مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
رأي سورية الجديدة نطاق من الحديد والنار
 
 
 
سورية الجديدة،سان باولو،العدد 24، 1939/8/12
 

 

في رسالة شعبة سورية الـجديدة الدمشقية الصادرة في 18  يوليو/تـموز الـماضي، خبر صغير نشر في الصفحة السابعة من العدد الثاني والعشرين بعنوان »دخول أراضي الانتداب«. وقد يكون مرّ هذا الـخبر على القراء كشيء اعتيادي، عديم الأهمية أو قليلها. وهذا بديهي نظراً لبقاء الرأي العام السوري جاهلاً حقيقة حالة سورية السياسية بسبب فوضى الأخبار التي كانت تصل إليه وكثرة خصوصياتها. ومع أنّ سورية الـجديدة قد عملت كثيراً ولا تزال توالي العمل لإزالة هذه الفوضى باعتنائها بحقيقة الأخبار وترتيبها، فتأثير الفوضى الأخبارية والبلبلة الفكرية اللذين استمرا زمناً غير يسير لا يزال حقيقة تـمنع أو تؤخر حصول الإدراك الـجلي لعلاقة الأخبار بالـموقف السياسي، ولأهمية الأخبار التي ليس في ظاهرها ما يدل على خطورتها.

 

إنّ الـخبر الصغير الذي نريد أن نلفت أنظار القراء إلى خطورته وعلاقته الهامّة بالـموقف السياسي في سورية، يعلن أنّ الـمفوض الفرنسي أصدر قراراً يخول فيه مندوبيه في الـمناطق السورية التي تتمتع بإدارة خاصة، حق توقيف أي من يشاء توقيفه مـمن يدخلون أو يغادرون الـجزء المشمول بالانتداب الفرنسي من سورية ويحتفظ لنفسه (الـمفوض) بحق تقرير مصير الـموقوف.

 

من قرأ ما نشرته هذه الـجريدة في العدد الـخامس عشر من خطر الاصطدام بين الـحزب السوري القومي والسلطة والـمقالة التحليلية الـمنشورة في العدد السادس عشر عن موقف زعيم الـحزب السوري [القومي] وموقف فرنسة، أدرك حقيقة الـموقف السياسي على ضوء هذه الـمعلومات، وهذا التفكير، وعلم أنّ خطة فرنسة للقضاء على حيوية الأمة السورية، هي في عزل سورية عن العالم الـخارجي وتـجزئتها في داخليتها، ورأى علاقة هذا الـخبر الصغير بشؤون سورية السياسية وخطورته.

 

ولقد كانت فرنسة، حتى بضع سنوات خلت، تواجه مقاومة اعتباطية، مضطربة من قبل هيئات وشركات محدودة، جعلت مقاومتها فرنسة وسيلة لتحقيق خصوصيات نفسيتها وأغراضها، فأدركت فرنسة أغراضها الـمحدودة وتفكيرها الأولي العقيم وعجزها عن فهم طبيعة العوامل الاجتماعية - السياسية - القومية والقيام بنهضة تـحرك قوى الأمة السورية، وجهلها طبائع القوى السياسية وحقيقة الصراع السياسي، فتركتها تعمَه في ضلالها ولم تفعل شيئاً غير التدخل عند تفاقم أمر بعض الإعتصابات والإضرابات، لكبح جماح الهياج الاعتباطي بالقوة الـمسلحة. والـحقيقة أنّ فرنسة شجعت هذه الشركات السياسية الـمحدودة الضيقة حدود التفكير، على الـمضي في سياستها الـخرقاء الآيلة إلى إنهاك قوى الأمة السورية وملاشاة إمكانياتها السياسية والاقتصادية، من أجل حصول نتيجة واحدة، هي الظهور بـمظهر الأبطال »الوطنيين«.

 

ظلت فرنسة مطمئنة إلى سيطرة هذه النفسية الشرقية التي زاد تعثرها نشوء أدب مستعار ولّد فوضى نفسية وبلبلة فكرية لا مثيل لهما، إذ صار كل من تأثر بـمدرسة فكرية أو اهتدى إلى بضع كتب فرنسية أو إنكليزية أو روسية أو تركية، يعدّ نفسه بالغاً ذروة الكمال، متفوقاً على أقرانه وعلى أبناء الأعصر الـخوالي، جديراً بأن يكون معلماً مثقِّفاً. فأنشأوا »بنهضتهم الأدبية« اضطراباً نفسياً أوقع قوى الأمة الروحية في شلل عام لم يظن أحد من الـخبراء بنهوض الأمـم وسقوطها أنّ الأمة السورية تتحرر منه، حتى كانت استفاقة النفسية السورية في نهضة مستقلة الروح والتفكير انبثقت من صميم الأمة السورية حاملة رسالة التحرير والإنقاذ وانتصار العقل السوري والـمثل العليا السورية، فكان نشوء هذه النهضة الـجبارة انتصاراً عظيماً على الـميعان النفسي في فوضى التفكير الأدبي، فأخذت قوى الأمة السورية الروحية تنطلق من قيودها وتتحرر من تسلط الثقافات الأجنبية وعوامل الشلل الروحي الأدبية.

 

كما بسحر ساحر، تبدلت الـحال وظهرت النفس السورية الـمستيقظة بـمظهر قوة فاعلـة تريد أن تعتمد على نفسها ومواردها ومواهبها وتثبت حقها في الـحياة الـجيدة وأهليتها للتفوق وبلوغ الـمثل العليا التي تصبو إليها. فأدركت الأمـم الغريبة، وأدركت فرنسة قبل غيرها، أنّ حادثاً عظيماً غير متوقع، قد حدث في سورية، وأنّ الـحالة النفسية قد أخـذت تتغير وأخـذت تتغير أساليب الفكر والقول والعمل، وأنّ الصراع بين حق الأمة السورية في الـحياة والـمطامع الأجنبية الرامية إلى قتل هذا الـحق وقتل الـحياة السورية نفسها لـمّا ينتهِ وأنه قد ابتدأ الآن ابتداءً جديداً.

 

كان الصراع بين أمة آخذة في الانقراض بانعدام مثلها العليا وانقلاب مناقبها إلى مثالب وبتعهد فئات دجالة شؤون حياتها الروحية وشؤون حياتها الـمادية وإمبراطوريتين عظيمتين قويتين، فأصبح بعد ظهور الـحزب السوري القومي، صراعاً بين أمة فتية آخذة في النمو بعوامل الـحياة القومية الـجديدة يدل على بعثها إنشاؤها مثلاً عليا جديدة تطمح إلى تـحقيقها وأخذها بـمناقب جديدة تـحرك فيها قوى جديدة يحق لها الطموح.

 

رأت فرنسة تـجاه هذا التطور الـخطير الذي دخلت فيه سورية، أنّ الـموقف قد تبدل فعمدت إلى محاربة النهضة السورية القومية بالعنف والاضطهاد وباستخدام عناصر الـحالة السابقة الروحية والـمادية. وبعد نحو أربع سنوات من حرب عنيفة، كانت مباشرة أولاً ثم صارت مداورة، رأت فرنسة أنّ قوة الـحياة والنمو في الـحركة السورية القومية قوة حقيقية أصلية، غير مستعارة وأنّ شأنها معها سيكون غير شأن الفئات والشركات السياسية التي نشأت بحكم الظروف، لأنها قوة مبدعة منظمة الفكر، منظمة القول، منظمة العمل.

 

أدركت فرنسة أنّ الـحركة السورية القومية قوة وأنها حركة تشعر وتعلم أنها قوة. فماذا يـمكن هذه القوة الواعية، الـمبصرة، الفاهمة أن تفعل في ظروف التقلبات السياسية والـحربية الـمقبلة؟

 

إنّ الـجواب على هذا السؤال عسير، فليس في مقدور إنسان أن يعلم ماذا تتمكن قوة مبدعة من فعله في حالة توضع فيها مقدرات الأمـم بين الوجود والعدم. هذا ما أدركته فرنسة وبريطانية، في صدد النهضة السورية القومية، فرأتا أن تـحتاطا لإنقاذ أقلّ قيمة لـمصالحهما في الشرق الأدنى، أي بالعمل لتأمين أقلّ نصيب مـمكن، فحددت بريطانية نصيبها في جنوب سورية بإيجاد حالة توازن بين السوريين واليهود، الذين جاءت بهم من آفاق الدنيا، تسمح لها بالتسلّط وبإنشاء موانىء حربية في شواطىء الـجنوب تؤمن مواصلاتها الإمبراطورية، وحددت فرنسة نصيبها بالاحتفاظ بالـمنطقة الساحلية الـجبلية من سورية وهي منطقة لبنان - العلويين ليظل لها مركز إمبراطوري في الشرق الأدنى وبإنشاء موانىء حربية ومطارات تؤمّن هذا البقاء، الذي أعلن الـجنرال غورو، أنه »أبدي« وأعلن بونه، بـمناسبة تسليم لواء الإسكندرونة إلى تركية أنه »الصفة الدائمة لـمصالح فرنسة في الشرق الأدنى.« واتفقت سياسة الإمبراطوريتين على إشراك تركية بتأمين هذه »الصفة الدائمة« لـمصالحها في سورية.

 

رمت فرنسة، منذ البدء، إلى تطويق شمال سورية تطويقاً يعزلها عن مجرى شؤون العالم، كما رمت بريطانية إلى عزل جنوب سورية عن مجرى شؤون العالم. فلم يسمح لسورية بأن يكون لها صوت ومركز في الـجمعية الأمـمية وأعطيت الصحف السورية مساعـدات مجانية بواسطة الـمفوضيتين الفرنسية والبريطانية لأخذ »أخبار« شركتي هافاس ورويتر بعد أن تتكرر هذه »الأخبار« في مكررات هاتين الـمفوضيتين وضربت رقابة شديدة على الأخبار الـخارجة من سورية وأعطت هافاس ورويتر امتياز تصوير حوادث سورية في الـخارج لـمصلحة فرنسة وبريطانية وضد مصلحة سورية.

 

بعد أن أحكمت فرنسة نطاق العزل الـخارجي والاتفاق مع تركية، رأت الآن أن تنظر في الغاية »الداخلية« من هذا النطاق، أي في عملية خنق نهضة سورية. وما هذا التدبير الـجديد الذي يخوّل مندوبي الـمفوض الفرنسي، حق توقيف أي شخص يرى من مصلحة فرنسة توقيفه أثناء محاولته دخول الـمنطقة الـمشمولة بالانتداب الفرنسي أو الـخروج منها سوى زيادة في الضغط الذي يقصد به الـخنق. والذي نعتقده أنّ هذا التدبير موجه ضد الـحركة السورية القومية بصورة خاصة، وأنّ القصد منه توقيف أي من يشتبه بأنه من الـحزب السوري القومي، وأنه قد يكون حاملاً تعليمات أو معلومات لفائدة الـحركة السورية القومية.

 

أسند الـمفوض الفرنسي مهمة تنفيذ هذا التدبير إلى مندوبيه وفاقاً لـخطة تَولّي الفرنسيين محاربة النهضة السورية القومية مباشرة، بعد أن رأوا عجز الـحكومات الـمحلية عن محاربتها. وجميع الـمعلومات التي نشرت سورية الـجديدة قسماً هاماً منها في أعدادها الـماضية، تؤيد ما نذهب إليه. فالفرنسيون لا همّ لهم في سورية، غير مراقبة حركات الـحزب السوري القومي في الداخل والـخارج وعرقلة خطط الزعيم. وإنّ ما حدث هنا في سان باولو يحملنا على التيقن من اتساع نطاق الـجاسوسية الفرنسية على الـحزب السوري القومي. وبعد درس ذيول حادث توقيف الزعيم وناموسيه وهو في حالة صحية سيئة، لا بد من التسليم بأن الـجواسيس اللابسين لبوساً متعددة قد عملوا جهدهم ليساعدوا أعداء الأمة السورية على خنقها.

 

إنّ التدبير الـمشار إليه ليس إلا جزءاً من خطة ضرب نطاق من الـحديد والنار حول نهضة الأمة السورية. وقيام الفرنسيين أنفسهم به يدل على مبلغ قلقهم وشدة حرصهم على التنفيذ بدقة وعدم تعريض الأوامر للانكشاف. فهو تدبير أقبح من حصار حربي. إنه وضع أمة كاملة وحقوقها رهن التوقيف بإرادة أجنبية.

 

لم يرتفع الآن في الوطن أو في الـمهجر، صوت واحد بالاحتجاج على هذا التعدي الـجديد على كرامة الأمة السورية، مع أنه كان يجب أن تتولد عاصفة شديدة من الاحتجاج والنقمة وردّ الفعل.

 

لقد سمعنا بعض الـمتعنتيـن أو غير الفاهمين يقولون »وماذا يفعل الـحزب السوري القومي وإلى متى ينتظر؟« فنعود ونقول لهؤلاء البعض »إلى متى تنتظرون أنتم وماذا تفعلون؟«

 

إنّ الـحزب السوري القومي قد أنشأ نهضة الأمة السورية وأخذ ينظّم صفوفها ويعمل على تـجهيزها. ولكنكم أنتم، أيها الثرثارون الذين تريدون أن تروا رجال النهضة القومية يضحّون على مذبح بلادتكم وموت شعوركم ليكون لكم من تضحيتهم تسلية قبيحة لكم، أي حق لكم أن تسألوا »إلى متى ينتظر الـحزب السوري القومي؟« كم هي الـمساعدات التجهيزية التي قدمتموها للحزب السوري القومي وبتّم من ورائها تنتظرون وتسائلون؟

 

أنتم، أيها الـمنافقون الذين »تأنفون« أن يكون لنهضة أمتكم »صلة« بأمة أجنبية، ماذا فعلتم في سبيل نصرة الـحزب السوري القومي الذي لم ينتظر ولا ينتظر ولن ينتظر؟

 

إنّ الـحزب السوري القومي ليس حركة اعتباطية يريد زعيمها أن يؤسس بطولة »دنكيخوطية« له كبطولة »الوطنيين« بسفك دماء بريئة، بل حركة منظمة، فاهمة، مبصرة تعمل بأصول وخطط مرسومة.

 

إنّ الـحزب السوري القومي يقوم بواجبه. أما أنتم أيها الثرثارون والكسالى والـمستهزئون والـمنافقون فماذا فعلتم وما أنتم فاعلون. هل تشعرون أنّ عليكم واجباً؟

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro