مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
رأي سورية الجديدة تفكك الكتلة النهائي واعتزال مردم
 
 
 
سورية الجديدة،سان باولو،العدد 10، 1939/5/13
 

 

في سنة 1936، وفي إبّـان الـمفاوضات السورية - الفرنسية لعقد معاهدة صداقة تـحلّ محل الانتداب، أذاع زعيم الـحزب السوري القومي بلاغاً عرف بالبلاغ الأزرق أظهر فيه ضعف الأسس التي قـامت عليها سياسة الـمفاوضات من الـجانب «الوطني» وانتقد هذا الـجانب وحمّله تبعة الاقتصار في مفاوضات سنة 1936 على مطاليب سنة 1928 والاعتماد على سياسة الـمفاوضات وإهمال أمر تنظيم البلاد. فقام الـمتشيعون لـ »الكتلة الوطنية« يجدون الأعذار ويؤولون الأمور تأويلاً يقصد منه تبرير العمل الذي قامت به هذه الشركة السياسية، كما أوّلوا، فيما بعد، أسباب محاربتها الـحزب السوري القومي، الذي تبيّن لكل مبصر أنه الـحزب الذي أوجد قضية الأمة السورية وعقيدة القومية التي لا قيام لأمة بدونها.

 

ورأى زعيم الـحزب السوري القومي التهور السياسي الذي أخذت الكتلة في جر الأمة إليه، فحـاول جهده منع النكبة التي كان يراها آتية فأرسل إلى دمشق الوفود لـمخابرة الكتلة ودرس الـمسائل الـموضوعة على بساط البحث، ثم سعى بنفسه لإيجاد خطة مشتركة خصوصاً في صدد قضية الإسكندرونة فتعيّن موعد يتقابل فيه الزعيم ورئيس الوزارة الكتلية جميل مردم في صوفر بـمناسبة اجتماع وفدي الوزارتين الشامية واللبنانية في صيف 1937، وجرت الـمقابلة في الفندق الكبير واستغرقت نحو ساعتين وكان موقف السيد مردم موقف تقدير وانتهت الـمقابلة على أن يصير اجتماع آخر بين الاثنين، فحدث الاجتماع في أوائل الـخريف. فوضع الزعيم على بساط البحث مسألة الإسكندرونة وأوضح خطرها على مصير القضية القومية وعرض على رئيس الوزارة حينئـذٍ التفاهـم على أن تقف الكتلة موقف الـحياد، إذا كانت لا تريد تأييد موقف الـحزب السوري القومي، الذي كان في عزمه القيام بحملة عنيفة تنقذ بعض الـحقوق السورية إن لم يكن من الـمستطاع إنقاذها كلها. ولكن السيد مردم أجاب الزعيم: »إننا بالـحقيقة« لم نخسر شيئاً يستحق الذكر بفقد لواء الإسكندرونة وإننا نعتقد بالعكس، نرى أنّ تركية هي التي خسرت بضم اللواء الذي يحتوي عناصر غير تركية تسبب لها مشاكل كثيرة.

 

تـجاه هذا التصريح الـخَطِر الدال على عدم شعور بالـمسؤولية وعلى غباوة في الـمسائل السياسية والـمصالح القومية ما بعدها غباوة، اضطر الزعيم لأن يقطع الـمحادثات. ومنذ تلك الساعة لم يعد في الإمكان، عبر الهوة السياسية العميقة التي أحدثها موقف »الكتلـة الوطنيـة« وحكومتها من مسألة الإسكندرونة وظهر جلياً من هذه الـحادثة أنّ سياسة الـحزب السوري القومي وسياسة شركة الكتلة تسيران في اتـجاهين مختلفين أو متعاكسين.

 

ومرت الأيام وابتدأ صدق قول الزعيم في سياسة »الكتلة الوطنية« والـمعاهدة يتحقق. فالكتلة أخذت تتعثر بين خطأ وخطأ. فأهملت كل فرصة سنحت للتفاهم مع الـحزب السوري القومي، الذي برهن الاختبار على أنه الـحزب الوحيد الذي يستطيع توحيـد عقائد الأمة في عقيدته القومية وإعطاء الأمة الفاعلية الروحية الـموحدة، وأغفلت الـمصالح الأساسية التي يـمكن توحيد إرادة الأمة عليها ورفضت قبول الرأي أو الـمساعدة وتشبثت بصلفها واستسلمت للعبة الـمعاهدة التي كانت تـحتاج إلى العقلية القومية، الـمختلفة عن عقلية الكتليين الشرقية أو الرجعية وسمّت هذا الاستسلام الـمعيب »السياسـة الإيجابيـة« كما سمّت التساهل في مصالح الأمـة »سياسة خذ وطالب« فأعطوا فرنسة الوقت الكافي لإجراء مناورتها السياسية مع تركية وأخذت تتنازل عن مصـالـح السيادة القومية مصلحة مصلحة. وفي حيـن تظن هي أنّ هذا التسليـم سيكسبها ورقة لا قيمة لها اسمها »معـاهدة«، إذا بهذه »الـمعاهدة« تطير في الساعة عينها التي يعطي فيها بطلها السوري تصريحات في صدد الـمصادقة عليها وعن وضعها موضع التنفيذ.

 

يتبجح الكتليون كثيراً بـمآتيهم حين كانوا في الـحكم، وكرر السيد جميل مردم في عهد وزارته السيّىء الطالع تلك العبارة البدوية السخيفة، التي قالوها في »أربعين هنانـو[1]« حيـن رأوا أن يفعلوا شيئاً لتحويل أنظار الشعب عن قضية الـحزب السوري القومي الـجديدة وهي »والله إنّهم (الفرنسيـين) لو منعونـا عقـالاً لـحاربناهم عليه« فأعاد هذه العبارة الـخيالية في العاصمة السورية في حفلة آل نظام في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران سنة 1938، دون أن يحمر له وجه أو يندى له جبين لذهاب لواء الإسكندرونة والتسليم بالامتيازات الفرنسية الـحربية والسياسية القاتلة كل معنى من معاني السيادة القومية.

 

قبل ذهاب مردم الأخير إلى باريس، الذي تنبأت بشؤمه الأوساط السورية القومية السياسية وقف هو خطيباً في الـجامع الأموي في التاسع والعشرين من شهر يوليو/تـموز الـماضي فقال من فيض علمه إنه كان ولا يزال يدعو إلى التآزر والتضامن، لأنه يريد »أن يرغم الـجميع على الاتـحاد« معلناً جهله أنّ الاتـحاد لا يكون بالأرقام بل بإيجاد عوامل الاتـحاد وهي التي أوجدها الـحزب السوري القومي وأهم هذه العوامل فصل الدين عن الدولة وإلغاء الامتيازات الإقطاعية والدينية الذي قال به سعاده. وقد أشار مردم بصورة واضحة إلى كيفية الإرغام في خطاب قبل هذا الـخطاب بأيام قليلة ألقاه في حفلة التجارة. فبعد أن تبجح بدعواه قال: «إنّ واجب جميع أبناء الأمة أن يتضامنوا وتتآزر جهودهم لإنقاذ سفينته وإلا فإننا سنكرههم على تـحقيق الوحدة الوطنية بالقوة (يا ستار! إكراه من وبقوة من؟)«

 

هكذا أقوال مردم، وهو رئيس الوزارة في سنة 1938 بعد أن رفض ما عرضه عليه زعيم الـحزب السوري القومي في صدد توحيد الأعمال القومية ومواجهة الـخطر التركي بصورة عملية!

 

والظاهر أنّ مردم كان يفكر بالقوة واستعمالها منذ رفض ما عرضه عليه سعاده. والظاهر أنه استند إلى تأييد بعض الفرنسيين كالسيد «غراه» الذي زار سورية موفداً رسمياً لدرس حالتها، فالسيد غراه أوصى الـحكومة الفرنسية في تقريره بتأييد »الكتلة الوطنية« لأنها الصديقة »التي يـمكن فرنسة أن تعتمد عليها« فالسيد مردم لم يكن يرى التآزر والتضامن في مقابلة مساعي الزعيم بـما تقضي به مصلحة الوطن، بل في استعمال حراب السنغاليين، بواسطة الصداقة الكتلية - الفرنسية، لإرغام الـحزب السوري القومي وغيره على التآزر والتضامن!

 

وأخيراً وصلت هذه السياسة الكتلية - الـمردمية إلى النتيجة التي لا مفر لأمثالها منها وهي السقوط. وتفيد أنباء مراسلي سورية الـجديدة أنّ سقوط »الكتلة الوطنية«كان تاماً، باهراً. فهي لم تسقط فقط من الـحكم بل سقطت من الشعب ومن نفوس أعضائها أيضاً، فاستقال رئيسها وانسحب منها عدد من أكبر «سياسييها» وبلغ السقوط معظم تألقه في اعتزال السيد جميل مردم، رأس السياسيين الكتليين، السياسة.

 

 

إننا لا ننتظر من الكتليين أنفسهم أن يتعظوا ويتلقنوا درساً مفيداً من هذه النتيجة الـمخزية لرعونتهم السياسية، فلقد عرف الفاهمون بالاختبار أنّ مزايا الكتلة البوربونية[2] لا تساعدهم على نسيان شيء أو تعلم شيء. ولكننا أصبحنا ننتظر بعد هذه البراهين الـحسية أن يستفيد الشعب من هذه الدروس استفادة عملية.

 


 

[1] ابراهيم هنانو (1869-1935)، سياسي سوري قاد ثورة ضد الفرنسيين بعد معركة ميسلون.     

 

 

[2] بوربون: أسرة ملوك فرنسة من سلالة لويس التاسع. تفرعت منها أسر ملوك اسبانية وصقلية وبارما.           

 

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro