكز نهائياً على شيء من هذا النوع، أي القول بأن هنالك قوى عديدة، تتضارب وتتطاحن، وأن الغلبة في النهاية لقوى الحق، وعلى البشر جميعاً أن يكونوا من جنود الحق، لأن في ذلك خيراً لهم.

 

وتقول هذه الأديان بأن الغلبة النهائية ستكون للحق وجنوده، فينهزم الباطل وتزهق روحه، ويسدل الستار على الفصل الأول من الحياة الإنسانية البحت، ليرتفع ثانية عن حياة يشبهها البعض بحياة الآلهة، إذ يقترب الإنسان من الآلهة، ويصبح مخلوقاً نورانياً، كالملائكة مثلاً، فيحيا حياة جديدة، لا يعرف فيها سوى الخير.

 

هذه هي بعض الشروح التي يأتي بها أولئك الذين يؤمنون بالديانات السماوية كالمسيحية والمحمدية، وغير السماوية كالزردشتيه. وفي كلا الحالتين يجب أن لا يغرب عن بالنا، أن الأساس الفلسفي واحد، وهو أن الحياة الانسانية هي حياة تجريبية ليسعى الإنسان ضمنها إلى تحقيق نفسه، وكأني به يرى نفسه ضمن شرنقة، يحاول الخروج منها حراً طليقاً. إن هذه الشرنقة، أو ذلك النطاق، إذا كان ثمة شرنقة أو نطاق تمثل لنا، بطريقة صورية الحياة الإنسانية التي نحياها، بينما يمثل لنا خروجنا منها، اكتمال تحقيقنا لأنفسنا، وانتصارنا على قوى الرجعة والباطل. فالحقيقة في هذه الحال واحدة، وأن تعددت الطرق التي تؤدي إليها. وهذا التعدد شيء طبيعي، ناتج عن مدى التطور الإنساني والإدراك العام لما حول الإنسان من قوانين ونواميس. ففيما نرى الأقوام المتأخرة تؤمن بنوع من الاتكالبة العمياء، وبشيء من الغيبية البعيدة نرى أن الأقوام الأكثر تقدماً تؤمن بعالم أكثر حرية وأقوى مناقبية، وفي ذلك الدليل الواضح على مدى تأثر الإنسان، من حيث هو مجتمع، بما ندعوه عادة التطور المجتمعي. فمنذ أن عرف الإنسان على الأرض، حتى اليوم، والأرض لم تزل كما كانت من قبل، وستبقى كذلك حتى آخر الدهر. إنما الذي يتغير عليها هو تلك الأشياء الخاضعة لنواميس خاصة تتطور حسبها- مع العلم أيضاً أن هذه النواميس الطبيعية هي أيضاً أمور ثابتة، لأنها تمثل القانون الطبيعي العام الذي تسير الطبيعة بأجمعها حسبه، ولكن الإنسان الأول، الإنسان الابتدائي لم يفهم هذه الأمور كلها، ولهذا نقول اليوم أن ابن القرن العشرين أكثر معرفة وأرفع قدراً في الحضارة من ابن القرن الثالث مثلاً. وفي ذلك الدليل على أن الإنسان لم يخلق كما نعهده اليوم، بل أنه وجد يوماً على الأرض كغيره من المخلوقات. إنما كان يحمل في روحه إمكانية جبارة، هي إمكانية المعرفة. وهذه الإمكانية وإن كانت قد خلقت والإنسان، إلا أنها لم تظهر أمام الحقيقة والواقع، إلا عندما بدأ الإنسان بتطوره، باحتكاكه بالطبيعة التي تحوطه والأشخاص الذين يعيشون معه، وكانت نتيجة هذا الاحتكاك أن أدرك الإنسان شيئاً فشيئاً قيمة الرسالة التي يعمل بها، فآمن بها وسعى لتحقيقها.

 

الحقيقة أن في الأمر سراً، سها البعض في الأزمنة الغابرة عنه، فراحوا يفتشون عن علته وأسبابه، ويحاولون أن يغوصوا إلى أعماقه ليسبروا غورها. فمنهم من أضاعوا وقتهم بالتفتيش دونما فائدة. ولكن ليس هذا السر بالأمر المعقد. وأن السبب الأوحد في تعقيده عائد إلى الإنسان نفسه، الذي حاول أن يفهم ولم تكن لديه الذخيرة الكافية لذلك، فخبط خبط أعشى، وجاء بنوع من الرسالة أو التفسير الذي لم يطابق كثيراً الواقع فكانت نتيجة ذلك أن اضطرت العقول الإنسانية، من جراء التشويش، وكثرت التقاويل حول أصلية الأرض، وأساسها، وقوانينها. ولو كان الإنسان في ذلك الحين، أو في وقت من الأوقات على درجة واحدة من الإدراك لما كان في الإمكان الوصول إلى الحالة الحضارية التي نحيا فيها اليوم. فإن لهذا التفاوت والتباين بين القوى الإنسانية في الأشخاص وفي الجماعات، أهمية لا يقدر قيمتها إلا الذين يعون مدى قيمة الصراع بين عدة قوى في سبيل التحقيق الأمثل لكيان الإنسان. كان التفاوت، فكان الصراع، فكانت الحضارة. فالصراع أساس للحضارة الإنسانية، كما وأن التفاوت والتضارب أساس للصراع الإنساني. فلولا التفاوت لما استطاع الإنسان التقدم قيد أنملة في ميدان التحقيق العام ولم يخطئ الذين قالوا أن في الركود موتاً وفي الحركة حياة.

 

وجد الإنسان على هذه الأرض مظهراً لشيئين مختلفين بالإسم. وقد ظن الكثيرون أنهما مختلفين أيضاً بالماهية والأساس، وأنه ليس من الممكن  أن يجتمعا معاً دون أن يكون في ذلك حطاً من كرامة أحدهما أو قيمته. وقد جرى الناس على تسمية هذين الشيئين بإسمين مختلفين، لا يربطهما رابط، وهما المادة والروح. وقالوا أن المادة تمثل الجسم وميكانيكيته بينما تمثل الروح النفس الإنسانية الآمرة التي تسيّر الجسم. واختلف الناس حول أهمية هذين العنصرين، فمنهم من قال أن الروح هي العنصر المهم، وما الجسم سوى البيت الذي تقطنه. وذهب البعض الآخر إلى القول بإن الجسم هو الأهم وأن النفس أو الروح إن هي إلا مظهر من مظاهره. وقد اعتقد الروحيون بخلود الروح وبقائها الدائم، بينما آمن الماديون كما كانوا يدعون بأن لا خلود ولا بقاء، وإن الحياة الإنسانية شيء عارض، تحيا وتزول ضمن نطاق الطبيعة، وفي مدة من الزمن خاصة، ومعينة. ومن جراء هذا الاختلاف الظاهر بين المذهبين انقسم الناس فئتين: فئة تدين بالروح، وأخرى لا تعترف بها. وكان ذلك منذ أقدم الأزمنة والعصور، ولكن التفكير الإنساني لم يقف عند هذا الحد فقط، بل تعداه إلى إيجاد مذاهب عديدة ضمن هذين المذهبين العامين. فصرنا نجد أن بين الماديين كثيرين من الذين تتفاوت نظرياتهم، وتتضارب آراءهم، ولم يقتصر الأمر على الماديين فقط، بل تجاوزهم إلى الروحيين، فنشأت الديانات المختلفة، ونشأت ضمن هذه الديانات نفسها النظريات المتضاربة، التي إن دلت على شيء، فإنما على عدم اتباع نظرية ما، فهم الإنسان إلى المعرفة الكلية. ليس الأمر مقتصراً إذاً على مدى علاقة الإنسان بالروح، بل على قيمتها ووجودها وأساسها، وأهميتها. ثم علاقة الإنسان نفسه بنفسه وبما حوله من مخلوقات ذات أرواح وإلى ما شاكل ذلك.

 

لقد خاف الإنسان الأول مما يجري حوله من أمور لا يفهمها، فدعاها أرواحاً، أعجب بالبعض منها لأنها تساعده على قضاء حاجاته فدعاها أرواحاً خيّرة وكره البعض الآخر لأنها كانت تسبب له هلاك قطعانه ومزروعاته، فدعاها أرواحاً شريرة. ولم تكن تلك العناصر أرواحاً، بل قوانين طبيعية، أو أموراً تجري حسب النواميس العامة. وإلا فما هي أهمية رمي فتاة بكر إلى النهر الهائج الصخّاب؟ هل تقضي الفتاة على هيجانه بالقضاء على حياتها بين لججه المخضبة بالوحول؟

 

لم يكن ذلك سوى اعتقاد بسيط، أصبح بعد حين طقساً دينياً، واحتل من الناس مركزاً مهماً، فصار قسماً من حياتهم، لا يستطيعون منه مفراً. إن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على مدى تعلق الإنسان بالتعاليل التي يقدمها لبعض الأمور الغامضة التي تجري حوله. ولنا في التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك.

 

نظريتان، إذن تقاسمتا الوجود الإنساني العام. فانقسم الناس إلى قسمين كبيرين، احتويا ضمنهما على أقسام تناهت في الصغر، حتى انعدمت. عنصران هما الأساس الأول والأخير لهذا العالم الذي نحيا فيه، والذي أتينا منه ونعود إليه. المادة من جهة والروح من جهة أخرى...كأنهما على طرفي نقيض. كلا، ليست الروح كل ما هو ليس مادة، وليست المادة كل ما هو ليس روحاً. ولقد أخطأ الذين وقفوا عند حد التفريق بين الروح والمادة، دون الإشارة إلى الروابط التي تربطهما الواحدة بالأخرى. فإذا كانت الروح والمادة العنصريين الأساسيين في الحياة، فليس من المعقول أن تكون أهمية الواحد أكثر بكثير من أهمية الآخر، بحيث ينعدم الآخر. إن المادة والروح عنصران أساسيان، وهما أيضاً في الحقيقة عنصر واحد، أو بالحري مظهر ذي وجهتين لوجود واحد. إن مثلاً شيئاً، فإنما يمثلان الوجود. ولن يتم الوجود بالواحد دون الآخر. إنهما الوجود نفسه كما ينظر إليه من ناحيتين: موضوعية وذاتية. الأولى تعبّر عن الناحية المادية، والثانية تعبّر عن الناحية الروحية. فهما إذن كصفحتي ورقة بيضاء. وليس باستطاعتنا، مهما بالغنا في الحذر والتفنن أن نفصل بين الصفحتين، وجودهما معاً يشكل الورقة كما وأن وجود المادة والروح معاً يشكل الوجود العام بشتى مظاهره.

 

وإن المدرحية- هذه المدرسة الفلسفية الجديدة، والتي خشي الكثيرون أن تكون نوعاً من المبهمات والمعميات، - هي النظرة الصائبة إلى الحياة والفن والكون، لأنها النظرة الوحيدة التي تعمل على الأساس الحياتي الوجودي الصحيح، ألا وهو، وحدة الوجود في اندماج المادة والروح، وكونهما مظهرين مختلفين شكلاً لشيء ثابت عام هو الوجود. إن المدرحية إذن هي النظرية الفلسفية التي تقول بأن الوجود سمو، وبأن الأساس الذي يرتكز عليه الوجود هو الجوهر الفرد الواحد العام، وأن لهذا الجوهر الفرد مظهرين يتخذهما هما المادة والروح، اللذان إذا أخذا من حيث هما عنصران فرديّان أمكن التكلم عنهما بالتجريد وفصلهما الواحد عن الآخر. أما حينما يدور الكلام عن الوجود من حيث هو وجود، فهما بالحقيقة شيء واحد. هما الوجود نفسه، وهما أساسه، وهما مظهراه الأساسيان. وإن المدرحية، أو الفلسفة المادية الروحية، لا ترتكز في ذلك على ما قاله الفلاسفة الأقدمون عن المادة و الروح منفصلتين أو مجموعتين. لأنها ليست بالحقيقة نوعاً من التركيب والتوفيق بين الآراء الفلسفية المختلفة. ولكنها نظرية جديدة كباقي النظريات الفلسفية، من حيث كونها نظرية، ولكن ليس من حيث كونها نظرية خاطئة، أو ناقصة. فالمدرحية هي الحل الوحيد، للمشاكل الإنسانية العامة كما سينجلي لنا ذلك في الصفحات القادمة.

 

الفلسفة المدرحية هي فلسفة عصرنا الحديث إنها الفلسفة التي تمثل حياتنا اليوم. وحياتنا كل يوم. لقد تعب العالم في التفتيش عن فلسفة يأخذ بها ولا يحتاج لتغيرها. فها هي فلسفته، لأن فيها عنصر التطور، إنها تتطور من تلقاء نفسها حسب التطور الاجتماعي العام دون أن يكون في ذلك سبب موجب لتغيير الأساس الذي يرتكز عليه الوجود الإنساني بشتى مظاهره. فهي ليست كغيرها من النظريات الفردية التي تأخذ بأفضلية عنصر على عنصر، فتقضي بذلك على التجانس الوجودي الذي هو ركن من أركان الوجود العام بشكله الطبيعي. إن النظرية التي تردّ الوجود إلى عنصر واحد خالٍ من صفات التمدد والتطور، أو إلى جوهر واحد لا يدور حوله من العناصر إلا ما يندمج معه، لنظرية خاطئة في الوجود، لأنها تقضي بذلك على حقيقته. إن المادية المسرفة في ماديتها تجعل من الروح شيئاً ليس غريباً عنها، بل منبثقاً منها. وهذا عين المحال لأنه لا يمكن أن يخرج من المادة شيء لا تستطيع المادة نفسها أن تتصوره. وكذلك عن الروح، أما الفلسفة المدرحية فتقول بأن جوهر الوجود واحد ناتج عن اتحاد المادة بالروح اتحاداً ضمنياً وجودياً بطريقة تجعل من المستحيل فصل الواحدة عن الأخرى. ليس باستطاعة الواحدة دون الأخرى أن نؤلف الوجود أو تسببه.

 

وما هما من حيث كينونتهما سوى مظهرين أساسيين من مظاهر الوجود. إنهما الوجود في حالتيه الذاتية والوضعيةالأولى تمثل الناحية الفكرية المدركة أي الروح، والأخرى تمثل الناحية غير الفكرية، أي المادة. والناحية الفكرية المدركة ذات قسمين مختلفين: الأول إيجابي والآخر سلبي. يضم القسم الأول منهما المجتمع الإنساني ويضم الآخر الوجود الحيواني والنباتي، والجوامد. وبهذا تقع جميع الموجودات تحت البابين الأولين، بحيث أنها تمثل بذاتها التركيب الذي ينشأ منه اتحاد الضدين- إنها الـ Synthéseالحاصل من اتحاد الـ Thése  التي هي الروح، بالـ Anthése التي هي المادة.

 

*

 

هذه بعض المبادئ العامة للفلسفة المدرحية، شرحتها كي يسهل علينا فيما بعد تداول هذه التعابير. أما الآن، فعلينا أن نقوم بمقابلتها بالنظريات الصراعية العامة كالرأسمالية والشيوعية والفاشستية، كيما نصل في النهاية إلى النتيجة التي نتوخاها من بحثنا هذا ألا وهي نظرتنا الثقافية من ضمن معطيات الفلسفة المدرحية.

 

تكلمنا قبلاً عن الصراع كأساس حياتي هام. ونعود الآن إلى ذلك فنقول أن الصراع، هو الصفة الملازمة للحياة أيًّا كانت ظواهرها. فالمسألة ليست مسألة إقرار وجود الصراع- فهذا أمر لا غبار عليه. ولكن الهام هو كيفية تفهم هذا الصراع. إن الفلسفة أو النظرة إلى الحياة التي لا تعترف بوجود هذا النوع من التطاحن الصامت في أكثر الآحايين، لنظرة فاسدة وفلسفة عقيمة. وقد يظن البعض أن الصراع هنا هو الحرب، وكأني بهم لا يعرفون نوعاً من الصراع سوى الصراع المسلح. إلا فلينظروا إلى الحياة كيفما شاؤوا، وليكونوا صريحين مع أنفسهم، وليقّروا ما يرون أو يشعرون به. أنهم لا شك واجدون أمراً واحداً، وهو أن الحياة في عمق أعماقها أن هي إلا حالة من الصراع دائمة، تتخذ لنفسها مظاهر عديدة، تتفرع من أساسين رئيسيين، هما المادة والروح. فالقوة، التي هي بحدّ ذاتها تعبير صارخ عن الصراع، تمتاز بكونها تمثل الصراع بنوعيه المادي والروحي، مع العلم أن الروابط بينهما واحدة- وذلك لأنهما مظهران مختلفان بالشكل فقط، من مظاهر الوجود الواحد. إن الذين لا يقرون الصراع أساساً حياتياً هم الذين تبخرت من نفوسهم العزة الإنسانية، وتعاموا عن حقيقة أنفسهم، ولكن التعامي عن الحقيقة لا يفيدهم شيئاً، لأن الحقيقة تقر نفسها بنفسها.

 

الصراع حقيقة ثابتة، برهن عن وجودها التاريخ نفسه، بشتى أدواره. وإن هي برزت للعيان يرماً ما بصورة واضحة، فهي الآن على أوضح ما تكون. وما هذه التطورات والانقلابات التي نسمع بها أخيراً إلا نتيجة لذلك الصراع الذي اتخذ شكلاً خاصاً وقوياً في عصرنا الحديث. فحتى أواخر عصر النهضة، أي ابتداء القرن السابع عشر، لم يكن الصراع قد برز إلى حيز الوجود بالطريقة التي نعهده بها اليوم. ولم يكن يومذاك يتعدى النظرة الكنسية للكنيسة الكاثوليكية ومناهضتها الكنيسة البروتستانتية. أما بعد الثورة الصناعية، أي منذ أواخر القرن الثامن عشر، حتى عصرنا هذا، فقد أخذ العالم يتجه اتجاهاً جديداً، أكثر توجيهاً، من اتجاهاته الأولى السالفة السابقة. والسبب في ذلك يعود إلى اختراع الآلة التي غيرت كثيراً من معالم الوجود الإنساني، وخاصة في مضمار الرقي الاجتماعي. ولن يغرب عن بالنا أيضاً ما للثورة الفرنسية من تأثير كبير على عالمنا الحاضر، فهي الحركة الوحيدة من نوعها في العصر الحديث التي فعلت في حياتنا السياسية والاجتماعية، ما فعلته الثورة الصناعية في حياتنا الصناعية، والاقتصادية. ومما لا ريب فيه أيضاً أن الحركتين قد قامتا لتحقيق هدف واحد، هو خلق مجتمع جديد، وعقلية جديدة. وبالفعل، هذا ما حدث بعد الثورة الفرنسية، فقد تغير نظام المجتمع، كما خلقت الثورة الصناعية مشكلة اقتصادية جديدة، دعت إلى نوع من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي.

 

ومن أهم ما ينتج عن ذلك المبادئ الصراعية الثلاثة، التي حاولت السيطرة على العالم. وها أننا نرى بأم أعيننا كيف أن واحداً منها قد فشل في فرض نفسه، وذلك لعدم صلاحيته للحياة الاجتماعية، والنظام الاجتماعي- أعني بذلك النظام الرأسمالي. وقد حاول المبدأ الثاني أن يفرض نفسه كما هو على حقيقته، ففشل في مهده، ولكن لم تزل فيه نفثات من الحياة، فركز نفسه من جديد، على مبادئ غير مبادئه بالضبط، وأصبح نوعاً من الرأسمالية الموجهة- ولكنه بالوقت عينه، غير مؤهل للحياة والنجاح، للخطأ الفادح الذي أسس عليه. فقد رفع من قدر المادة على حساب الروح، وتناسى أن الأساس الوجودي هو الجوهر الواحد الذي يظهر لنا أساساً بشكليه المادي والروحي. إن الشيوعية، التي هي مبدأ صراعي، غير مؤهلة للحياة، لأنها تنظر إلى الوجود نظرة خاطئة، تكمن في باطنها عوامل الفشل والانهيار. وجاء المبدأ الثالث- الذي هو الفاشيه، بشكليها المعروفين، محاولاً فرض نفسه. ولكنها وقعت في نفس الخطأ الذي أصاب الشيوعية، ولكن من الناحية الأخرى، إلا وهي رفع قدر الروح على حساب المادة، والتشديد على أهميتها لدرجة أن تخسر المادة قيمتها الوجودية، إن هذا النوع من الشطط الذي وقعت فيه هذه المبادئ، إن دل على شيء، فإنما على عدم اكتمال النضج الاجتماعي- في عصر لم يعرف معنى للبطء.

 

نعود الآن إلى شرح هذه المبادئ شرحاً سريعاً كيما نستطيع في النهاية مقابلتها بالنظرة المدرحية.

 

مما لا شك فيه أن الرأسمالية ابتدأت تعمل منذ أن بدأ التطور المدني في أوروبا الوسطى وحول شواطئ البحر السوري، خصيصاً في ايطاليا. وكان ذلك حوالي القرن السادس عشر. فباتساع المدن واكتشاف الطرق البحرية الجديدة، واكتشاف أميركا، اتسع نطاق التجارة، فقفزت المعاملات التجارية من درجة إلى درجة أعلى، أدت إلى كثرة الأرباح، وتدفق الأموال. وهذا بدوره، أخذ يقضي شيئاً فشيئاً على النظام الاقطاعي الذي كان قائماً في ذلك العصر. وظلت الحال كذلك ردحاً من الزمن حتى ابتدأ عصر الثورات في أوروبا. فأدت الثورتان الافرنسية والصناعية إلى اظهار قوة المذهب الرأسمالي، وتقويته. فأصبح بعد ذلك الحين النظام المسيطر على كل مصالح الأمم والدول. وغدا الناس عبيداً لهذا النظام ومساوئه. ومع العلم أنه أفاد كثيراً وشجع الصناعات والاقتصاديات، إلا أنه كان نظاماً فردياً، لا يضمن للمجموع الرفاهية المطلوبة. وإن حقق ذلك في مدة من الزمن، فذلك لأسباب عدة، أهمها عدم تشعب المجتمع. وعلى كل، فالنظام الرأسمالي نظام فردي، وهو أيضاً يقوم في النهاية على عدم احترام الشخصية الإنسانية، من حيث هي قيمة مناقبية. وهو أكثر الأنظمة الصراعية ميلاً للحرب، لأنه لا مناص لمصالحه من الالتجاء إلى القوة المادية الجوفاء، التي كثيراً ما تكون غير مبنية على نفسية روحية قوية.

 

وإذا ما نجح المذهب الرأسمالي مدة من الزمن، فذلك أولاً لعدم وجود مبدأ آخر غيره يناهضه بقوة، وثانياً لأن المجتمع الذي قبله في ذلك الحين وساعد على انتشاره كان مجتمعاً مفككاً لا يعي حقيقة نفسه. أما الآن وقد مضى قرنان على الثورتين الفرنسية والصناعية، فلم يعد بإمكان النظام الرأسمال المضي في سيرته الأولى. إن متطلبات هذا العصر غير موجودة في هذا النظام، ولذلك، فهو عندما يحاول أن يكيف نفسه حسبها، يكون ذلك مجرد تكيف لا يفي بالغرض المطلوب، لأن النظام الرأسمالي لا يحمل في نفسه روح عصرنا الحديث والعصور المقبلة. وهو لعدم توليته اهتمامه الخاص، كفلسفة حياتية، للوجود الإنساني، قد عجز عن مسايرة العالم في تطوره نخو الهدف الأسمى، إلا وهو المجتمع الجديد. لقد فشل النظام الرأسمالي في عدة محاولات قام يها، ولم تكن نتائجه حميدة قط- وذلك لأنه مبني على محبة الذات بطريقة أنانية قوية، تسبب في النهاية كره الآخرين- الأمر الذي يؤدي فيما بعد إلى تفكك المجتمع. وأكبر شاهد على ذلك ناحية هذا المذهب الاقتصادية.

*

 

إذا كان هنالك من مسبب للشيوعية، فهو في الدرجة الأولى الرأسمالية نفسها. إن الطريقة التي كان يعامل بها الرأسماليون طبقات الشعب الأخرى، والكره المنطوي عليه المبدأ نفسه، قد أديّا في النهاية إلى نوع من الكره المكبوت، الذي انفجر في النهاية بشكل حركة مناهضة للرأسمالية مهمتها القضاء عليها. وما هذا التشديد على حكم البروليتارية، وإقراره، والقضاء على الرأسمالية إلا مظهراً من مظاهر الحركة الجديدة. إننا نرى كيف أن الثورة الصناعية قد أثرت في المجتمع كثيراً بحيث أنها خلقت طبقة جديدة هي طبقة العمال، كما وأنها جعلت بعض المفكرين الاقتصاديين يفكرون باتجاه معاكس للإتجاه الرأسمالي، مع العلم أن الثورة الصناعية كانت حركة رأسمالية صرف. وكان هذا الاتجاه المعاكس هو الاتجاه الاشتراكي الذي قام يدعو له فلاسفة اقتصاديون فرنسيون، وانكليز وألمان. غير أن هذا النوع من النظام الجديد، لم يكن ليفكر يوماً بخلق نوع من الكره البغيض للمجتمع الآخر وكان يؤمن بأن الرأسمالية تحمل بذور هلاكها، وأن النظام الجديد سيخلفها حال زوالها. ولكن كانت هنالك فئة من الناس تدعو إلى كره الرأسماليين والقضاء عليهم بالقوة، ورفع البروليتارية مكانهم. وفي نظري أن السبب الأهم الذي أدى إلى هذا النوع من الكره للرأسمالية من قبل الشيوعية، سببه الرأسمالية نفسها، التي لم تعِ حقيقة واقعها، فراحت تخبط على هواها في مجتمع لم يعد باستطاعته تحمّلها. إن مبادئ الكره والحسد التي ينطوي عليها في أقصى درجاته المبدأ الرأسمالي، انتقلت بدورها إلى المذهب الشيوعي الذي صوبها إلى غريمه. ولهذا فإن المذهبين فاسدين من الناحية الاجتماعية لأنهما يسعيان، لا بل يعملان على التفرقة بين الطبقات. وبينما يجعل النظام الرأسمالي الولاء في النهاية للرأسمال أيًّا كان، يجعل النظام الشيوعي الولاء للطبقة- فتتحطم بذلك الروابط الاجتماعية التي تربط المجتمع بعضه ببعض. ويكون في ذلك نهاية المجتمع.

 

ولكن الشيوعية، وصنوها الاشتراكية، تخطئان أيضاً من الناحية الفلسفية. إذ إنهما تعتقدان أن الأساس الحياتي مادي، وأن الروح- وبمعنى أعم، الفكر- قد تفرعت عن المادة. إن هذا النوع من المغالاة في رفع قدر عنصر على آخر، يؤدي في النهاية إلى عدم التجانس، الأمر الذي قلنا عنه قبلاً أنه يسبب انهيار المجتمع. إن هذا الخطأ هو ما تسعى المدرحية إلى اصلاحه. فليس من الممكن أن يكون أساس الحياة الإنسانية الاقتصاد، في حين أن المسائل البيولوجية والفسيولوجية، مشتركة بيننا وبين الحيوانات والنباتات، مع ما بينها من فروق. إن الشيوعية فلسفة في النهاية مادية، وهي لكونها ذلك، لا تعترف بوجود الروح كعنصر آخر، أو حتى كعنصر مشترك، بل كمظهر من مظاهر المادة. وهذا خطأ فادح يؤدي في النهاية إلى اعتبار المجتمع الاقتصادي الهدف الذي نسعى إليهمع العلم أن النظرة إلى المجتمع من غير زاوية الفلسفة المدرحية، نظرة مخطئة. وذلك لعدم تطرقها لبحث نظريةالإنسان المجتمعوالإنسان من حيث هو إمكانية وفعالية.

 

إن الشيوعية من حيث هي فلسفة للحياة شاملة مخطئة لأنها تخطئ  فهم الحياة، ولا قيمة للحرية لديها، وهذا ما يجعلها، من حيث هي نظام اقتصادي، نظرة ناقصة، تتطلب دوماً فلسفة أخرى أعم منها لكي تشملها. إن الشيوعية ترتكز دائماً على القوة. وليس في ذلك خطر، ولكن متى كانت القوة قوة مادية فقط دون أن ترتكز على قوة معنوية أو نفسية، أصبحت خطراً، وأصبح ضررها شديداً- لأنها تعتبر الحق مظهراً من مظاهر القوة المادية فقط، دون أن تقر وجوده كحق.

 

ونأتي الآن إلى الفاشية، فنرى أنها فلسفة شبيهة جداً بالشيوعية من حيث كونها فلسفة متطرفة. فهي تعتبر الروح دون المادة، فتؤله الروح وتجعل من المادة شيئاً ذا صبغة دنيئة. تعتبر الفاشية بشكليها المعروفين أن الدولة أو العنصر، هو الشيء الذي يجب على كل إنسان أن يضحي بما عنده في سبيله. وهذا النوع من التأليه للدولة، أو الدولة العنصرية، يطيح بقيمة الإنسان، ويفقده حريته بالمعنى الذي نفهمه، ويجعل منه آلة مصطنعة لا قيمة لها. إنها تعطي القيمة كل القيمة إلى ما هو في طبيعته غير إنساني، بمعنى أنه غير مجتمعي. فالدولة، وإن كانت مظهراً من مظاهر المجتمع السياسية، لا تعدو كونها مظهراً. وهذا يعني أن هنالك شيئاً آخر غيرها، أهم منها وأشمل، ولكن الفاشية لا تعترف بذلك. بل تجعل من الدولة الهدف الأعلى، لا بل الوجود الوحيد الذي باستطاعة الإنسان أن يحيا فيه. أما المجتمع، بالمعنى الذي عرفناه نحن، أي وحدة سير الحياة، أو مجرى الحياة في بقعة معينة من الأرض، فلا قيمة له في نظر الفاشية. ومتى فقدَ المجمع قيمته، ضاعت الرابطة الوحيدة التي تربط أبناء الأمة بعضهم ببعض. وانزلقت الدولة في مزالق الطموح الجامح والشهوات الشرهة المنحرفة. كما كان الحال في ايطاليا وألمانيا. ولكننا في الوقت نفسه، نلمس ما كان من ازدهار ايطاليا وألمانيا على يد الفاشية. ولكن ذلك لم يكن ازدهاراً تاماً، لأنه لم يكن مؤسساً على فلسفة صحيحة.

 

إن في الفلسفة الفاشية فجوات لم يستطع أحد أن يملأها، وقد سببت كثيراً من المتاعب للذين آمنوا بها. لأنها إذا كانت صالحة من جهة واحدة أو أكثر، فهي لم تكن كذلك من كل الوجوه. أهمية الفلسفة أن تكون شاملة لا تفوتها شاردة أو واردة. وإلا فما نفع نظرة إلى الحياة تتحطم عند أول ما تصادفه من عراقيل؟

 

ليس باستطاعة أحد القول أن النازية مثلاً لم تكن فلسفة عامة. فإن المطلعين عليها يدركون ما كان لها من شمول. إلا أنه لم يكن شمولاً تاماً لأنه شمول قام على الاعتراف بمبدأ وحيد الطرف. إذ أنها في النهاية وقفت عاجزة عن دعم نفسها وتحطيم أعدائها. وذلك لأن سلاحها كان ضعيفاً- ولا أعني هنا السلاح الحربي- بل السلاح الفلسفي. إن المبدأ النازي كان مبدأ مبنياً على تأليه الدولة العنصرية وعلى جعل القصد أو الطمع الروحي نقطة انطلاق في كل عمل- فهي بذلك تمثل ناحية واحدة من الوجود الإنساني، أي الناحية الروحية في مذهب أعمى أو أعور وبقدر ما كانت ترفع من قدر الروح وتؤلهها، كانت تحط من قدر المادة حتى أنها لم تعد تعتبرها. وهذا ما أدّى في النهاية إلى إخفاق الفلسفة كفلسفة، لأنها لم تجار النظام الوجودي العام، ولم تفهم الوجود على حقيقته. وإن في تأليه العنصر، ضرراً كبيراً على الدولة نفسها، إذ أنه يمنحها من الناحية البسيكولوجية، نوعاً من الغرور الذي يزيد من الطموح الموجود عادة عند كل إنسان، فيجعل منها مدعاة الكره من قبل أعدائها. وهنا نرى أن الفلسفة النازية والفاشية قد وقعت في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الرأسمالية والشيوعية، إذ أنها في النهاية قد سببت نوعاً من البغض المكبوت عند أعدائها، الأمر الذي أدى دوماً إلى نقل الصراع من مظهره الروحي إلى مظهره المادي الصرف- أي إلى الحرب. وإذا ما اعترفنا مع بعض المفكرين أنه لا تقوم قائمة لأي مجتمع إذا فقد عاطفة المحبة والولاء. رأينا أن الفلسفات التي تنطوي على البغض والكره، تحمل في نفسها ميكروبات خيبتها. إن الولاء للمجتمع هو الأساس الذي يضمن سير الحياة وازدهار الأمم. ولا يكون الولاء مبنياً على البغض، كما وأن الكره المسبب من اختلاف عنصري، ولم يزل السبب الأول في زج الشعوب في معارك حامية كثيراً ما تؤدي بنخبة رجالها فتسبب لها الاضمحلال والفناء.

 

إننا نرى مما تقدم أن الرأسمالية والشيوعية والفاشية بنوعيها، مع العلم أنها نظريات صراعية خاضعة من الناحية البسيكولوجية، لاعتبارات تمثل الناحية غير الإنسانية. وأنها تحمل في نفسها عوامل فشلها لأنها تؤدي في النهاية إلى نوع من الفردية المتطرفة، أو الإجتماعية المتطرفة غير الخاضعة لقانون الإجتماع الإنساني، وهذا ما يسبب انهيار الشعوب.

 

إن الفلسفة المدرحية نظرية صراعية، ولكنها تختلف عن غيرها من النظريات في أنها تعتبر المجتمع أساساً للوجود وليس الفرد أو الدولة أو العنصر. وهدفها هو المجتمع الذي تضمحل فيه جميع الفرديات الخصوصية ويسود فيه الولاء للأمة والمجتمع. أنها كنظرية صراعية تعتبر أساس الوجود في اتحاد المادة والروح ذلك الاتحاد الذي لا يقوى أحد على فصم عراه- الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى اعتبار أن كل ما في الوجود ناتج عن هذا المطلق العام. ليس في المدرحية بغض لأنها ليست عنصرية، في اثنولوجيتها، ولا فردية في اجتماعيتها، ولا طبقية في اقتصاديتها. وإن الصراع الذي تعتبره المدرحية أساس التطور الإنساني، هو ذلك الصراع الصامت الخفي الذي نقل الإنسان من أطواره الابتدائية إلى حالته الحاضرة، والذي لا يتخذ مظهره الحربي إلا وفقاً لما يرادفه من حوادث ويحوط به من مقادير. ولا تتهرب المدرحية من الحرب، لأنها تعتبرها صراعاً. فالحقيقة أن حياة الإنسان منذ بدء وجوده في حالة حرب، تارة مسلحة دامية وطوراً غير مسلحة. وإن الذين يخافون الحرب ويدعون أنفسهم مسالمين لأشخاص غاب عن فكرهم ما قاله حضرة الزعيم الجليل في مقال له سنة 1933 وهوأن أعظم درس ألقته الحرب العظمى على العالم هو درس القوة، فحتى تتعلم الأمم مبادئ الأخاء الإنساني ويحل التعاون لبلوغ الغرض الجامع محل التنازع على الفائدة المتطرفة تظل القوة أفعل عامل في إحقاق الحق وإزهاق الباطل. وأن الأمم التي لها حق في الحياة هي التي تستطيع اثبات هذا الحق”.

 

إن هذه القوة التي يتكلم عنها الزعيم هي قوتان: مادية وروحية. وإذا ما أهملنا إحداهما، سببنا هلاك الثانية. وهذا ما فعلته بالضبط المبادئ الشيوعية والفاشية، التي ركزت قواها  على إحدى هاتين القوتين دون الأخرى.

 

إن في الصراع المسلح أكبر برهان على اتحاد هاتين القوتين. فمهما كان الجيش مجهزاً بالأسلحة والأعتدة، فإنه لا يستطيع الثبات والانتصار إذا ما خانته عزيمته وضعفت معنوياته. ولهذا فإننا نرى أن الجيش الذي يمثل في الصراع الناحية المادية الصرف، يحتاج فيما يحتاج إليه من أعتدة ولوازم، إلى معنوية، إلى روحية جبارة، تمكنه من خوض غمار الحرب والانتصار في النهاية. وكثيراً ما غلبت فئة قليلة فئة كبيرة وذلك بقوة إيمانها، وصدق عزيمتها. وهنالك أمثلة عديدة تاريخية ومعاصرة ترينا ما للمعنويات من تأثير في قوة الجيش، أو أي منظمة أخرى. ولنا في حزبنا المظفر أكبر مثل على الروحية الجبارة والنظامية البديعة، التي إذا ساندتها قوة مادية متينة، غدت قوة بالمعنى الصحيح، قادرة على سحق أعدائها وإثبات حقها في الحياة.

 

لا تقوم قائمة لنظام، مهما بولغ في إبداعه، إذا لم يكن قائماً على دعامة قوية مادية وروحية. ومهما بالغت الشيوعية أو الفاشية في الاتكال  على واحدة دون الأخرى، نرَ أنهما لا تستطيعان عمل شيء دون اللجوء إلى القوة الأخرى ولو قليلاً - دون أن تجعلا أساس نظامهما وفلسفتهما النظرية المدرحية. وهذا برأينا بالطبع ضعف هذه الفلسفات، وعدم تمكنها من تحقيق نفسها دون اللجوء لغيرها.

 

يعتقد البعض أن المدرحية ليست سوى نوع جديد من المادية. وهذا بالطبع خطأ يفضح مدى اطلاعهم على الفلسفة وفهمهم لنظرياتها. إن المدرحية فلسفة واقعية غير غيبية. تعتبر الوجود  أمراً واقعاً، ولهذا لا تحتاج إلى فرض أشياء خارج عن نطاق ذلك. وإن مثاليتها في أنها ترى واقعها كما هو وتعمل على تحسينه كواقع، دون الخروج به من دائرة الموجودات إلى دائرة الماهيات. المدرحية تنظر إلى الكون والعالم بأجمعه فترى أنه شيء موجود. وكشيء موجود، فإنها لا تحاول إثبات وجوده، بل البدء من وجوده في سبيل تبيان الحقائق الثابتة فيه. وقد ظن البعض أنه بما أن المدرحية تنظر إلى الوجود وتعتبره واقعاً، وتبتدئ منه دون اللجوء إلى أقرار مسببات الوجود، فالمدرحية إذن فلسفة تعتبر المادة أساساً لها، فهي بذلك فلسفة مادية. وفي هذا التعليل خطآن فلسفيان: أولاً: يقول هؤلاءإن المدرحية تبتدئ من الوجود دون اللجوء إلى تقرير مسببات الوجود”- الخطأ هنا أن المدرحية ليست نظرية في المعرفة فحسب، بل نظرية ميتافيزيائية لها مقولاتها الخاصة. وقد شرحنا سابقاً كيف أن المدرحية نظرية تقول بأن أساس الوجود ناتج عن اتحاد عنصرين هما المادة والورح بطريقة يستحيل معها فصلهما، وأن الوجود المسبّب من هذا الاتحاد هو نفسه مسبّب هذا الاتحاد. وهذا الاتحاد السبب الأول الذي لا سبب قبله، والذي منه تبتدئ سلسلة العلة والمعلول.ثانياً: إن الواقعية شيء والمادية شيء آخر، فإذا اكنت المدرحية واقعية، فلا يعني ذلك أنها مادية، أنها واقعية بحيث أنها ترى العالم على حقيقته، متمثلاً في اتحاد المادة والروح. فهي ليست مادية أو روحية، بل مدرحية. واقعيتها في أنها مدرحية. وحتى هذا لا يعني قط أن الواقعية والمدرحية شيء واحد، إذا كان مدلول الواقعية منبثقاً من غير الأساس القائمة عليه المدرحية.

 

فالمدرحية إذن هي غير المادية، إنها فلسفة قائمة بنفسها، تستمد نظراتها من مطلقاتها التي تمثل في نفسها كل الخير، والجمال، والحق، في الحرية والواجب والنظام والقوة.

 

*

 

نأتي الآن لبحث ناحية خاصة في الفلسفة المدرحية، والتي تعتبر بحق إحدى القواعد الأساسية التي ترتكز إليها الفلسفة المدرحية. وهذه الناحية هي الناحية الصراعية، فالصراع، الذي قلنا عنه قبلاً أنه ينبثق من طبيعة الحياة الإنسانية نفسها، والطبيعة الإنسانية، هي الظل الملازم للفلسفة المدرحية. فإن هذه النظرة إلى الحياة تعتبر أن التطور الإنساني ليس إلا نتيجة صراع صامت طويل بين الإنسان والطبيعة، أو الإنسان وأخيه الإنسان. وأن النتيجة التي تحصل من هذا الصراع هي بلا شك ما ندعوه الحضارة.

 

بالحقيقة، ليس هنالك شيء أكثرطبيعيةمن الصراع نفسه. ولا نكتفي هنا بالأمثلة الإنسانية على ذلك، بل هنالك الأمثلة الطبيعية التي تتكرر أمام ناظرينا كل يوم. والتي تدل على مدى ما لهذه الظاهرة الحياتية من تأثير حتى في الجماد. وليس من الضروري أن يكون الصراع صراعاً مسلحاً كما قد يظن البعض فالحياة ليست جماداَ يتحرك دون أن ندري السبب في ذلك. الحقيقة أن الصراع كثيراً ما يتخذ مظهراً صامتاً خفياً. وإذا انقلب صراعاً مسلحاً، فذلك لأن المسببات كانت ضرورية، بحيث أن سير الحياة يتوقف بدونها. الصراع إذن ضرورة وجودية للحياة، وحالة وجودية من حالات الحياة الإنسانية التامة والوجود الإنساني العام.

 

*

 

كان القرن الثامن عشر من الوجهة السياسية، قرن حروب وثورات وانقلابات هائلة، أدّت إلى تغير خارطة العالم عامة، وأوروبا خاصة، عدة مرات. وكان كل ذلك ناتجاً عن حالة واحدة، يحاول البعض أن يسموها بغير اسمها، فيقولون، أنها من تأثير جشع أمة من الأمم، أو إرادة أمة في التوسع على حساب الأمم الأخرى العاملة على إبقاء السلام. إن هذا النوع من المغالطة الذي يوقع البعض أنفسهم فيه، ناتج عن كونهم أشخاصاً لا يريدون أن يجاهروا بما يرونه حقيقة، أو بما يعرفونه من حقائق. يتكلمون عن السلام كأمنية للعالم أجمع- ولا أظن أن هنالك أحداً، مهما كان عدائياً، يرفض التسليم بصحة هذا الشيء، وقيمته. ولكنهم في الوقت نفسه، لا يريدون الاعتراف بما هو الحال تماماً، إما لغرض في نفسهم ناتج عن كونهم مواطني دول عظمى، تملك مقدرات العالم، أو لضعف في شخصياتهم، بحيث لا يعتقدون بقيمة مجتمعاتهم وقوتها، وإمكانياتها الغنية، التي لو فسح لها المجال لتعمل، لأتت بأبدع النتائج، فإذا كانوا من الفئة الأولى، فهم مراؤون إذن. لأنهم يحاولون بذلك استمالة أعدائهم إليهم، وعدم تحريك العناصر الشعبية والموجات القومية في البلاد التي يحكمونها ويبسطون نفوذهم عليها. وإذا كانوا من الفئة الأخرى، فهم إذن قوم لا يحق له التكلم عن السلام والعدالة، لأنهم لا يؤمنون بمجتمعاتهم ولأن هذه القيم نفسها قيم مجتمعية، لا تحقق إلا في المجتمعات القوية الراقية. وبين هؤلاء وأولئك يجري تيار الحياة الحيّة والغنية دون أن يعوقه سائر، أو يؤثر فيه نقيق الأقوام التي قتل الذل في نفسها كل كبرياء. وفي وسط هذا التيار الحياتي العام، يقف، الصراع، منتصباً لينبئ الجميع، بأنه أساس الحياة، وأن الركود لا يعني إلا الموت.

 

ولقد فهم كثيرون هذا المبدأ، فساد العالم الغربي، وخاصة أوروبا. ففي القرن التاسع عشر، شعر الساسة بقوة الواقع، وآمنوا من جديد، بأن الأعمال السياسية لا تسير بطريقة رومانطيقية. وإنه إذا صح أن تكون الرومانطيقية مدرسته في الأدب، فلا يصح أن تكون في الفلسفة السياسية، والحياة الاجتماعية، حيث يتجلى الصراع في أجلى مظاهره. ولهذا لم يكونوا مثاليين بحيث يهربون من الواقع. ولكن مثاليتهم تجلت في أنهم فهموا واقعهم وعملوا على محو مساوئه، هذه هي المثالية الصحيحة في السياسة.

 

ونظرة واحدة إلى تاريخ هذه الحقية من الزمن، تكفي لكي تطلعنا على مبلغ قوة النظرية الصراعية في الحياة الاجتماعية. ولقد اعترف جميع الساسة تقريباً وأكثر الفلاسفة السياسيين وغيرهم بصحة هذه النظرة، ولكنهم رأوا في الوقت نفسه أن لا يجعلوا من الصراع صراعاً عادياً. ولهذا فإننا نرى كيف أن الدبلوماسية التي هي طريقة لحلّ بعض الأمور الأنترنسيونية، كانت الوسيلة التي لجأ إليها الساسة الأوروبيون في حل مشاكلهم الإنترنسيونية. وإذا فشلت الدبلوماسية، والصراع السياسي الصامت، كانوا يلجأون إلى الحرب. وكانت هذه سنّة الإنسان منذ العهود الأولى. فالفكر الإنساني لم يكن متحجراً لدرجة أنه لا يسمح بمحاولة سلمية لحل مشكلة ما، فكانت الطريقة، إذن أن يسعى المتخلفون إلى حل مشاكلهم عن طريق المفاوضة، وإذا فشلوا لم يبق أمامهم إلا الحرب، وعلى كل فهاتان الوسيلتان هما مظهران من مظاهر الصراع الحياتي العام.

 

ليست المسألة، إذن مسألة وهم شخصي، أو إرادة اعتباطية في تسمية الأشياء بغير أسمائها. المسألة مسألة اعتراف بحقيقة الواقع، الذي إذا لم يُفهم أدى إلى تشويش عام قد يسبب انهيار المجتمع، وتشتت الأمة، وليس أضرّ من نفي وجود إمرٍ، كالصراع مثلاً، مع العلم بوجوده. وأن الأشخاص الذين يهمهم أمر بلادهم ومصير مجتمعهم لا شك سيقولون معي بأهمية الصراع، وسيعترفون بأن لا سبيل إلى الحياة الصحيحة إلا بالاعتراف بالأسس التي ترتكز إليها هذه الحياة.

 

من الأمور التي أدت إلى تفسخ مجتمعنا وابتعادنا عن قافلة الحضارة، هو فقداننا الوعي الكامل لمقدراتنا ولحقيقتنا. وأن نهضتنا التي قامت على أسس استمدتها من نفسيتنا الخاصة، تدلّ فيما تدل عليه، على وعي هذه الأمة لمقدراتها..وفي الحقيقة أن نهضتنا تعني ذلك بالذات، أي أنها تمثل وعي المجتمع السوري لحقيقته الخالدة وللرسالة التي عليه تأديتها، والتي تتمثل فيما قام به من عظيم الأعمال الحضارية في الأزمنة الفائتة وفيما سيقوم به في المستقبل القريب. وأن أمة، كأمتنا، ترى الحياة بوجهها السافر، وعلى حقيقتها، تعي نفسها، وتفهم واقعها، لأمة لم يكتب لها إلا الحياة، والحياة الخيرة والحقة وسيعود ذلك اليوم، وسيكون قريباً، عندما تبدأ الأمة السورية من جديد، إلى خط تاريخها بأحرف يتربع عليها المجد، وإلى السير، في الفئة الأمامية الأولى بين الأمم الحضارية، وتحت أكاليل المجد والانتصار إلى حيث ينتهي التاريخ..

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro