مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
ذكرى الوطن والأهل «شعر منثور»
 
 
 
الـمجلة،سان باولو،السنة 9، الـجزء 2، 1923/3/1
 

 

سلام على الوطن الـحي إذا كان الوطن حياً

 

سلام على الوطن الـميت إذا كان الوطن ميتاً

 

سلام على الأهل أحياءً

 

سلام على الأهل أمواتاً

 

سلام على ربوع أبصرْتُ فيها نور الـحياة للمرة الأولى

 

ربوع في ظلال خمائلها نـَمَوْت وتـحت سمائها ترعرعت

 

ربوع تشرّبَتْ نفسي أنفاسها فأحببتها من كل قلبي ومن كل جوارحي

 

ربوع فارقتها مفارقاً فيها آمالاً هي شطر من نفسي وقسم من حياتي

 

ربوع تركْتُ بين هضباتها وأوديتها دمعات وابتسامات وتركَتْ بقلبي غصّات أليمات

 

سـلام امـتزجت عبـاراته بالعَبـَرات وتـمازجت ألفاظه بالزفرات ترجعه النفس مع تـموجات النسيم تأوهات وتصعّده الروح بيـن طيات الأثير تنهدات

وهل تخبىء الغربة للغريب غير غصّات الذكرى وأنّات الـحنين؟

 

ولكن هل كل بعيد عن وطنه غريب؟ وهل كل غريب مشتاق؟

 

يستوطن الناس غريب الأوطان وليس لي إلا وطن ويذيب الناس هوى الـحسان ويذيبني حب الوطن

 

تلك الـمعاهد ألا تزال زاهية؟

 

تلك الـخمائل ألا تزال شامخة؟

 

تلك الرياض ألا تزال زاهرة؟

 

تلك الـمنازل ألا تزال عامرة؟

 

تلك الـمياه ألا تزال جارية؟

 

تلك الـمناهل ألا تزال متدفقة؟

 

تلك الأنهر ألا تزال متفجرة؟

 

والأهل ... هل لا يزالون في النعيم رافليـن أم خانهم القدر وبرتهم الغصّات فأصبحوا بالـمذلة متسربليـن وفي القبور الـمظلمة الرهيبة ثاوين؟

 

ماتوا! ماتوا جاثين على ركبهم يضرعون إلى الموت بقلوب حارة ليخلصهم من الـحياة!

 

ماتوا بعد أن أماتهم الشقاء مرات

 

ماتوا وقلوبهم سوداء كالفحم وألسنتهم جافة كالـحطب

 

ذووا وسقطوا كثمر قبل أوانه وكأوراق الـخريف ارتعشوا واندثروا

 

قضوا وفي نفوسهم من جور الإنسان على الإنسان ما حارت فيه العقول وعجزت عن إدراكه الأذهان

 

ذهبوا! ذهبوا من شيوخ وعجائز وفتيان وعذارى

 

كلهم طاهر وكلهم بريء

 

لم يرتكبوا سوءاً ولم يتحدثوا بالشر

 

ذهبوا حامليـن من الدنيا آلاماً وأوجاعاً

 

ذهبوا تاركيـن آمالاً وتأملات

 

رقدوا وضمتهم أرض الوطن، الذي أحبوه حتى الموت، إلى أحشائها فليرقدوا بسلام

 

تلك مأساة تاريخية مثّل فيها الـجَور دوره أيـّما تـمثيل

 

تلك فاجعة مجانية لوجه الله تعالى وإنّ من الأمور الـمجانية في العالم فاجعات مؤلـمات

 

أجل يا أخي هكذا شاء القدر، وهكذا كان ولم يبقَ لنا من آثار تلك الـمأساة غير قبور صامتة يحرسها الـموت الرهيب، وتظللها رهبة الأبدية، فمن أين للبشر أن يزيلوا قناع الـموت عن أسرار القبور؟

 

لو أتيح لك الوقوف على تلك الأسرار لفقهت حينئذٍ كيف يكون شقاء الأوطان وجور الإنسان على الإنسان

 

القبور صامتة لا تتكلم ولكن الآثار تدل على الشقاء الذي قاساه الأهل في الـحياة فاذهب يا أخي إلى الآثار

 

إلى الـمنازل الـمتهدمة والبيوت الـخاوية

 

سائل الأطمار البالية وسائر البقايا الباقية وهي تُطلِعك على بعض الـحقيقة الـجارحة

 

أما أنا وأنت يا أخي فقد تركنا الوطن، وهجرنا الأهل وضربنا في مجاهل الأرض كل مضرب على أمل أن نعمل على إعلاء الوطن وإحياء الأهل

 

سِرْنا وجددنا في السير بعد أن ملأنا صدور الأهل آمالاً، وكان حب الوطن يزيدنا نشاطاً ومحبة الأهل تزيدنا قوة

 

سِرْنا ورابطة الوطنية تـجمع بيننا، وروح الأخوّة توحّد مساعينا، فما بالي الآن أرى أنّ الغربة تضع بيني وبينك حاجزاً صلباً فلا أنت معي ولا أنا معك لا تشعر بـما بي ولا أشعر بـما بك

 

سرت أنا وكنت التفت إلى الوراء حيث تركت قوماً هم لـحم من لـحمي ودم من دمي أما أنت فسرت ولم تعد تلتفت كأنه لم يعد هنالك ما يهمك الالتفات إليه

ذلَّ الوطن ومات الأهل وأنت لا تزال مجدّاً في سيرك لا تلتفت إلى الوراء فهل يا ترى انقلبت الـمحبة التي في قلبك إلى بغض أم تغيّرت غاياتك من الوطنية إلى الأنانية ولم تعد تبالي بالوطن وأهله

 

إذا كان الأمر كذلك فاذهب في سبيلك وسر في أنانيتك، فخلاص الوطن يأتي على غير يدك، أما أنا فأذهب في سبيلي وأسير في وطنيتي وأدير وجهي نحو الوطن الذي يحتاجني وأحتاجه

 

وكما نادى حزقيال [37:9] الرياح الأربع لتأتي وتكسو العظام الـجافة عصباً ولـحماً كذلك أدعوها لتكسو عظام بني قومي الرميم وكما تـحركت تلك العظام، واكتست لـحماً وعصباً وانتصب الـميت على قدميه رجلاً حياً، كذلك سوف تتحرك عظام وطني وتكتسي لـحماً وعصباً، فينتصب على قدميه ويقف بين الأوطان الـحية

 

بيد أنني إذا كنت قد طلبت منك مرة ومرات أن تضع يدك في يدي فذلك ليس لأجلي، بل لأجلك أنت ولأجل الوطن والبقية الباقية من الأهل التي لا تزال تتبعنا بنواظرها من وراء البحار منتظرة منا فرجاً

 

إذهب في سبيلك ودعني أذهب في سبيلي، فالوطن ينتظرني والأهل يترقبونني،

 

إذهب ولا تعد إليَّ إلا وقد غيّرت ما بنفسك

 

أما أنا فثابت في محبتي لوطني، ومقيم على عهدي لأهلي أحياءً كانوا أم أمواتاً إلى النهاية.

 

                                                                                     أنطون سعاده

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro