مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
دروس قومية إجتماعية ما شفنا شي
 
 
 
الزوبعة، بوينُس آيرس، العدد 60، 15/2/1943
 

 

تتناول الزوبعة، في سلسلة الدروس القومية الاجتماعية التي ابتدأت إعلانها منذ مدة، الشؤون الـمختصة بالشعب السوري عامة وقضاياه العامة والـخاصة، والشؤون الـمختصة بالـحركة السورية القومية الاجتماعية خاصة، وقضاياها العامة والـخاصة.

 

تعلم إدارة الزوبعة أنّ قضايا الـحزب كان يجب أن تعالج في نشرة خصوصية توزع في داخلية الـحزب لتبقى لها صفتها الداخلية. ولكن لـمّا لم تكن هذه النشرة موجودة، ولم يكن منتظراً إحداثها قريباً في الـمغترب لـما يقتضيه ذلك من نفقات، لم يكن بد من العرض لهذه القضايا الـمستعجلة في الزوبعة لكي لا يحرم القوميون وغير القوميين فوائد الدروس الناتـجة عنها.

 

الـمسألة التي نعرض لها اليوم هي مسألة عقلية شائعة يـمثّلها بعض الأفراد الذين حين يدخلون الـحزب السوري القومي الاجتماعي يتوهمون أنّ أعظم القضايا سَتُقْضى بسرعة البرق فلا تـمضي بضعة أشهر حتى يروا حوادث عظيمة تـجري أمام أعينهم فلا يغمضونها ويفتحونها مرة، حتى يتحققوا أنّ الـحالة السياسية أو الاجتماعية أو الـحربية قد تغيرت تـماماً.

 

مـن هـؤلاء الأفراد عدد غير قليل يجهل جهلاً تاماً الـحالة العامة ومتطلباتها وشؤون التنظيم وصعوباته ومقتضياته، ولا يحسنون غير الكلام والتعليق والانتقاد والاعتراض على الـمقررات والسفسطة بكل ضروبها. إنهم قد تعوّدوا هذه الـخصال السيئة في بيئة الفوضى والتقلقل وعهد الانحلال النظامي. ولعدم تأدبهم في أي أمر من الأمور الاجتماعية أصبحوا يظنون أنّ طبيعة الأمور الاجتماعية والسياسية هي الفوضى، فكل محاولة تأديب نظامي وإخضاع للنظام تُعَدّ عندهم محاولة طغيان وحرمان لهم من آرائهم وحقوقهم. وإذا قيل لهم، مثلاً، إنه لا يجوز للأفراد التدخل في شؤون الإدارة العليا قالوا: هه! هل نحن هنا لنساق سوقاً ولا يكون لنا من الأمر شيء؟

 

هذه نتيجة الفوضى التي عاشوا فيها والـجهل بالأنظمة الاجتماعية وبقيام الأمـم وعلاقة الصلاحيات بالـمسؤولية. فهم يجهلون أنه متى فوّض الشعب الأمر أو السلطة إلى فرد أو مجلس، دائماً كان أو لـمدة معينة، إمتنع على الأفراد الذين لم يفوِّض إليهم الشعب شيئاً التدخل في أي شأن من الشؤون والأعمال الـمتعلقة بصلاحيات صاحب السلطة. ويجهلون أيضاً أنّ الوظائف لها حدود لا تتجاوزها، وأنّ الأوامر الإدارية العليا الصادرة وفاقاً للقانون لا يـمكن للمأمورين منعها أو توقيفها أو إلغاءها من تلقاء أنفسهم. هم يجهلون أنّ أي تصرف من هذا النوع الشاذ هو تـمرّد على إرادة الـمجموع التي يقوم بها النظام واحتقار لهذه الإرادة. فإذا خاطبوا الزعيم، مثلاً، لم يخطر لهم أنهم يخاطبون الـحزب السوري القومي الاجتماعي كله باعتبار أنّ الزعيم «قائد قواته الأعلى ومصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية.» إنّ فكرة النظام وقواعده بعيدة جداً عن أفهامهم. ولذلك يتوهمون أنّ الزعيم ليس سوى فرد مثلهم، فإذا تدخلوا في شؤون عمله فإنـما هم يتدخلون في شؤون فرد ويجب أن لا يصعب على هذا الفرد أن يتدخل أي من شاء في خططه وتدابيره ومراسيمه وقراراته، ولا يهمهم أن يفهموا أنّ وراء هذا الفرد شخصية الـحزب العامة وإرادته، وأنه ليس وراءهم هم غير شؤونهم الفردية الـخصوصية، وأنه ليحق لهم التدخل في شؤون الزعامة يجب أن يحصلوا على تفويض حزبي عام بذلك.

 

هذه حالة فاشية في الـجيل السوري الـحاضر بسبب انتشار الفوضى فيه أجيالاً متعاقبة بلا انقطاع. والـحزب السوري القومي الاجتماعي ورث هذه الـحالة التي يعالـجها بنظامه وتأديبه. والنظام بطبيعته قاس وشديد، وإلا بطل أن يكون نظاماً. إنه قواعد مقررة لتسيير الـمجموع أو الـجماعة. وكل خروج عنها أو عليها هو خروج عن إرادة الـمجموع أو عليها. والزعيم الذي يتساهل في النظام وحقوق الـمجموع وإرادته هو زعيم ضعيف الرأي، واهن العزيـمة، ولا يصلح لتمثيل الـمجموع والتعبير عن إرادته وصون حقوقه. وإذا وجدت مسائل يـمكن التساهل فيها فالزعيم الصالح هو الذي يعرف أكثر من غيره مدى هذا التساهل والـحد الذي يقف عنده لكي لا يفسد الروحية ولا يهدم الـمبادىء العامة.

 

يوجد أفراد غير قليلي العدد يريدون زعيماً لين العريكة، سهل الانقياد، غير مدرك عظم الـمسؤولية التي يحملها ليكون لهم تأثير شخصي عليه، فيحسنوا له فعل هذا الأمر فيفعله، ويدلّوه على تلك الطريق فيسلكها. وبذلك يصير لهم الـحق بالتباهي فيقول أحدهم أنا الذي دللت الزعيم على أمر كذا، ويقول آخر أنا الذي أشرت عليه بكذا ولولاي لـما استقر شيء، إلخ.

 

واحد من هذا النوع حسن النية، إقترن فيه جهل الـمسائل العمومية والنظامية ببساطة تفكيره وسلامة نيته، دخل الـحزب السوري القومي الاجتماعي متمماً الـمعاملات القانونية ومقسماً اليمين، التي تنص على حفظ النظام وطاعة الأوامر والقيام بالواجب، وهو مع بساطة تفكيره، فيه مقدار من الذكاء الفطري، وله نظر عملي في بعض الـمسائل الـمحدودة. ونظراً لـحسن نيته وذكائه ونظره العملي أسندت إليه وظيفة إدارية صغرى محدودة. ولكن بساطة تفكيره الـمتضاربة مع سرعة ذكائه الفطري والـممزوجة بنظره العملي حسنت له إدخال رأيه، بصورة غير قانونية، في الـمسائل التي من شأن الـمراجع العليا تقريرها، فأوقف تنفيذ عدة مقررات وتعليمات، لأنه كان يرتأي أنّ أمر كذا غير موافق، وأنّ مشروع كذا يجب أن يؤجل لفرصة أخرى، وأنّ حالة كيت وكيت ليست هي الـمطلوبة، إلخ. إلى أنه اتخذ جميع صلاحيات الـمراجع العليا النهائية، الـمفوضة من مجموع الـحزب، وجعلها من خصوصياته. فاضطر الزعيم أكثر من مرة لشرح أسباب بعض الأوامر ونتائجها الـمنتظرة لإقناع الـمأمور الـمذكور أنّ الأمور ليست كما يرتأيها هو، وأنّ نظرة الزعامة إلى الـمسائل تختلف عن نظرة الـمأموريات الـمحدودة. وكان الزعيم يفعل ذلك من أجل تنوير الـمأمور ودائرة الـموظفين معه، فلا يعود إلى تدخلاته في ما هو من شأن أصحاب الـمسؤوليات العليا. ولكن الـموظف لم يغيّر شيئاً من تصرفه، بل عاد إلى العمل برأيه الـخاص في كل مشروع وأمر طُلب منه تطبيقه في محلته. واتخذ في بعض الـحالات موقف من يجب أن يكون الزعيم نفسه مسؤولاً تـجاهه، بدل من يجب أن يكون مسؤولاً تـجاه الزعيم، أي أنه عندما طولب بالتنفيذ وحوسب على عدم تنفيذ التعليمات التي ينص عليها قَسَمان: قَسَم العضوية وقَسَم الوظيفة، إحتجّ بأن الزعيم لم يوضح له ما سأله إيضاحه!

 

كان هذا الشذوذ الإداري ذا تأثير سيّىء جداً على حالة الفرع. واضطر الزعيم للفصل في مسألة تصرفات الـموظف الإداري الـمذكور وتـحميله مسؤولية تعطيل القانون وقتل بعض الـمشاريع الهامّة التي كان يرى الزعيم إمكانياتها ونتائجها الـحسنة الـمقبلة. فما كان من الـمأمور إلا الإلتجاء إلى تأويل الـمسائل أمام أصدقائه من الرفقاء بطريقة تـجعل اللوم والـحق على الزعيم نفسه، مثيراً في نفوس أولئك الرفقاء الشك في صلاح تدابير الزعيم، مفسداً إيـمانهم القومي وثقتهم النظامية ليبرر نفسه من مسؤوليته، التي هي مسؤولية قانونية صريحة قبل كل شيء، والتي جرت محاسبة بـموجبها علناً أمام الرفقاء الذين حضروا الاجتماعات الـمعينة للنظر في هذه القضايا.

 

طالت معالـجة العضو الـمخالف للقوانين ولنص اليمين نحو سنتين والزعيم يأمل إصلاحه. وفي هذه الأثناء، نقله الزعيم من وظيفته الإدارية إلى وظيفة سياسية الصبغة لعله ينجح فيها، فأهملها بالكلية. ولـما حوسب على نتائج الإهمال السيئة عاد إلى عادة التنصل من التبعة ووضع الـحق على بعض الأسباب التي حين سئل عن تفصيلها لم يـمكنه إثباتها. وعاد إلى محاولة التأثير على أصدقائه من الرفقاء ليجعلهم يرون رأيه. وقد تـمكن من التأثير الفعلي على بعض الرفقاء ففسدت روحيتهم وتزعزع إيـمانهم وحلّت الشكوك في نفوسهم محل اليقين.

 

آخر الوسائل التي استعملها ليصل إلى غايته كانت وسيلة التأثير على تفكير الأشخاص بجيوبهم. وهذه نقطة حسّاسة جداً لا يـمكن أن يغفل عنها ذو الذكاء الفطري وصاحب الغاية الصغيرة الـمحدودة. فالـمغتربون قد جاؤوا ليجمعوا مالاً وليس لأمر آخر. والبخل على القضية القومية والـمشاريع الثقافية لتوفير الـمال للأشياء الـخصوصية الفردية هو شبه مذهب ديني عند عدد غير قليل. فألقى الـمخالف قنبلة وقال على مسمع من بعض أشخاص يعرف جيداً مبلغ تأثرهم بالتفكير الـمادي: «دفعنا وما شفنا شي.» والظروف التي قيلت فيها هذه العبارة تـجعلها ذات صبغة دبلوماسية بحتة، لأنها لو كانت ذات صبغة حقوقية لكان يجب أن تقال في اجتماع أو جلسة رسمية ليصير السؤال والـجواب بوضوح أمام الـجميع.

 

لسنا ننظر في الغاية الروحية من العبارة الـمتقدمة ولا في الاعتبارات الدبلوماسية الدافعة إليها. بل نناقشها لنبيّن فسادها لكيلا ينخدع بـمثلها كثيرون. نسأل الشخص الـمذكور، ماذا دفع وماذا كان ينتظر مـما دفع؟ تبرع هذا الغيور في خلال ثلاث سنوات تقريباً ببضع مئات من الفاسات الأرجنتينية. والذين تبرعوا مثل تبرعه هم أشخاص لا يزالون يعدّون على أصابع اليد الواحدة. لنفترض أنه دخل صندوق الـحزب، في ثلاث سنوات، خمسة أو ستة أو سبعة آلاف فاس، ولنفترض أنّ مدخول إشتراكات الرفقاء بلغ مثل هذا الـمبلغ، فماذا يظن هذا الذكي الـحسن النيّة أنه يـمكن أن يعمل بنحو خمسة عشر ألف فاس دخلت نتفاً نتفاً في مدة ثلاث سنوات ونيف؟!

 

نعلم أنه قد مضى على دخول الولايات الـمتحدة الأميركانية الـحرب سنة ونيف، قرر في خلالها الـمجمع الأميركاني، مبالغ مالية يحصل لرأس الـمرء دوار حين يتتبع أرقـامها. ونعلم أنّ أميركـانية كانت قد خصصت اعتمادات حربية كبيرة جداً قبل دخولها الـحرب بنحو سنة على الأقل. ونعلم فوق ذلك، أنّ تـجهيزات الولايات الـمتحدة الـحربيـة وحدها استغرقت أموالاً طائلة في السنوات الأخيرة التي عقبت الـحرب الـماضية، فضلاً عما سبقها. ونعلم أيضاً أنه على الرغم من مضي سنة ونيف على دخول أميركانية الـحرب لـمّا تقم هذه الدولة الضخمة بغير مناوشات حربية في جزائر سليمان وإنزال بعض القوات الـمسلحة في الـمستعمرات الفرنسية في أفريقية الشمالية بدون حرب تقريباً. وآخر اعتماد قرأنا عنه في أخبار أميركانية هو مئة وتسعة آلاف مليون دولار فقط لا غير. وهو شيء لا يذكر بالنسبة إلى الـمبالغ الأخرى!

 

فهل يجوز أن يقوم أحد أذكياء الأميركان ويتحدث إلى أصدقائه في خلوة قائلاً: «دفعنا وما شفنا شيء؟»

 

هل يعلم ذكيّنا الكبير القائل «ما شفنا شي» كم هي الـمبالغ الطائلة التي ينفقها اليهود على دعاواتهم وحدها؟

 

ضربنا الولايات الـمتحدة مثلاً لنبيّن أنّ الـمبالغ الـمالية هي على نسبة كبر العمل وعظم الـمهمة. إنّ الـحزب السوري القومي الاجتماعي يقوم بقضية أمة بأسرها ويهتم بجميع مسائلها. وهذه القضية والـمسائل ذات طبيعة داخلية معقدة وشكل خارجي مختلف وحاجاتها الإذاعية والثقافية والتنظيمية والتجهيزية كبيرة جداً جداً. فهل يظن صديقنا، الذي ينفق على بيته وشؤونه الـمنزلية وحدها في السنة الواحدة ما يزيد على الـخمسة عشر ألف فاس التي نفترض أنها دخلت صندوق الـحزب في مدة ثلاث سنوات ونيف، أنه يـمكن سد هذه الـحاجات العظيمة أو بعضها بهذا الـمبلغ الزهيد الذي لا يكفي لدفع معاش ماسك دفاتر أو كاتب بسيط في مدة ثلاث سنوات ونيف؟!

 

وماذا يقول ذكيّنا في الزوبعة والـمجهود الذي يبذل فيها لتغيير النظرة إلى الـحياة ونوع العقلية في الشعب وهو تغيير لا نهضة بدونه. أيعلم أو يفكر في نفقات هذه الـجريدة من أين تأتي؟ هل حسب كم هي نفقات الطبع وثمن الورق فقط، من غير حساب تعويض الإنشاء وأجرة التحرير؟ هل يقوم ذلك بدون مال؟ أمّا مسألة الـمشتركين في الصحف السورية فلا نظن أحداً يجهلها. من أكبر كبير في جميع النزالات السورية إلى أصغر صغير فيها لا يؤدي غير أفراد نادرين بدل الإشتراك بدون مطالبة متواصلة أو رحلات خصوصية تكلف مجهوداً آخر ونفقات إضافية.

 

إذاً العبارة التي بلغنا أنها صدرت من الـمأمور السابق هي عبارة فاسدة. إذا لم تكن صادرة عن قصد سيِّىء فهي لا يـمكن أن يكون لها غير نتائج سيئة، إذ إنها تفسد نفوس أشخاص كان يـمكن الاعتماد على إيـمانهم وروحيتهم الـحسنة وتعاونهم الـخالص. وهذا الضرر لا يلحق الزعيم بل يلحق الناس وقضية الشعب. فهذا الإفساد يقتل الثقة ويعدم الإيـمان. ومتى ماتت الثقة فقد مات العمل.

 

إنّ مثل العبارة الـمذكورة لا يـمكن أن يـميت غير ثقة الأفراد الذين لا حظ كبير لهم من الإطلاع والـمعرفة. إنها لا تقتل العمل ولا تعطل القضية، ولكنها تفسد عدداً من العاملين وتوجد صعوبات في بعض النواحي تـحتاج الـحركة لبعض الوقت للتغلب عليها.

 

ونعود فنقول إنّ الهدم والإفساد ليس بطولة. وإننا في الأخير، نود أن لا يكون حقيقة ما بلغنا عن قول العبارة الـمذكورة التي جعلناها عنوان هذا الـمقال، لأننا لا نحب هذه الـمهازل لأحد.

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro