مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
رد على لويد جورج
 
 
 
جريدة ألف باء الدمشقية، 1931/5/15 جريدة النهضة، بيروت، العدد 99، 1938/2/11
 

 

إني أتـجرأ بأن أوجه إليكم يا سيدي هذا الـجواب الـمفتوح بالبساطة والصراحة اللتيـن تـمتاز بهما أمتي السيئة الطالع، لأن لـخطابكم التاريخي[1] الذي ألقيتموه في الـمأدبة التي أقامتها لكم الـجمعية الصهيونية في لندن، علاقة مباشرة بـمصير أمتي: الأمة التي وضعت حجر الزاوية في بناء التمدن، الأمة التي فعلت في سبيل الـمدنية كل شيء.

 

ترون، يا سيدي، أنّ جوابي سيكون بسيطاً صريحاً، خالياً من مجاملات الـمداهنة العصرية التي تتطلبها مزاياكم السامية. ولكنه جواب يختلف شرفه عن الشرف الذي قلتم أنكم أوليتموه في مأدبة الـجمعية الصهيونية في أمر بسيط، صريح، أعني أنه شرف حقيقي!

 

لا أدري، يا سيدي، إذا كان في الـمأدبة التي أدبتها لكم الـجمعية الصهيونية شرف لكم أو لها. بل لا أدري إذا كان في تلك الـمأدبة شرف على الإطلاق.

 

أجل، لا أدري. وليس الذنب ذنبي إذا كنت لا أدري. فقد تلوّن الشرف في هذا العصر بألوان متعددة. أما أنا فإني أعرف شرفاً واحداً، لا أعرف ولا أبالي بسواه. هو الشرف غير الـملون!

 

إنّ من الـمبادىء الأولية التي يعرفها صبيان الـمكاتب، فضلاً عن الـمتنورين، أنه لا يجوز مزج الشرف بالسياسة أو مزج السياسة بالشرف. إنكم، ولا شك، تعرفون هذا الـمبدأ قبلي. ولكنكم ضربتم بهذا الـمبدأ عرض الـحائط حيـن كنتم رئيس وزارة بريطانية العظمى وأجزتـم »تصريح بلفور» الـمشؤوم، الـممقوت، وعدتـم فضربتم بهذا الـمبدأ عرض الـحائط ووقفتم في مأدبة الـجمعية الصهيونية مباهين بصنيعكم الذي إذا تـمّ - وهو لن يتم - قضى على حياة أمة كان من جملة عهودكم أن تعترفوا باستقلالها وتـحترموه. وقفتم في تلك الـمأدبة ومحياكم طلق وقلبكم مفعم سروراً كأنكم تباهون بعمل شريف!

 

لـو كنتم وقفتم في مباهـاتكم عنـد حد ذكر إجازتكم »تصريح بلفور« السيّئ الطالع لـما كان هنالك ما يدعو إلى احمرار وجهكم خجلاً، إذ لو كان حدث شيء من ذلك لاعتبر شذوذاً عن تقاليد طبيعتكم الأنغلوسكسونية لا يغتفر، ولكنكم لم تقفوا في مباهاتكم عند ذلك الـحد، بل تـجاوزتـموه إلى الـمفاخرة بتلك العملية الدموية التي أجريتموها في جسم أمتي بقطعها إلى قسميـن في تلك الـمدينة الـجميلة القائمة على شواطىء البحر الـمتوسط الغربية الـمعروفة بـ »سان ريـمو«[2].

 

وكما خرجتم في ذلك الوقت من الـمؤتـمر الذي أجريتم فيه تلك العملية مهنئيـن بعضكم بعضاً أنتم ورصفاؤكم دون أن يحمر لكم وجه أو يندى لكم جبيـن، كذلك وقفتم في مأدبة الـجمعية الصهيونية بعد مرور إحدى عشرة سنة على تلك العملية الشاذة مفاخرين بنجاحكم فيها دون أن يحمر لكم وجه أو يندى لكم جبيـن.

 

تـجاه هذه الـحقيقة الراهنة يترتب عليَّ أن أعترف بـمقدرتكم الفائقة على الاحتفاظ بتقاليد طبيعتكم الأنغلوسكسونية، إلى أبعد حد مـمكن، أثناء قيامكم بعملية مزج الشرف بالسياسة ومزج السياسة بالشرف.

 

تعلمون، يا سيدي، أكثر مـما أعلم أنّ العلم من طبيعة الغربي، وأنّ الفلسفة إلى طبيعة الشرقي أقرب. ومع ذلك فإنكم لم تراعوا هذه الـحقيقة وأقبلتم، في خطابكم في مأدبة الـجمعية الصهيونية، على الفلسفة حيـن كان الأَوْلى بكم أن تقبلوا على العلم فكـانت النتيجة أنكم ارتكبتم خطأ منطقياً وخطأ علمياً وخطأ فلسفياً حيـن قلتم في خطابكم الـمشار إليه »لم تكن تلك البلاد (فلسطيـن) وطناً لقوم ما بل كانت خراباً وأفضل ما فيها أنها تصلح لأن تكون وطناً.«

 

لست في حاجة إلى أن أدلكم على مواضع خطأكم لأني على يقيـن تام من أنكم تعرفون جيداً، كما أنا أعرف جيداً »بأن تلك البلاد فلسطيـن هي جزء حيوي من وطن كامل غير قابل التجزئة، لأمة واحدة هي الأمة السورية.«

 

أنتم أنفسكم كنتم في عداد الذين تبجحوا كثيراً أثناء الـحرب العالـمية بأنكم تقومون بتلك الـمجزرة الهائلة، لا لغرض آخر سوى تـحرير الأمـم الضعيفة، ومن ضمنها الأمة السوريـة، وقبلتم أنتـم ورصفاؤكم الفـرنسيون متطوعيـن من هـذه الأمة جاؤوا ليسفكوا دماءهم في سبيل نصرتكم ونصرة أمتهم.

 

وإذا أحصيتم، يا مولاي، قتلى جيوش الـحلفاء على العموم، وقتلى الـجيش الأميركاني على الـخصوص، وجدتـم بينها عدداً غير يسير من هذه الأمة التي قمتم الآن تنكرون وجودها في وطنها بصلابة جبيـن قلّ نظيرها!

 

لو لم يكن قد سفك من دم هذه الأمة سوى قطرة واحدة في سبيل نصرتكم في أحرج أوقاتكم لكفى ذلك لـحملكم على احترامها لو كنتم منصفيـن.

 

تقولون، يا سيدي، إنّ الأعمال التي أنـجزتها الصهيونية إلى الآن كافية للدلالة على أنّ الأرض التي كانت تفيض لبناً وعسلاً لم تكن حديث خرافة، وتنسون أنّ اللبـن والعسل كانا يفيضان من تلك الأرض بفضل سواعد الأمة التي كانت فيها، قبل مجيء اليهود إليها هاربيـن من عبودية مصر حيث كان وطنهم القومي الأول، والتي لا تزال فيها إلى الآن. بل أنتم تشيرون إلى ذلك في غير موضع من خطابكم إشارة ضئيلة مبهمة. إلى هذا الـحد بلغت فيكم الـحنكة السياسية والدبلوماسية في التذكر والنسيان وإهمال الـمنطق!!

 

بيد أنّ هذا الـحد، على بعده، قد قصر عن الـحد الذي بلغتموه في قولكم »إنّ لليهودي الـمقيم في تل أبيب حقاً بالـحماية كما للمسلم الـمقيم في كنبور.« جعلتم لليهودي الغريب في فلسطيـن، وللمسلم الوطني في الهند منزلة واحدة ولم تـجدوا في ذلك تناقضاً غريباً قط.

 

إنّ الغرابة التي لا غرابة بعدها هي أنكم خلطتم بيـن السياسة والشرف خلطاً فادحاً، وأدخلتم الـمصلحة السياسية في واجبات الشرف بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الـخلط. فقد ضربتم صفحاً عن جميع الأمور والعهود التي يتوقف عليها شرف العلم البريطاني وجعلتموه يتوقف على حماية اليهودي في أرض دخلها قوم، يدعي هو - وقد يكون ادعاؤه باطلاً - أنهم أجداده منذ نحو 3 آلاف سنة بطريقة غير شرعية.

 

تتكلمون عن »فلاح العرب والـمسيحييـن« بسبب نـجاح الـحركة الصهيونية، أما الفلاح فسأعود إليه فيما يلي، وأما قولكم »العرب والـمسيحييـن« ففيه خطأ قد يعيّركم به باعة الـجرائد عندنا لأنه لا يوجد في فلسطيـن (عرب ومسيحيون) بل شعب هو جزء من الأمة السورية التي تـحمل رسالة تنص في جملة موادها على إنهاض العالم العربي أجمع.

 

الـحقيقة أنّ سوريي فلسطيـن قد أفلحوا فلاحاً عظيماً ولكنه غير الفلاح الذي تعنونه. إنه الفلاح الذي لا تتمنونه، الفلاح في ضرب الطامعيـن في وطنهم ضربات كادت تكون قاضية لولا تدخل جنود بريطانية.

 

إنّ في الـدمـاء التي أسـالوها من اليهود الغرباء، في الدماء الزكية التي بذلوها، برهاناً قاطعاً يكذّب ادعاءكم بأنه ليس في فلسطيـن أمة!

 

يـمكنكم، يا سيدي، أن تغتبطوا أنتم وإخوانكم الصهيونيون »بزوال الشكوك التي قامت على أثر الورقة البيضاء البديعة«، لكن لا يـمكنكم أن تغتبطوا بالـحقيقة الراهنة التي تعرفونها وهي أنّ وجود ورقة ما، بيضاء كانت أو سوداء، أو عدم وجودها لا يغيّر شيئاً من إيـمان أمة مصممة على الاحتفاظ بجميع حقوقها في وطنها وردّ الطامعيـن به مهما كلفها الأمر.

 

»لليهود دعوى خاصة بحقهم في أرض كنعان« ولكنها دعوى نحن نعرف والعالم كله يعرف مبلغها من الصحة.

 

إنكم تـحاولون إثبات هذه الدعوى بالقول إنّ اليهود لم يجدوا وطناً لهم في مصر وفي بابل. فهل وجد اليهود وطناً لهم في فلسطيـن؟ إذا كنتم تعجزون عن إعطاء جواب يتفق والـحقيقة فإن «سني السبي» وألف وتسعمائة سنة نفي تعطي الـجواب الصحيح.

 

مولاي، إذا كان الواجب يدعوني إلى انتقاد مواطن خطئكم، فإن العدل يدعوني أيضاً إلى الاعتراف بأقوالكم الـمصيبة. قولاً واحداً مصيباً يستحق الذكر وجدت في خطابكم. أعني قولكم في الصهيونية »لم يحدث في تاريخ العالم محاولة كهذه الـمحاولة.«

 

أجل، يا مولاي، إنّ التاريخ لم يسجل من قبل محاولة أثيمة كهذه الـمحاولة. وإذا كنتم تـجدون في الإثم مدعاة للفخر فإني أهنئكم بهذه الـحكمة التي أخفيت عن الـحكماء والعقلاء وأعطيت للجهال.

 

إسمحوا لي، يا مولاي، أن أختم جوابي هذا بالـموافقة على ختام خطابكم التاريخي الذي جاء فيه »... يحق لنا أن ننتظر من هذه التجربة أموراً عظيمة لا تقتصر على فلسطيـن بل تتناول العالم أجمع، ليس لأبناء إسرائيل فقط بل لـجميع أبناء الإنسان.« الـحقيقة، يا مولاي، هي كما قلتم فإن أموراً عظيمة - أموراً عظيمة جداً - ستترتب على هذه الـمحاولة الأثيمة التي لم يعرف التاريخ محاولة أخرى تضاهيها في الإثم، وإني أطمئنكم بأن نتائجها لن تقتصر على فلسطيـن، بل ستتناول العالم أجمع، وأنّ عظتها البالغة لن تكون لبني إسرائيل فقط، بل لـجميع بني الإنسان!

 

ومن يعش يرَ.

 

دمشق في 18 مايو/أيار 1931

 

                                                          أنطون سعاده

 


[1]ألقي الـخطاب بتاريخ 11 أبريل /نيسان 1931.       

 

[2] عقد مجلس الـحلفاء بين 19 و25 /4/1920 مؤتـمراً، في مدينة سان ريـمو بإيطاليا، إنتهى بإقرار معاهدة »سيفر« التي رسمت-ضمن شروط الصلح مع تركية - مستقبل سورية الطبيعية الـمبني على التجزئة والإنتداب وعلى إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين بحسب نص وعد بلفور.

 

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro