مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
الحزب السوري القومي وقضية الإسكندرونة
 
 
 
الزوبعة، بوينُس آيرس، العدد 48، 15/7/1942
 

 

ذكرنا في العدد الـماضي أهم الـحوادث السياسية الـمتعلقة بسلخ الإسكندرونة الغنية والهامّة جداً عن جسم الوطن السوري حسب ترتيبها التعاقبي[1] . ومن اللمحة الصغيرة التي أوردناها في هذا الصدد يدرك القارىء الـمتنور أنّ الـمنطقة الـمذكورة لم تخطف خطفاً في ليلة واحدة بين سمع الأرض وبصرها، بل سلخت سلخاً بعملية طويلة اجتهد الـمتآمرون في أكسابها صفة التطور الشرعي الذي لا غبار عليه. ومن الأمور الـمؤلـمة للوطني الصحيح أنه كان بين الـمتآمرين رجال سوريون تزعّموا، مدة طويلة، الـحركات السورية في الشام الرامية إلى الاستقلال وأطلقوا على أنفسهم إسم »الكتلة الوطنية«.

 

وقد قلنا في العدد الـماضي إنّ الـحزب السوري القومي الاجتماعي هو الـحزب الوحيد الذي نهض لـمقاومة الدسائس السياسية والاتفاقيات الإنترناسيونية الـمجحفة بحق الأمة السورية. ولا بدّ لنا من التأكيد هنا أننا لم نرسل هذا الكلام اعتباطاً أو بدافع الهوى، بل قلناه ونحن متثبتون من أنّ الوقائع والوثائق والشواهد تؤيده تأييداً كلياً.

 

بـمناسبة تسلّم الأتراك منطقة الإسكندرونة السورية تسلماً فعلياً في الثالث والعشرين من شهر يوليو/تـموز سنة 1939 نرى أن ننشر بعض الـمواقف والنصوص التي تساعد القرّاء على معرفة بعض الـحقائق الداخلية الهامّة عن كيفية اختمار الـمؤامرة على الـمنطقة السورية الـمذكورة، وكيف أنّ هذه الـمؤامرة نـجحت على الرغم من موقف الـحزب السوري القومي الـجازم.

 

قلنا إنّ الاتفاق بين فرنسة وتركية على جعل منطقة الإسكندرونة تـحت الـحماية الـمشتركة بين الـجيش الفرنسي والـجيش التركي حدث في أواخر سنة 1936، أي بعد توقيع الـمعاهـدة الشـاميـة ــــ الفـرنسيـة. وبينمـا الـمخـابـرات دائـرة بين فرنسـة وتـركيـة  كان موقف »الكتلة الوطنية« موقف المشاهد الذي لا يعنيه شيء من الأمر. ووُجد من صرّح بأن مسألة ادعاءات الأتراك في الإسكندرونة عرضت على رجال »الكتلة« الذين فاوضوا الـمعاهدة ففي عدد الشباب الـحلبية الصادر في 14 يوليو/تـموز 1938 مقالة للسيد زكي الأرسوزي »العصبوي« العروبي يقول فيها: »ولـما ظهرت القضية السورية بعد انتهاء الإضرابات العامة سنة 1936 اشترطت الـحكومة الفرنسية على الوفد الـمفاوض الإجابة على جميع مطاليب الأتراك« والظاهر أنّ السيد الأرسوزي لم يشأ أن يرى »الكتلة الوطنية« تتّصم بوصمة العار فتابع قائلاً: »وذلك قبل أن تتّضح نوايا الأتراك الـحقيقية«.

 

ولكن موقف »الكتلة الوطنية« الـمسالـمة لم يكن فيه شك. وإلى هذا الـموقف الـمعيب أشار الزعيم في الـمقال الذي أثبتناه في العدد الـماضي بقوله: »وإذا كان على رأس الـحكومة الشامية رجال مسـؤولون يحبّون السلام أكثر من الاحتفاظ بالـحياة (أي بالـحياة القومية)، ويقفون تـجاه الأخطار الـمحدقة والـمناورات الـموجهة ضد سلامة الوطن ومصالح الأمة مكتوفي الأيدي لا يبدون ولا يعيدون، فليس موقفهم معبّراً عن رغبات الأمة وإرادتها«. وبقوله في موضع آخر من الـمقال نفسه: »إنّ النهضة القومية الـجديدة لا تتوقع من الـحكومة الـحالية في الشام غير الـموقف الضعيف الذي وقفته حتى الآن. ونكرر أنّ هذا الـموقف لا يعبّر مطلقاً عن إرادة الأمة واستعدادها لصيانة حقوقها ومصالـحها«.

 

على العكس تـماماً من موقف »الكتلة الوطنية« وغيرها من الأحزاب الكثيرة في الشام ولبنان وفلسطين كان موقف الـحزب السوري القومي الاجتماعي. فما كادت تصل الأخبار عن ظهور الـمطاليب التركية، ووجود مخابرة بين فرنسة وتركية وعرض الـمسألة من قِبل فرنسة في الـجمعية الأمـمية، حتى اتخذ الزعيم موقفاً شديداً جداً من هذه الـمسألة الـحيوية فوضع في الرابع عشر من شهر ديسمبر/كانون الأول 1936 مذكرة وجّهها إلى الـجمعية الأمـمية والأمـم الصديقة والـمتمدنة، يطلب فيها منع حصول إجحاف بحقوق سورية الواضحة وسيادتها الـمطلقة على الإسكندرونة التي هي جزء متمم للوطن السوري. ثم اتبع الزعيم الـمذكرة التي أرسلت إلى الـجمعية الأمـمية والدول الكبرى بواسطة قناصلها في بيروت، بخطابه في حشد الـحزب السوري القومي الاجتماعي في صافيتا، الذي أعلن فيه استعداد الـحزب للدفاع عن الـحدود الـمهددة. وهو الـخطـاب الـذي نشـرته الزوبعة في عدد أول مارس/أذار الـماضي وكان إلقاؤه في ديسمبر/كانون الأول 1936.

 

عند ظهور موقف الـحزب السوري القومي الاجتماعي اشتدت الـمناورات التركية- الفرنسية واجتمع مجلس الوزراء التركي في أسكيشهر للنظر في مسألة الإسكندرونة وابتدأت تصل إشاعات عن حشد قوات تركية على الـحدود فقدّم الزعيم في أوائل يناير/كانون الثاني سنة 1937 مذكرة ثانية وجّهها إلى الـمفوضية الفرنسية هذا نصها:

 

»يا فخامة الـمفوض السامي،

 

»نظراً لانعقاد مجلس الوزارة التركية في أسكيشهر وللإشاعات السارية حول إمكانية تعدٍّ مسلّح من قِبل تركية على سنجق الإسكندرونة، لنا الشرف أن نضع تـحت تصرف جيش الدفاع العدد اللازم من الـمتطوعين من أعضاء حزبنا للمساعدة على الاحتفاظ بالسنجق السوري.

 

»إننا على يقين يا فخامة الـمفوض السامي، من أنّ الدولة الفرنسية الصديقة لن تترك في هذه الـمناسبة أي مجال للتهويل، لا سيما أنّ إرادتها النبيلة للاضطلاع بأعباء تعهداتها يؤيدها استعدادنا للدفاع عن مصالـحنا القومية، فإننا لا نستطيع أن نرضى دون أن نقلل من قيمة أنفسنا، بأن يهرق دم فرنسي، إذا اقتضى الـحال، في سبيل الذود عن سلامة الأراضي السورية دون تدخّلنا للدفاع عن حدودنا، فنحن نـجعل إذن من وجودنا في مراكزنا على حدودنا الشمالية، في حالة خلاف مسلّح مع تركية، قضية شرف لنا.

 

»وعلى أمل أنّ فرنسة تفهم الـموقف الذي تـمليه علينا كرامتنا القومية، تفضلوا يا فخامة الـمفوض، بقبول فائق احترامنا».

 

في 8 يناير/كانون الثاني 1937

 

                                                                    زعيم الـحزب السوري القومي

 

                                                                              أنطون سعاده

 

 

ما كادت هذه الـمذكرة تـنـر حتى دبّت الـحمية في صفوف القـومـيين الاجتماعيين، وحدثت تشنجات في طول البلاد وعرضها، وأخذت كتب التأييد تنهال على مركز الـحزب القومي الاجتماعي في بيروت.

 

في هذه الأثناء كانت اللعبة الفرنسية ــــ التركية قد تـحولـت إلى شكـل آخر هو حمـل الـجمعية الأمـمية على التدخل في الأمر، فأرسلت الـجمعية الـمذكورة لـجنة زارت الإسكندرونة، ووضعت تقريراً عرف بــ»تقرير ساندلر« الذي أشار بـمنح لـواء الإسكندرونة استقلالاً تاماً في شؤونه الداخـلية وفصله في الشؤون الإنترناسيونية عن الاتفاقات التـي تعقدها حكومة الشام وجعل اللغة التركية اللغة الرسمية الأولى فيه، الخ.

 

أدرك الزعيم أنّ قبول التقرير الـمذكور والعمل به سيعني فَقْدَ السيادة السورية على الإسكندرونة بالـمـرّة. فلم يتمالك من وضع مذكرته الشهيرة التي وجّهها في أواخر يناير/كانون الثاني 1937 إلى الـحكومة السورية يعنفها على موقفها من الـمناورات الفرنسية-التركية ويطلب دعوة الـمجلس الشامي إلى دورة إستثنائية. وإليك نص مذكرة الـحزب القومي الاجتماعي:

مذكرة الـحزب السوري القومي بشأن سنجق الإسكندرونة:

 

أرسل الـحزب السوري القومي للحكومة الشامية الـمذكرة الآتية:

 

»معالي رئيس الوزراء،

 

»مجلس الوزراء الـموقر،

 

»إنّ إزالة السيادة السورية عن لواء الإسكندرونة ووضعه تـحت تقلبات السياسة والـحزبية الأجنبية يكون خسارة كبيرة للأمة السورية وإجحافاً بحقوقها وخطراً على كيانها وحياتها.

 

»والـحزب السوري القومي يعلن أسفه للموقف الذي وقفته الـحكومة السورية من الـمناورة التركية التي انتهت بتكليل جهودها بالاتفاق الفرنسي ــــ التركي على نزع السيادة السورية بالفعل والاحتفاظ بستار إسمي يُبقي لواء الإسكندرونة ضمن الـحدود السورية.

 

»وأما زوال السيادة السورية عن اللواء فواضح في تقرير ساندلر مقرر القضية أمام مجلس الـجمعية الأمـمية، وأهم موجبات زوال السيادة السورية الواردة في التقرير الـمذكور ما يأتي:

 

1 - إستقلال اللواء التام في شؤونه الداخلية.

 

2 - إمتناع سريان مفعول أي اتفاق إنترناسيوني تعقده الدولة السورية على اللواء إلا إذا تمَّ له أحد شرطين: إما أن لا يؤثر في استقلال اللواء، وإما أن يعرض على مجلس الـجمعية الأمـمية للموافقة.

 

3 - جعل اللغة التركية اللغة الرسمية الأولى.

 

4 - وضع اللواء تـحت رقابة الـجمعية الأمـمية.

 

5 - إعطـاء مندوب الـجمعية الأمـمية للرقابة حق منع تنفيذ القوانين التي تسنّها السلطة التشريعية السورية في اللواء.

 

6 - منع تشكيل جيش سوري في اللواء وإعفاء أهله من الـخدمة العسكرية ومنع إقامة تـحصينات حربية.

 

7 - جعل حماية اللواء من حق الدولتين التركية والفرنسية.

 

8 - جعل تقرير نظام اللواء وقانونه الأساسي من حق مجلس الـجمعية الأمـمية.

 

»تـجاه هذه الـحال الـخطرة على كيان سورية يطلب الـحزب السوري القومي من الـحكومة السورية:

 

1 - أن تُصدر الـحكومة السورية مذكرة تعلن فيها أنّ قبول الدولة السورية التعهدات التي عقدها الانتداب باسم سورية لا تشمل أي تعهد يأتي بعد جواز الـمعاهدة السورية - الفرنسية في الـمجلس السوري.

 

2 - أن تدعو الـمجلس السوري بصورة مستعجلة إلى دورة إستثنائية لدرس الـحالة واتخاذ موقف حاسم يعبّر عن إرادة الأمة.

 

3 - أن يقرر الـمجلس عدم الاعتراف بأي اتفاق عقد أو سيعقد باسم سورية على يد الدولة الـمنتدبة بعد جواز الـمعاهدة السورية الفرنسية في الـمجلس السوري إلا إذا وافق هذا الـمجلس عليها.

 

4 - أن تقدّم الـحكومة السورية بناءً على قرار الـمجلس الـمذكور التحفظات اللازمة عند تبادل نصوص الـمعاهدة السورية الفرنسية الـمصدقة.

 

»وإنّ الـحزب السوري القومي يعلن للحكومة السورية استعداده لتأييدها في أي موقف جريء لـحفظ حقوق الأمة وسلامة الوطن ويطلب منها أن تقف في جانب قضية الأمة ويحمّلها مسؤولية خسارة قوية تقع بالوطن وسلامة حدوده«.

 

                                                                     زعيم الـحزب السوري القومي

 

                                                                              أنطون سعاده

 

 

في 29 مايو/أيار من تلك السنة تبنّت الـجمعية الأمـمية تقرير سندلر وأصدرت نظام الإسكندرونة الـخاص الذي يجعل تلك الـمنطقة مستقلة استقلالاً شبه تام. كان ذلك شيئاً سيئاً جداً. وكان الزعيم قبيل ذلك دخل سجنه الثالث الذي حدث في التاسع من شهر مارس/أذار 1937 على أثر حادث بكفيا الشهيـر بخيانة خائن لئيم.

 

فلما خرج الزعيم من سجنه وفرغ من الترتيبات الـحزبية الداخلية باشر الاتصال بالـحكومة الكتلوية ليحصل على مؤازرة »«الكتلة الوطنية« في موقفه من قضية الإسكندرونة. وبعد تـمهيدات أولية اجتمع برئيس الوزارة السيد جميل مردم في فندق نـجار في صوفر ولم يأتِ ذكر الإسكندرونة في هذا الاجتماع إلا عرضاً. وتـمَّ الاتفاق بين الزعيم ورئيس الوزارة لعقد اجتماع آخر خاص. فزار الزعيم منفذية دمشق لتفقُّد أحوالها وبهذه الـمناسبـة أمكن حصول الاجتماع بينه وبين رئيس الوزارة. فاجتهد الزعيم بإقناعه بوجوب الوقوف موقفاً حاسماً من قضية الإسكندرونة قبل فوات الأوان. فلم يلقَ من مردم ميـلاً إلى الاهتمام الـجدي بهذه القضية فطلب الزعيم أن تكون »الكتلة الوطنية« متفقة بشكل سري مع الـحزب القومي الاجتماعي في هذا الصدد، لأن مردم أظهر له خشيته من الاصطدام مع الفرنسيين، فكان جواب مردم أنّ خسـارة الإسكندرونة ليسـت خسـارة تستحـق كل هذا الاهتمام وأنّ الـخسارة الـحقيقية واقعة على الأتراك بضمهم الإسكندرونة إليهم، لأن »العناصر العربية« التي فيها ستولّد مشكلاً يتعبهم كثيراً!

 

ولكن مذكرة الـحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الـحكومة الشامية لم تذهب بدون مفعول. إنها وضعت حكومة »الكتلة الوطنية« بين الواجب القومي والـخيانة الصريحة، فلما اجتمع الـمجلس الشامي لم يوافق على التدابير التي تـمّت. ولكن الأمر كان قد قضي. فأجابت الـحكومة التركية على موقف مجلس الشام بنقض معاهدة حسن الـجوار الـمعقودة سنة 1926 بين تركية والـمفوضية الفرنسية باسم سورية. فأذاع »راديو كولونيال« الفرنسي في السابع من ديسمبر/كانون الأول سنة 1937 أنّ الـحكومة التركية أرسلت مذكرة إلى الـحكومة الفرنسية بصفتها صاحبة الانتداب على سورية »تبلّغها فيها نقض معاهدة الصداقة الـمعقودة في باريس سنة 1926 بين تركية وسورية«.

 

أما حكومة »الكتلة« فأخذت تنتقل من موقف ضعيف إلى موقف أضعف. ففي 18 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1937 وضع رئيس الوزارة البيان الوزاري الذي ألقاه في اليوم التالي في مجلس النواب وفيه يقول في صدد قضية الإسكندرونة:

 

»وأصبحـت منطقة الإسكندرونة كما تعلمون ذات كيان مـميَّز يرتبط بسورية بسياسته الـخارجية (كذا وهو غير صحيح حسب النظام الـمقرر من الـجمعية الأمـمية ولا ندري إذا كان مردم جاهلاً أو متجاهلاً) وشؤونه الـجمركية وبالنقد والبرق والبريد وبعض العلاقات التشريعية وما شابه ذلك من الأمور العامة (ما عدا الـجيش طبعاً والدفاع) وقد وقفنا من هذا العمل الـموقف الذي أرادته الأمة وأعرب عنه مجلسكم الكريـم«.

 

ولكن مردم نفسه عاد فصرح لـمندوب جريدة الطان الفرنسية في رحلته إلى فرنسة بعد بيانه الوزاري بأقل من شهر بقوله:

 

»ولقد انتهت قضية الإسكندرونة الـمؤسفة إلى حل ما كان يـمكن أن يبدو للشعب السوري إلا مجحفاً. ولكننا مع ذلك انحنينا أمام قرار الـجمعية الأمـمية في سبيل مصلحة السلام والتعاون الإنترناسيوني. ونرجو أن يحسب هذا الـموقف برهاناً على النضج السياسي وروح الـمسالـمة اللذين يسودان الـحكومة والشعب السوري«.

 

ما هي حقيقة هذا البرهان على النضج السياسي؟ أهي شيء غير مطاوعة مشيئة »الدولة الـمنتدبة« الـخائنة؟ إذا لم يكن »الانحناء« الذي أشار إليه السيد جميل مردم خيانة عظمى فهو، على الأقل، عقم سياسي لا مثيل له إلا عند الشعوب البربرية والـمنحطة. ولكن الـخيانة ظاهرة بـكل وضوح في تصريحات عديدة فاه بها السيد مردم بصفته رئيس الوزارة الشامية، وبغير هذه الصفة، منها تصريحه الذي أدلى به إلى مخبري الصحف التركية في استانبول حيث أقام الوفد الـحكومي الشامي وعلى رأسه رئيس الوزارة السيد مردم، يومين بطريقه إلى باريس، وهذا هو التصريح:

 

»ليس بين الأمتين السورية والتركية أي عداء كما زعم البعض، إلا أنّ هناك أموراً أوجبت سوء التفاهم رأينا إزالتها بواسطة الـمحادثات الدبلوماسية. إنّ الأمة السورية وحكومتها تؤمنان بحسن نيات الأمة التركية وحكومتها، وتعلّقان على هذه النيات الـحسنة كل أمل في أن تسفر الـمحادثات القادمة عن نتيجة موافقة ومرضية«.

 

ومنها تصريحه الشهير الذي أدلى به إلى السيد محمد خليل باشاران مراسل جريدة جمهوريت جواباً على أحد الأسئلة التي وجّهها إليه الـمراسل الـمذكور. وإليك سؤال الـمراسل وجواب رئيس وزارة الشام:

 

س - »هل تفضلون الدخول في الـحلف الشرقي أو ترغبون في الانضمام إلى الـجامعة العربية؟

 

ج - نفضل الانتساب إلى الـجامعتين معاً. على أنّ الـحلف الشرقي الذي سعى إليه أتاتورك (مصطفى كمال) قد جعل كل شرقي مـمتناً له. إنّ البطل أتاتورك ليس للترك فحسب بل هو أبو الشرق أيضاً. إنّ الأمـم الشرقية كافة تستنير بأعماله وتسير على الطريق التي سار عليها، ولو لم يكن أتاتورك فماذا كان حلَّ بالشرق؟ وإذا كان اسمه أبا الترك فهو جدير بأن يسمى أبا الشرق. (الترجمة لـجريدة النهار البيروتية في عددها الصادر في 12 مارس/أذار 1938).

 

ولا يحتاج الـمرء ليكون فيلسوفاً ليستنتج أنّ ما عناه السيد مردم بقوله إنّ أتاتورك جدير بأن يسمّى أبا الشرق وأن تسير الأمـم الشرقية كافة على الـمنهاج الذي رسمه هو أنّ أتاتورك أب يعمل بـمشيئته أبناء »بررة«كرجال »الكتلة الوطنية« التي، مع ذلك، ظلت تدّعي بوقاحة كلية أنها تتكلم باسم الشعب السوري وبالنيابة عن الشعوب العربية.

 

لم يكن تصريح السيد جـميل مردم لـجريدة جمهوريت الـتركية مجرّد كلام اعتباطي قاله السيد الـمذكور في غفلة من الغفلات الـمختصة بعقمه السياسي، بل كان وفاقاً لـخطة رسمها العقم السياسي الكتلوي وأعلنها رئيس الوزارة في البيان الوزاري الـمشار إليه آنفاً بقوله:

 

»ثم إنّ فريقاً من رجال السياسة وكتّاب الصحف الأجنبية تعرّض لـما تشتمل عليه البلاد من شعور قومي فتحرفه عن وجهته الـحقيقية ومقاصده الشريفة حتى خُيِّل له أنّ في هذه البلاد تُدبّر الـمؤامرة للتدخل في بعض البلدان الـمجاورة وإذكاء نار الفتن التي تعانيها. وهذا باطل محض لأننا نريد أن نحترم العقود الدولية وأن نكتسب عطف الأمـم الـمختلفة، ولا نريد أن نعرّض استقلالنا في بدء عقده إلى مغامرات سياسية، ولا أن نوقظ في بلادنا فكرة عدوان لهذه الدولة أو لتلك«.

 

فما هي هذه »العقود الدولية« التي أرادت الوزارة الكتلوية احترامها بدون استثناء؟ أليس العقد بين فرنسة وتركية على الإسكندرونة من ضمنها، أوَليس نظام الإسكندرونة الذي أقرته الـجامعة الأمـمية من ضمنها؟ ألا يعني هذا التصريح الوزاري أنّ كل عقد مقبل تعقده الـمفوضية الفرنسية باسم سورية قبل تصديق الـمعاهدة في البرلـمان الفرنسي سيجد عند حكومة »الكتلة الوطنية« الاحترام الكلي مهما كان مجحفاً بحق الأمة ومهدداً سلامة الوطن؟

 

إنّ التصريح الوزاري ألغى موقف الـمجلس النيابي وجاء معاكساً لـما طلبه زعيم الـحزب السوري القومي الاجتماعي في مذكرته التي وجّهها إلى الـحكومة الشامية في صدد مسألة اتفاقات الإسكندرونة. ولا بدّ، تـجاه هذه الحقائق، من الاستنتاج أنّ حكومة الكتلة هي التي وقفت سراً في وجه موقف الـحزب القومي الاجتماعي في مسألة الإسكندرونة، وجعلت هذا الـحزب بين أحد أمرين: إما الانتظار وإما الاصطدام بــ»الكتلة الوطنية« وشق الأمة نصفين في قضية يجب أن تكون الأمة السورية يداً واحدة فيها.

 

ننشر فيما يلي نص النظام الذي أقرته الـجمعية الأمـمية لـمنطقة الإسكندرونة في 29 مايو/أيار 1938 ونص معاهدة الصداقة بين فرنسة وتركية الـمعقودة في 4 يوليو/تـموز 1938 ليطّلع القرّاء على الكيفية التي سُلخت بها هذه الـمنطقة السورية الغنية عن جسم الوطن السوري، وحكومة »الكتلة الوطنية« لا تـحرك ساكناً من أجل »احترام العقود الدولية« وفي سبيل »مصلحة السلام والتعاون الإنتـرناسيوني وتقديم البرهان على النضج السياسي«. راجع الـملحق رقم 6 والـملحق رقم 7.

 


[1] مقال «البلاد السورية سيدافع عن سلامتها جيش سوري لا جيش تركي»، سعاده، أنطون، الأعمال الكاملة، ج 2، ص 95.        

 

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro