مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
ملحق رقم 10 لواء الإسكندرونة للدكتور عبد الرحمن شهبندر
 
 
 
مجلة المقتطف عدد مارس/آذار 1937
 

(خليج الإسكندرونة) هو الخليج الوحيد على الساحل السوري ذو القيمة الاقتصادية والحربية البارزة، ويبلغ طوله نحو ستين كيلومتراً وعرضه دون الأربعين وعمقه 37 متراً، والمسافة بينه وبين مدينة الإسكندرونة وبين مدينة جرابلس على نهر الفرات لا تتجاوز مائة ميل في حين أن المسافة بين بيروت وبين مدينة (أبو كمال) على الفرات أيضاًتربي على ثلاثمائة وخمسين ميلاً وهذا يدلنا على ما لهذا الخليج من الشأن الإقتصادي في مستقبل الأيام بالنظر إلى أنه يحوي الميناء الطبيعي على البحر الأبيض المتوسط ليس لشمال سورية فقط بل له وللقسم الشمالي من العراق أيضاً. وأن نظرة واحدة على المصور الجغرافي تقنع المرء بأن هذا الخليج هو الملجأ الطبيعي للأساطيل يحميها من عواصف البحر وأخطار الغواصات ويزوّدها بمعظم ما تحتاج إليه.

 

(لواء الإسكندرونة): يتألف لواء الإسكندرونة من الأقضية الثلاثة الآتية (1) الإسكندرونة (2) قرق خان (3) أنطاكية. ويهمني أن أوجه نظركم إلى أن الكتب والإحصائيات التي وضعت قبل هذه الأزمة وما فيها من أغراض في التحريف والتبديل ومخالفة الواقع نصت على أن الترك في اللواء هم أكثرية. فقد جاء «في الجولة الأثرية» للأستاذ وصفي زكريا ص 56 وقد طبعت سنة 1934 أن الترك مع التركمان يؤلفون من خمسة وثلاثين إلى أربعين في المائة من مجموع السكان، وفي الإحصاء الرسمي الذي صدر في حلب سنة 1932 كان عدد السكان في اللواء كما يأتي بالتقريب 20000 من العرب السنيين و55000 من العرب النصيرية و25000 من العرب المسيحيين و440 من اليهود و13550 من الأرمن و2000 من الكرد و1000 من الشركس و70000 من الترك. وجاء في الملحق رقم 3 من البيان الذي أصدرته أخيراً لجنة الدفاع عن الإسكندرونة أن مجموع عدد السكان في اللواء 219.080 منهم 58.242 من الترك و103.110 من العرب و24.911 من الأرمن و5817 من سائر العناصر فيكون الترك بنسبة 38.90 في المائة والعرب 57.07 والأرمن 11.37 وسائر العناصر 2.66.

 

وقد طبّقت السلطة الفرنسية على هذا اللواء المعاهدة التي عقدتها مع الترك في اليوم العشرين من أكتوبر- تشرين الأول- سنة 1921 وهي معاهدة أنقرة فكان مستقلاًّ في معارفه وزراعته وأشغاله العامة وكان المتصرف فيه مربوطاً بمندوب المفوض السامي وكانت اللغات الرسمية فيه العربية والتركية والفرنسية. ومما هو حري بالتدوين أن الدولة المنتدبة غيّرت في حدوده الجغرافية وتقاسيمه السياسية بالنسبة إلى منطقة حلب تغييراً يضم إليه أكبر عدد من الترك ممكن ويخرج منه أكبر عدد من العرب ومع ذلك فقد أتت النسبة المئوية كما تقدم، وفي (الجولة الأثرية) أن النصيرية يقطنون في الإسكندرونة والساحل الممتد منها إلى بليدة عرسوس وفي نفس أنطاكية والجبال الممتدة منها غرباً نحو ميناء السويدية، ويقطن الأرمن في جبل موسى وأعضاده الممتدة حتى ساحل البحر وفي ناحية كسب وفي بليدة قرق خان، ويقطن الشركس في قرى حران والريحانية وهم من سهل العمق ويقطن الترك وكذلك التركمان- وهم الذين نزلوا تلك الأنحاء في زمن الدولتين النورية والصلاحية- في جبل اللكام وأعضاده الممتدة شمال الإسكندرونة وشرقها وفي بعض سهل العمق وفي الجبل الأحمر وأعضاده الممتدة إلى جنوب عرسوس وكسريك ويقطن الكرد في حرة اللجة شمال السهل المذكور.

 

ووجد أن الأمية في لواء الإسكندرونة 51 في المائة بينما في لبنان 43 وفي دمشق 55 وفي حلب 63 وربما استفادت هذه المنطقة من نهر العاصي فائدة كلية من مائه لأجل الري ومن قوته لأجل تحريك الآلات وتوليد الكهربائية. فقد وجد أن تفريغه الأدنى بالقرب من أنطاكية في سنة 1932 ثلاثين متراً مكعباً في الثانية في حين لا يتجاوز هذا التفريغ في نهر بردى أكثر من أربعة أمتار، ووجد أنه ينحدر انحداراً كليًّا بالقرب من أنطاكية قد يزوّد البلاد بقوة تبلغ ألوف الأحصنة، ويوجد معدن الكروم في الإسكندرونة والذهب بمقادير ضئيلة في مسيل نهر بالقرب من أنطاكية، والنحاس بمقادير قليلة وفلز المنغنيز الجيد في جبل اللكام أو أمانوس.

 

الشهادة بسوريّة هذا اللواء قبل أن يخلق قضية الإختلاف عليه بين الترك والعرب: قال نابليون أن الصخور التي تفصل الشام من الشمال عن آسيا الصغرى ليس لها مثيل في التخوم الطبيعية، وقال شيخ الربوة وهو من علماء القرون الوسطى حد الشام من ملطية إلى العريش وعرضه الأعرض من منبج إلى طرطوس. وعدّ ياقوت الحموي من الشام الثغور وهي المصيصة وطرسوس وآذنه (أضنة) وجميع العواصم من مرعش والحدث وغير ذلك. وقال ابن حوفل المتوفى في القرن الرابع للهجرة في كتابه (المسالك والممالك) «أن أنطاكية أنزه بلد الشام بعد دمشق» وجاء في المعلمة البريطانية في طبعتها التاسعة «أن الإسكندرونة تقع على أقصى الساحل السوري الشمالي حيث يؤلف هذا الساحل مع ساحل آسيا الصغرى أو الأناضول زاوية...وهذه المدينة هي ميناء حلب وتكون بطبيعة الحال ميناء سكة حديد تمتد على نهر الفرات»،. وجاء في دائرة المعارف الإسلامية «أن الإسكندرونة أو اسكندرونة العرب –كما جاء في مخطوطات الأصطخري وابن حوقل- هي ميناء حلب على البحر الأبيض المتوسط وأنها كانت في عهد العرب تابعة لجند قنسرين- حلب (أي منطقتهما الحربية بحسب تقاسيم تلك الأيام العسكرية) وأنها هجرت في زمن أبي الفداء ولكنها استعادت بعد ذلك شأنها باعتبارها ميناء لمدينة حلب التي كانت آخذة في الإنتعاش». وقال أستاذنا المرحوم هارفي بورتر أن سورية يحدها شمالاً آسيا الصغرى. وقال (بيدكر) أن حد الشام من طوروس إلى مصر، وجعل (اليزه ركلو) العالم الفرنسي الجغرافي المشهور حد الشام من جبال اللكام إلى طورسينا. وقال (فيتال غينه) أن الفرمانات السلطانية والوثائق الرسمية على عهد الدولة العثمانية كانت تسمى البلاد التي تحدها جبال طورس شمالاً وصحراء سيناء جنوباً «عربستان» أو بلاد العرب. وجاء في بيان لجنة الدفاع عن الإسكندرونة أن صديقنا العلامة المرحوم الأستاذ هوجارت عميد جامعة أكسفورد قال «إذا أخذنا سورية كقطر يحده البحر وصحراء الحماد وجبال طورس وصحراء سيناء تكوّن لدينا منبسط جغرافي متناسق بحدود طبيعية صريحة وهي وحدة في مظهرها الخارجي...وأن مكانة الإسكندرونة ناشئة عن علاقتها مع ممر بيلان، وهو باب  سورية في عهد التواريخ- الذي هو عبارة عن مدخل هين إلى سهول سورية الشمالية التي كانت أنطاكية وحلب عاصمة لها منذ القدم وكذلك فإن الإسكندرونة هي المرفأ المهم لسورية الشمالية...وأن الخصائص الجغرافية التي تتمتع بها أنطاكية تجعل منها عاصمة سورية فإليها يتجه الطريقان المباشران من البحر الأبيض المتوسط إلى الداخل إلخ».

 

(الشعوب السامية ولواء الإسكندرونة): ذكر المؤرخان اليونانيان (هيرودتس) و(زينوفون) أن (ميرياندروس) وهي مدينة كانت قريبة من الإسكندرونة كان يقطنها فريق من الفينيقيين أبناء عم العرب، وجاء في كتاب «مجمل التاريخ» للأستاذ (كوك) أن السلالة السامية- وهي تشمل الأرمن والبابليين والآشوريين والعرب والفينيقيين والعبرانيين والموآبيين تسكن المنطقة التي تحدها فيما يحدها من الشمال جبال طوروس. وفي بيان لجنة الدفاع عن الإسكندرونة أن مباحث علم أصل البشر التي قامت بها مخابر الجامعة الأميركية في بيروت والتي أجريت في أمستردام وأكسفورد دلّت على أن سكان الجبال في مناطق الإسكندرونة وأنطاكية لا يختلفون في شيء عن سكان جبال سورية ولبنان وبلاد العرب الجنوبية، ولدينا نص تاريخي على أن الملكة زنوبيا التدمرية (الزباء) دخلت أنطاكية فاتحة في سنة 266 للمسيح وأن صورتها نقشت على سكة هذه المدينة ولدينا نصوص أخرى على اتصال العرب بتلك الأنحاء منذ القديم فقد جاء في التاريخ أن عربان البادية هاجموا ضاحية أنطاكية في سنة 494 للمسيح، وفي مدينة (الرها) في الشمال كان بيت (الأغبر) يسيطر على القبائل العربية في شمال سورية، وبعد ما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين فلما نزل بالحاضر زحف عليه الروم بقيادة ميناس أعظم رجالهم بعد هرقل فالتقى الجيشان في الحاضر فقتل ميناس ومن معه فأما الروم فماتوا على دمه حتى لم يبق منهم أحد، وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم «عرب» وأنهم إنما حشروا ولم يكن من رأيهم حربه فقبل منهم وتركهم.

 

ومما هو حري بالتدوين ويدل على نوع الشعوب التي كانت تقطن تلك الانحاء وأنها سلالات سامية أن أبا عبيدة ابن الجراح لما وصل إلى جبل اللكام (أمنوس) وهو الجبل الي يبتدئ من البحر في منطقة الإسكندرونة صالح سكانه (الجراجمة) وهم أصل الموارنة في لبنان- وكانوا يومئذ بين بياس وبوقا- على أن يكونوا أعواناً للمسلمين وعيوناً ومسالح في جبل اللكام- والمسالح جمع مسلحة وهي الحامية المسلحة.

 

ومن النصوص الدالة على ارتباط هذه المنطقة بسورية ارتباطاً وثيقاً خاصًّا أن السلوقيين كانوا يسمون أنطاكية (أنطاكية سورية) ليفرقوا بينها وبين المدن اليونانية الأخرى التي تشاطرها هذا الإسم، ودُعي ممر (بيلان) أو ممر (أيسوس) في الوثائق التاريخية (باب سورية).

 

ولهذه المنطقة شأن عظيم في تاريخ النصرانية فقد دخل هذا الدين أنطاكية في سنة 23 للميلاد ومن هذه المدينة انتشر التبشير به في الأنحاء وفيها نشأت الخلافات الدينية المذهبية. وفي العهد الروماني ظهر فيها رجل من رجال النصرانية كان له شأن كبير وهو يوحنا فم الذهب الذي اشتهر بصلاحه وطلاقة لسانه ومواعظه التي كان يلقيها على أهل أنطاكية إلى أن نفى ومات في طريقه إلى المنفى، وكانت أنطاكية في سالف العصور مقرًّا لجميع البطاركة وهي لا تزال إلى الآن مقرًّا لبطارك الشرقيين ويطلق عليهم إسم بطارق أنطاكية وسائر المشرق والنصرانية هي ابنة سورية والنصارى فيها من صميم السوريين.

 

(الوجهة الاقتصادية): تتجلى الوحدة الاقتصادية بين هذا اللواء وحلب بأن عاصمة الحمدانيين هي السوق الطبيعية لمنتجات هذا اللواء من خضر وأثمار وحرير وفحم نباتي وأسماك، وقرى هذا اللواء وما لها من مناظر خلابة ومياه عذبة وهواء نقي هي المصطاف الطبيعي للحلبيين، والقسم الأعظم من التجارة الخارجية التي تمر بالإسكندرونة هي إما أن تكون واردة من حلب أو صادرة إليها ودلت الإحصائيات بين عامي 1932 و1933 على أن 21 في المائة من مجموع ما دخل مرافئ سورية الأربعة- وهي بيروت وطرابلس واللاذقية والإسكندرونة- من صادرات وواردات (وبضائع النقل «ترانزيت»داخلة في ذلك) هو من أسكلة الإسكندرونة.

 

(النصيرية): هي طائفة العلويين المنتشرة في هذا اللواء وفي الجهات المجاورة له وتسمى النصيرية نسبة لنصير غلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد انتشر في الكتب التي كتبت عنهم قديماً أنهم يؤلهون علي بن أبي طالب ويعتقدون أن مسكنه السحاب حتى إذا مرت بهم سحب قالوا السلام عليك يا أبا الحسن ويقولون أن الرعد صوته والبرق ضحكه، وأن سلمان الفارسي رسوله ويحيون ابن ملجم قاتله ويقولون أنه خلص اللاهوت من الناسوت.وفي بعض الكتب أن كلمة «عمس» المختزلة من علي ومحمد وسلمان هي كلمة المرور بينهم، وهم يخفون عقائدهم عن غيرهم ويعظمون الخمر ويرون أنها من النور. لا جرم أنهم يعظمون شجرة العنب ويتجنبون قلعها، ولكن جاء في المجلد السادس من خطط الشام للأستاذ كرد علي أن صاحب "تاريخ العلويين" قال أنهم ليس لهم ديانة خاصة بل هم مسلمون شيعيون جعفريون يعتقدون أن الأئمة الإثني عشر معصومون من الخطأ وأن قول الإمام دلالة قطعية وهو لا يمكنه أن يخالف القرآن أو الحديث ولا يحق لأحد أن يؤول القرآن سوى أهل البيت، وهم ينتسبون إلى طريقة تدعى الجنبلانية وهذه الطريقة هي التي أدت إلى افتراقهم عن بقية الإثني عشرية، وهم فيها بينهم قد تفرقوا إلى عشائر وأفخاذ ترجع كلها إلى أربعة أصول كبيرة هي الخياطون والحدادون والكلبية والمتاورة.

 

وقد أفتى غير واحد من رجال الدين المتأخرين بصحة إسلامهم استناداً إلى ما جاء في الحديث "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فهو منا" وإلى آيات وأحاديث أخرى وفتاوى وردت كتب الفقهاء المتقدمين.

 

(الإسكندرونة): على الطرف الشرقي من الساحل الجنوبي وعلى القرب منها وإلى الشمال تقع (بياس) حيث تبتدئ الحدود بين تركيا وسورية، وقدر لي أن زرت الإسكندرونة في سنة 1912 لما كنت ذاهباً في الجيش العثماني إلى حرب البلقان فألقيتها مدينة ذات مناظر خلابة تحيط بها رواب زمردية من جبال اللكام وهي واقعة في منبسط من الأرض ويبلغ عدد سكانها في الإحصاء الحديث زهاء خمسة عشر ألفاً فيهم العرب والترك والأرمن، وهؤلاء لجأوا إليها بعد الإضطهادات التي ذاقوها في بلاد الترك، والعرب سنيون وعلويون ومسيحيون من الروم الأرثوذكس غالباً. وذكر الذين زاروها في الآونة الأخيرة أن مبانيها مثل سائر مباني المدن الشرقية الناهضة المصطدمة بالمدنية الحديثة منها القديم المرقع والمتداعي والأكواخ التي يقطنها الفلاحون في الجهة الغربية ومنها الجديد الذي لا يختلف عن مباني بيروت لا بحجره ولا بالأجر الأحمر- القرميد- الذي يكسو سطوحه. وكذلك الحال في طرقاتها وشوارعها فمنها الضيق المعوج ومنها المستقيم المعبد العريض ولها مرفأ صغير في جهتها الشرقية وبالقرب منه المكس والمعامل والمستودعات التي بنتها شركتا النفط وعرق السوس ولما زرتها لم يكن قد تمّ بعد فرع سكة الحديد الذي يربطها بحلب وهو فرع يمتد منها إلى قلعة عجيبة على رأس هضبة تدعر (طوبراق قامة).

 

أطلنا على المدينة من ممر (بيلان) أو ممر أيسوس وهو الذي دعاه الأقدمون (باب سورية) ومشينا في طريق منحدرة فوجدنا المستنقعات تحيط بهذه المدينة وهذا سر وباء الملاريا أو البرداء التي تفتك بأهلها في أيام القيظ والخريف، ويبلغ الحر فيها مع الرطوبة في الصيف درجة الإشباع لوقوف جبل اللكام سدًّا من ورائها حتى اذا اصطدم هواء البحر بهذه الجبال تجمعت فيه الأبخرة وتكثف بحيث تحجب قرص الشمس.

 

وأذكر أنني أكلت فيها سمكاً من المرجان مقلوًّا لم أستطب سمكاً مثله وقد اشتريته من طاه يحمل مقلاته ويبيعه في الشوارع.

 

بنا هذه المدينة (أنتيغون) أحد خلفاء الإسكندر في سنة 333 قبل المسيح تخليداً للنصر العظيم الذي أحرزه هذا الملك الجبار على دارا ملك الفرس في معركة (أيسوس)،ولما فتحها المسلمون في زمن أبي عبيدة بن الجراح وجدوها خراباً يباباً فلم يرد لها ذكر في فتوحاتهم لكنها استعادت سؤددها بالتدريج حتى أن السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد بنت فيها حصناً أو صرحاً ربما كان نفس الصرح الذي رممه ووسعه أحمد بن أبي داوود الأيادي في زمن الخليفة الواثق وظلت هذه المدينة ممراً للغزاة من السلمين والروم إلى أن استولى عليها الصليبيون فعادت إلى الخراب وأصبحت ملجأ للصوص من البر والبحر إلى أن طلب التجار الإفرنج المقيمون في حلب من الدولة العثمانية في القرن العاشر للهجرة أن تجعلها فرضة حلب فأجابتهم إلى طلبهم، وكان لها شأن قبل فتح قنال السويس لأن الإنكليز اتخذوها أقرب محطة للهند بطريق البحر المتوسط وقد تستعيد هذا الشأن إذا كثرت وتنوعت الطرق التي توصلها بالداخل وفي سنة 1248 جاءها ابراهيم باشا المصري بجيوشه وأنشأ فيها مصنعاً للسفن يأتيه بالأخشاب اللازمة له من جبل اللكام وفي سنة 1295 جعلتها الدولة العثمانية قضاءً تابعاً لولاية حلب.

***

(أنطاكية): شادها سلوقوس نيكاتور أحد خلفاء الإسكندر الثلاثة في سنة ثلاثمائة قبل المسيح ودعاها بإسم والده. ثم استولى عليها الرومانيون فابتدأ حكمهم فيها سنة 64 ق.م. وتربّع على كرسي الولاية فيها أكابرهم «الجولة الأثرية ص 52» أمثال بومبيوس ويوليوس قيصر وأنطونيوس: جاء هذا إليها في سنة 38 ق.م. ومعه زوجه كليوباترة، وفي التاريخ أن جوليا دومنا السيدة السورية الحمصية زوجة الإمبراطور سبتيموس سفيروس كان لها فضل عظيم على مدينة أنطاكية حيث أجبرت ابنها كراكلا المولود في حمص على أن يرد إلى هذه المدينة ما سلخه والده الإمبراطور عنها من الامتيازات, وفي أواخر القرن الرابع للمسيح دخلت أنطاكية في قبضة البيزنطيين وفي سنة 638 فتحها المسلومن على يد أبي عبيدة بن الجراح.

 

وفي كتاب «الإعلام» للأستاذ خير الدين الزركلي «أن حبيباً الفهري وهو أبو عبد الرحمن حبيب بن مسلمة بن مالك الفهري القرشي دخل دمشق مع أبي عبيدة فولاه أبو عبيدة أنطاكية وقد توفي سنة 42 هـ» ورأت أنطاكية الرخاء وتقدمت تقدماً كبيراً في زمن الأمويين.

 

وفي أواخر القرن الخامس للهجرة فتحها الصليبيون ولكن في سنة 666 هـ افتتحها عنوة الملك الظاهر بيبرس بعد معركة من أشد المعارك هولاً على السكان، ثم جاء الفتح العثماني فبقيت في قبضة العثمانيين إلى أواخر الحرب العالمية الأولى، ومن المهم أن يذكر القراء  أن الأهلين فيها وفي سائر أنحاء اللواء استقبلوا الجيش العربي استقبال الفاتح المنقذ وأيدوه في أعماله. وأنطاكية مذكورة في التاريخ دائماً بالزلازل التي كانت تنتابها كالزلزلة العظيمة التي أصابتها سنة 1822، وكان عدد سكانها في زمن ثيودوسيوس مائتي ألف ولكنهم كانوا في سنة 1835 خمسة آلاف وستمائة يضاف إليهم ستة آلاف جندي مصري بقيادة إبراهيم باشا ويبلغ عددهم اليوم خمسة وثلاثين ألفاً. وقد جلب إلى هذه المدينة ماء (دفنة) في أنابيب حديدية وأنيرت بالكهرباء وفيها أربعة وعشرون مسجداً وأربع كنائس وكنيس واحد لليهود. وصادراتها الصابون وفيالج الجرير والصوف والحبوب وزيت الزيتون والسمك والقطن والقطران وفيها صناعات متنوعة للغزل والدباغة والنسج والخشب وفاكهتها من أجود فاكهة وذكر لي صديق من أهلها أن أربع خوخات- دراقنات- من خوخها تزن أقة كاملة، وهذه المحصولات لا تباع في أسواق حلب فقط بل أن فاكهة أنطاكية تزاحم فاكهة الشام في أسواق بيروت أيضاً. وإذا صحت الأخبار التي تناقلها البرق أخيراً وأفاضت في ذكرها الصحف من أن في هذا اللواء ينابيع للنفط بالقرب من الإسكندرونة متصلة في جوف الأرض بينابيع الموصل فسيكون لهذه الينابيع شأن خطير في مصير هذا الجزء من بلادنا العزيزة.

 

لقد آمنت بالحق قبل أن أؤمن بالوطن ولو لم أعلم أن هذا اللواء جزء من سورية العربية لا يتجزأ ما تنزلت للوقوف هنا أرهق أسماعكم الحساسة وأضيع أوقاتكم الثمينة بالدفاع عنه فالحق أولاً، والوطن ثانياً، ومن لا يؤمن بالحق لا يؤمن بالوطن.

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro